كتاب «الهامش الاجتماعى فى الأدب» لهويدا صالح مهمشون لكن نبلاء.. انحياز أيديولوجى أم نقد موضوعى؟ د. حسن عطية   تشغل د. هويدا صالح موقعا متقدما فى حياتنا الأدبية كمبدعة وناقدة

«الهامش الاجتماعي فى الأدب» مهمشون لكن نبلاء.. انحياز أيديولوجى أم نقد موضوعى؟

كتاب «الهامش الاجتماعى فى الأدب» لهويدا صالح

مهمشون لكن نبلاء.. انحياز أيديولوجى أم نقد موضوعى؟

د. حسن عطية

 

تشغل د. هويدا صالح موقعا متقدما فى حياتنا الأدبية كمبدعة وناقدة وباحثة وناشطة، تثير القضايا وتفتش عن المسكوت عنه، تطرح وجهة نظرها فى حركة المجتمع الذى تعيشه وتعايشه بحب دون مراوغة، تشاكس الأيام وتشاكسها الأيام دون أن تطأطئ الرأس، أو تميل مع الرائج، تعلن عن رؤيتها الفكرية للحياة والمجتمع والإبداع بوضوح وتحمل مسئولية، دون أن تميل أيضا لرؤى مبهمة ومناهج شكلية براقة، تكتب فى رواياتها وقصصها القصيرة ومقالاتها النقدية عن المهمشين والمنسيين والمهملين فى المجتمع بوعى استشرافى يتجاوز البكاء الميلودرامى إلى النقد الاجتماعى الصحيح.

وهاهى تعاود موضوعها الأثير فى أحدث إصداراتها والموسوم بـ«الهامش الاجتماعى فى الأدب»، والمتبلور عن أطروحتها للحصول على درجة الدكتوراه فى فلسفة النقد الأدبى بالمعهد العالى للنقد الفنى، مؤسسة إياه بصورة علمية دقيقة على مرتكزات ثلاثة أساسية، ألا وهى الموضوع والمنهج والرؤية، حيث تناقش موضوع الهامش الاجتماعى وتجليلات فى الأدب المصرى الحديث، وبصورة خاصة فى حقل السرد الروائى والقصصى، مستخدما منهجا علميا يتجلى فى عنوان الكتاب الفرعى «دراسة سوسيو ثقافية»، وهو من أحدث الاتجاهات وأشملها المتعاملة مع الأدب باعتباره تعبيرا عن المجتمع ومتماثلا معه ومؤثرا فيه، وقد بات هذا المنهج العلمى يندرج فيما يعرف بـ«النقد الثقافي»، وان استخدمت الباحثة فى فصلها الثالث «التطبيقى والتحليلى للنصوص الأدبية» منهجا آخر يستمد شرعيته من الرؤية السوسيولوجية التى تحكم البحث، وهو المنهج «السوسيو سيميولوجى»، أى تحليل علامات النص بمرجعية اجتماعية تكشف عن مدلولاتها خارج سياق النص الذى يغلقه المنهج السيميولوجى على ذاته، ويعيد للعلامة حقها فى التعبير عن ذاتها داخل السياق المجتمعى.

ورغم صرامة هذا المنهج الموضوعى فإن الكاتبة تعلن عن رؤيتها الفكرية لعالمها ومجتمعها وإبداعه الأدبى، والمائل إلى الطرف الأضعف فى المجتمع وهو «الهامش»، منحازة بصورة جلية إليه، وفقا للإهداء الذى تقدم به كتابها وتقدمه لوالدها الذى علمها الانحياز «إلى المهمشين والمنسيين الذين تفنن المركز فى إقصائهم والنيل منهم»، وكاشفة فى مفتتح دراستها المتميزة عن هذا الانحياز الإيديولوجى، والذى ترى به أن ثقافة المهمشين الشعبية «تكرس لقيم نبيلة يتبناها مجتمع المهمشين، تأكيدا لفكرة أنهم مهمشون لكنهم أيضا نبلاء، ويتبنون قيما إيجابية لا تقل عن قيم المركز»، كما أنها ترى «أن مصطلح الهامش قد يمثل قيمة إيجابية بمعنى مخالفة ما هو سائد» مما يخرجه من موضع الضعف الناتج عن قهر المركز، إلى موضع القوة المناوئة لهذا المركز والمخالفة لقيم المجتمع وأعرافه السائدة.

