شريف صالح مصر ونوكيا ومنيرة والديناصورات!   كانت «نوكيا» عملاق الهواتف المحمولة بين عامى 1998 و2012 وبمبيعات تزيد على 30 مليار دولار سنويًا وجيش موظفين يزيد على مائة ألف ثم

مصر ونوكيا ومنيرة والديناصورات!

شريف صالح

مصر ونوكيا ومنيرة والديناصورات!

 

كانت «نوكيا» عملاق الهواتف المحمولة بين عامى 1998 و2012 وبمبيعات تزيد على 30 مليار دولار سنويًا وجيش موظفين يزيد على مائة ألف ثم فجأة تراجعت أمام «سامسونج» و«أبل» إلى أن بيعت لـ«مايكروسوفت»!

ويقال إن مديرها أثناء المؤتمر الصحفى للبيع بكى وقال: «إننا لم نفعل أى شيء خاطئ لكن بطريقة ما خسرنا»! فى إشارة إلى أن الشركة العملاقة لم تستوعب تغيرات العالم السريعة وغاب عنها إدراك سنة التعلم، وسنة التغير. فلم يفتهم فرصة كسب المليارات فقط بل فقدوا أيضًا فرصتهم فى البقاء على قيد الحياة. فإذا لم يستطع عقلك أن يستوعب الزمن سيتم حتمًا القضاء عليك.

تشبه قصة نوكيا قصة الديناصورات سادة الأرض لمائة وستين مليون سنة!! ومع ذلك لم يستطيعوا التعامل مع التغيرات التى فرضها الزمن.. وفرضتها الطبيعة.. فانقرضوا كأن لم يكن!

ولا أدرى لماذا تذكرنى قصة «نوكيا» و«الديناصورات» بقصة منيرة المهدية (1885 1965) سلطانة الطرب وأول مغنية تقف على خشبة المسرح وتسجل أسطوانة موسيقية.. وصاحبة ملهى «نزهة النفوس» الذى كان ملتقى لكبار الشخصيات.. كما كانت صاحبة فرقة تمثيل ويكتب أمام اسمها «الممثلة الأولى».. وصاحبة صوت رائع بالتأكيد.. بل قيل إن الحكومة كانت أحيانا تعقد اجتماعاتها فى عوامتها.

رغم كل هذه الإنجازات الهائلة توارت سلطانة الطرب سريعًا مع ظهور أم كلثوم.. ولم تستوعب أن الزمن تغير…. ولم تقدر على المنافسة فاضطرت للاعتزال أواخر العشرينات من القرن الماضي.. والمؤسف أنها بعدما تجاوزت الستين غامرت بالعودة وإقامة حفل وقيل إن أم كلثوم حضرته وبكت وهى ترى انهيار سلطانة الطرب! لتقضى أيامها إلى أن بلغت الثمانين فى تربية الحيوانات الأليفة!

هل نستطيع أن نلوم «نوكيا» على شيء؟ هل كره مدراؤها كسب المليارات؟ هل أخطأت منيرة المهدية التى كانت ملء السمع والبصر؟

ليس هناك خطأ تراجيدى محدد نعزو إليه هذا السقوط الدرامي.. ومع ذلك.. وبكل أسف.. حدث السقوط!

فما علاقة «نوكيا» و«الديناصورات» و«منيرة المهدية» بـ«مصر»؟

العلاقة فى ذلك «السقوط الذى نراه.. ومع ذلك يتنصل منه الجميع.. أو يكابر فى رؤيته.. فى تلك الأسباب المضمرة والتى قد لا تُدرك بسهولة.. أو لا نملك الشجاعة الكافية لمصارحة أنفسنا بها».

فالدولة التى تبدو حكومتها فى خصومة مع شبابها هى فى حقيقة الأمر فى خصومة مع مستقبلها.. تكتب بيدها شهادة انقراضها!

والحكومة التى تطنطن ليل نهار بشعارات حرية التعبير وحقوق الإنسان والشفافية والكفاءة.. ثم تدار بمنطق المماليك والحاشية والأيابك والعبيد والمرتزقة هى دولة تعيش فى القرون الوسطى ولا علاقة لها بالقرن الحادى والعشرين.. وكل النوافذ التى تُطل منها على المستقبل هى نوافذ كاذبة.. نوافذ مرسومة على الورق ولا وجود لها على أرض الواقع!

وكما قال توينبى إن «الأمم تموت انتحارًا وليس قتلًا»! هذا الانتحار لا يكون قرارًا واعيًا بل غالبًا ما يحدث تدريجيا وببطء وفقًا لمقولة ديورانت: «إن الحضارات العظيمة لا تنهزم إلا عندما تدمر نفسها من داخلها».

إنه القانون نفسه الذى كان وراء انقراض الديناصورات وسقوط نوكيا واعتزال منيرة المهدية.. ينطبق تمامًا على مآلات الدول.. فمن لا يستوعب سنة «التغير» لن يستطيع الحفاظ على بقائه!