يلقى هذا التباين الواضح بين رؤية فكرية منحازة للهامش الاجتماعى والمهمشين المنتسبين إليه فى المجتمع المصرى ومنهج علمى صارم يتطلب عدم الانحياز فى التعامل مع طرفى المعادلة: المركز والهامش، يلقى بثقله على البحث المتميز للكاتبة، خاصة فى بداياته، والتى تلتقط معه عدة أشكال أو تمثلات من هذا الهامش ترى أنها نتاج المجتمع المصرى فى نصف القرن الأخير، وتحددها فى مقدمة بحثها بثلاثة هى: الهامش الدينى والهامش الجغرافى والهامش النسوى، ثم تذكر فى فصلها الثالث هامشين آخرين هما: الهامش العرقى والهامش الاجتماعى، فتضحى الهوامش خمسة تفتش الباحثة عبرها عن تناول السرد الروائى لبيئات هذه الأشكال أو الأطراف المهمشة، وقدرته على فضح «إقصائها وتهميشها من قبل المركز/ المتن»، وأن أخلصت فى دراستها للهامشين الجغرافى والاجتماعى اللذين أدمجتهما فيما بعد فى تمثل واحد من تمثلات حضور الهامش فى المجتمع وأدبه.

المفهوم والمجتمع

تبدأ الكاتبة بحثها المتميز بخطوة منهجية هامة، تتعلق بتعريف مفهوم «التهميش» الذى تؤسس عليه دراستها، منطلقة من زمن شيوع المصطلح فى المجتمع العربى عامة وفى الأدب خاصة، فى محاولة واعية للانتقال من التهميش كمصطلح اجتماعى وسياسى، للتهميش كمصطلح أدبى يدخل فى صلب بحثها، وتعمل على رصد ظهوره ومسار انتشاره والأسباب الأدبية والنقدية وراء ذيوعه، فترى أن ثمة عناصر أربعة لعبت دورا فى ظهور التهميش فى المجتمع وانتشاره خلال العقود الخمس الأخيرة، وهى: انتشار الجماعات الإسلامية فى المجتمع المصرى منذ منتصف السبعينات، مع انتشار أفكار العولمة وما بعد الحداثة، فى الوقت الذى كان المجتمع المصرى يتحول من نظام ينحو نحو العدل الاجتماعى تحت شعار الاشتراكية فى خمسينات وستينات القرن الماضى إلى نظام تال يتبنى الأفكار الرأسمالية باسم الانفتاح الاقتصادى على العالم الغربى، وما تبعه من حراك اجتماعى فتت الطبقة البرجوازية، وخلخل شرائحها المتوسطة، دافعا البعض منها لأعلى قمة الهرم المجتمعى، وملقيا بالباقى لسفحه الفقير وهوامشه المستبعدة، هذا بالإضافة – كما ترى الكاتبة – الهزائم السياسية المتوالية، منذ هزيمة 67 حتى اليوم، مرتئية أن تلك «الهزائم التى أصابت الذات العربية جعلت الذات المنهزمة توجه سهام هزائمها إلى الأقليات المهمشة فى المجتمع العربي»، ومن ثم يتبلور ظهور مفهوم «الهامش الاجتماعى»، وموضوع «المهمشون» ونزوع الأدباء للتعبير عنهم فى تسعينات القرن الماضى، وهى الحيز الزمنى الذى ركزت عليه الباحثة ممتدة به لعقد آخر بعد ذلك، وان رجعت جذوره لسبعيناته، غير أننا يمكن القول بأن حضور التهميش فى المجتمع المصرى وأدبه المعبر عنه يرجعان لعقود سابقة ولأسباب عدة غير ما ذكرته الكاتبة، ربما يرجعان اجتماعيا لزمن المماليك المنكسر على يد الحملة الفرنسية، وظهور جماعات التجار والأشراف والعلماء كنخب تتعامل معهم قيادة الفرنسيس، فى مواجهة الشطار والعيارين وعامة الناس الذين قاموا بثورتين شعبيتين أزاحتا الاحتلال الفرنسى عن البلاد، ثم مع نظام «محمد على» وأسرته العلوية فيما بعد، واستيلائه على الأرض، وتوزيعها على الخاصة، مما كون شرائح مالكة وأخرى معدمة ومنزاحة إلى الهامش، وصولا إلى قيام ثورة يوليو 1952 التى أعادت صياغة المنظومة الاجتماعية، بمصادرة الأراضى والمصانع والشركات والأموال، وتمليكها للشعب، مبعدة شرائح اجتماعية عرفت بالمعزولين سياسيا وقتها، ومشكلين وجودا مهمشا اجتماعيا وسياسيا، عبر عنه الإبداع الأدبى والفنى بصورة واضحة، نقف هنا عند ثلاثة نماذج شهيرة فى هذا المجال، وهى: الارستقراطى «رجائي» فى مسرحية «الناس اللى تحت» لنعمان عاشور 1956، المدرك مع شريحته الاجتماعية القديمة أنه لا يملك معها غير الحركة فى المكان «محلك سر»، معلنا فى النهاية عجزه عن الانتقال إلى «مصر الجديدة» المكان والدلالة، والبرنس «فريد» فى رواية «الأيدى الناعمة» لتوفيق الحكيم 1959، الذى تم تجريده من ماله ومن لقبه، بعد المصادرة وإلغاء الألقاب، فانغلق على ذاته داخل قصره الباقى له بنمط حياته القديم، دونما إدراك أن عليه أن يساير الزمن الجديد، الذى أدخله الحكيم فيه ليغير من موقفه تجاهه، ويقبل فى النهاية الأوضاع الجديدة، والموظف الكبير «عيسى الدباغ» فى رواية «السمان والخريف» لنجيب محفوظ 1962، المنفى خارج وظيفته المرموقة بعد إحالته للتقاعد على يد لجنة التطهير بوزارته، التى أثبتت فساده باستغلال النفوذ قبل الثورة، والملغى حزبه الجماهيرى «الوفد» بقانون إلغاء الأحزاب، فتقوقع داخل ذاته، مجترا زمنه القديم، وممثلا بالتالى للشريحة التى باتت تشعر بالتهميش فى المجتمع، وبعدم انتمائها للزمن الراهن بعد ثورة يوليو، وعدم قدرتها على أن يكون لها دور فى الزمن الجديد، وألمها من إدراكها بكونها طبقة زائلة، وشعورها بأنها ارتكبت جرما فى حق وطنها أدى لحدوث الثورة والتغييرات الحاسمة التى نتجت عنها، فينتهى بها المسار إلى الجلوس فى ظلمة الليل تحت تمثال زعيمه سعد زغلول.

يعيدنا تعريف د. «هويدا صالح» لمفهوم التهميش وسعيها للكشف عن جذوره فى المجتمع المصرى، إلى قضية التباين بين المنهج السوسيو ثقافى العام ورؤية الكاتبة للعالم والمجتمع الخاصة، حيث نكتشف تدريجيا تقاربا شديدا بين المنهج الموضوعى والرؤية الذاتية، وذلك برصد الكاتبة لفكرة العولمة التى تدينها باعتبارها تأليها للنموذج الأمريكى الساعى للهيمنة على العالم، وللظرف العالمى الذى جسد انتصار الرأسمالية بقدراتها التكنولوجية فى تسعينات القرن الماضى، مرتئية أنهما أديا إلى «استشراء أفكار ما بعد الحداثة، وذوبان هوية الفرد، وتغييب الذات البشرية، والسعى إلى اختفاء الكائن الإنسانى وتذويبه فى بنيات اقتصادية وسياسية أدّى إلى تغيرات سواء على مستوى ما هو مجتمعى، وظهور الهوامش الاجتماعية «المطلوب» الالتفات إليها»، يضاف إلى «الظرف العالمى» هذا «ظرف عربى/ مصرى» تأثر بمتغيرات العالم، وعمق الواقع الموضوعى تفتت مجتمعه وتشظى رؤيته للعالم، مما زاد من اهتمام الأدباء بظاهرة الهامش، وسعيهم للتعبير عنها سرديا ودراميا، بكتابة «جديدة» «تتحدى سلطة الكتابة المهيمنة على الذوق العام، باحثة عن نغمتها الخاصة وسط المألوف والمعتاد، ولهذا دلالة اجتماعية لتصبح الكتابة فعلا من أفعال المقاومة لتهميش الذات الاجتماعية»، ومن ثم تلتقى نتائج المنهج السوسيو ثقافى الكاشفة عن ظهور موضوع التهميش لأسباب هيمنة رأسمالية عولمية مدانة، بنتائج رؤية الكاتبة الرافضة للنظم الرأسمالية المغيبة للعدل الاجتماعى، والمدركة هنا بوجود أسباب مجتمعية لظهور التهميش فى مجتمعاتنا العربية عامة والمصرية خاصة والاهتمام بالتعبير أدبيا عنه.

تأخذنا الباحثة فى فصل كتابها الثانى فى رحلة طويلة وعميقة تقف فيها عند الذهنية العربية وإقصاء المهمشين، مفتشة فى التاريخ العربى عن تجليات للأدب المهتم بالمهمشين، فتطل على إسبانيا فى العصر الذهبى، الممتد رسميا من منتصف القرن 16 إلى منتصف القرن 17، وظهور جنس أدبى معروف باسم رواية البيكاريسك أو الصعاليك «Novela picaresca»، والمستمد اسمه من الشخصية الصعلوكية المراوغة والماكرة والطموحة وصفتها «Picaro/a» حيث لا يوجد فى روايات هذا النوع شخص يدعى بيكارو، بل هو صفة وليس اسما كما فهم من حديث الباحث المغربى «جميل حمداوي»، وتتميز هذه الروايات بإنكار معايير الشرف التقليدية الذى تميزت به روايات النبلاء والسخرية من هذه القيمة التى بدأت فى التفتت، وضم هذا النوع روايات مجهولة المؤلف مثل: «حياة لثريو دى تورمس وحظوظه ومجده»، وأخرى معروفة وشهيرة مثل رواية «دون كيخوته» للشاعر والكاتب الروائى والمسرحى وصاحب أول رواية أوربية حديثة «ميجيل دى ثيربانتس»، الذى يحتفل العالم الناطق بالأسبانية الشهر القادم بمرور أربعمائة عام على رحيله فى الثانى والعشرين من إبريل 1616، وقبل يوم واحد فقط من رحيل «شكسبير».

استعرضت الباحثة حضور الرواية البيكارسيكية فى الأدب العربى، فى المشهد المغربى أولا، ثم المشهد المشرقى حيث رأته غير بعيد عن تجليات الرواية البيكارسيكية فى أعمال لنجيب محفوظ وحنا مينا وغالب هلسا وخيرى شلبى وجمال الغيطانى وإبراهيم أصلان وغيرهم، وكذلك فى أدباء الأجيال اللاحقة مثل «سعيد نوح» وبطله الكومبارس المهمش فى روايته «دائما ما أدعو الموتى»، و«سيد الوكيل» وبطله الشاعر المهمش اجتماعيا فى روايته «فوق الحياة قليلا» وغيرهم من الأدباء الذين تذكر عناوين روايتهم مثل «الخوق يأكل الروح» لمصطفى زكرى، و«شهوة الصمت» لأمينة زيدان، و«مواقيت التعري» لهدرا جرجس، وغيرهم كثر، ثم تأخذنا الكاتبة إلى الأدب الشعبى، وتجليات المهمشين فى الحكاية الشعبية، ثم وقفة متأنية عند الجماعات الأدبية الغاضبة والواقفة على يسار السلطة.

تقف بنا الكاتبة فى فصلها الثالث متمهلة عند موضوع التعبير الروائى عن هامشى الدين والجغرافيا، ومنفتحة بهذا الأخير على حضور فضاء المكان بصورة جلية فى الهامش الجغرافى، وموقع البيئات البينية على هامش المدن والريف، مازجة الهامش الجغرافى بالهامش الاجتماعى، منتهية فى فصلها الرابع شديد التميز باستخراج سمات أدب المهمشين، وأهمها: المحاكاة الساخرة، والجسد مجال اشتغال الأدب الهامشى، والميتا سرد، ثم بلاغة لغة الهامش، مقدمة للقارئ ما يشبه خاتمة البحث العلمى ونتائجه، واضعة بهما نتاج رحلتها العميقة فى عالم المهمشين ومعالجة الأدب، خاصة الرواية له، تاركة إيانا فرحين بالبحث وبقدرة كاتبته على تحقيق التوازن الدقيق بين المنهج العلمى الموضوعى والرؤية الفكرية المنحازة للفقراء والبسطاء والمهمشين، شاغلة إيانا أيضا بثلاثة أسئلة عن هؤلاء الكتاب الذين ذكرتهم وشرائحهم المهمشة:

  • هل كتابتهم هذه نتاج كونهم أبناء هذه الشرائح المهمشة، التى يعرفونها ويدافعون عنها/ عنهم بكتاباتهم؟ أم أنها نتاج موقف أيديولوجى لهم يتعالى على انتمائهم الاجتماعى لطبقات أخرى؟
  • وهل تعبيرهم عن أبناء الهامش فى مواجهة المتن الجغرافى والاجتماعى والعقائدى قد تم بوعى فعلى قائم أم بوعى ممكن استشرافى؟
  • وهل المهمشون فى النهاية هم فعلا نبلاء أخيار؟ أم أن الهامش الذى أجبروا على الإزاحة إليه يخلعهم عنهم ثوب النبل، ويحول البعض منهم إلى أشرار وقتلة وإرهابيين أحيانا؟

أسئلة مشروعة، أنتجتها دراسة عميقة، يبدو أنها بحاجة لجزء ثان، تحلل فيه أكثر النماذج الروائية التى أشارت إليها، وربما تجيب عن أسئلتنا المشروعة، وهذا حقنا كقراء ونقاد عليها كناقدة جادة ونشطة وواعية.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 822 الثلاثاء 5 إبريل 2016