رحلة إلى مسقط رأسى هدى توفيق   وأنا أصعد الدرج إلى منزل الطفولة، والشباب والشقاوة، بعد مضى سنوات العراك مع الحياة، والانتقال إلى محافظة القاهرة مع زوجى حيث عمله، وإن

رحلة إلى مسقط رأسى

رحلة إلى مسقط رأسى

هدى توفيق

 

وأنا أصعد الدرج إلى منزل الطفولة، والشباب والشقاوة، بعد مضى سنوات العراك مع الحياة، والانتقال إلى محافظة القاهرة مع زوجى حيث عمله، وإن كان مثلى من نفس المحافظة؛ لذلك فضلت أمى رفع الدعوى القضائية من محكمة بنى سويف حرصًا منها على حفظ حقى قانونيًا فى الشقة ورعاية الطفلين؛ لذا عدت مرة ثانية إلى مسقط رأسى لحضور جلسة محكمة الأسرة، لاستخراج ورقة الحضانة والولاية التعليمية لطفلىّ اللذين يمكثان معى الآن بعد طلاقى وقبل أن أرن جرس باب الشقة فى الطابق الثالث، فتحت لى بابتسامتها الوديعة التى أفتقدها وتنساب بينها كل أوجاعي، وتكاد تصرخ روحى آه يا أمى الغالية، ليتنى أعود طفلة فى حضنك، ولا أفارقه ولا أنمو وأكبر لتدهسنى أمور النصيب والحظ العاثر الشديدة الوطأة علىَّ يا أمى… كيف لى أن أجتاز دروب تلك الحياة الوعرة… كيف بالله عليك يا أمى؟ بربك عودى بى جنينًا فى أحشائك الدافئة، عاجلتنى قولا بعد حضن طويل وعناق حار جعلنى أشتم رائحة الطهى الذى تعده من وقت مبكر بعد صلاتها للفجر حتى نتناوله غذاءً شهيًا سريعًا معًا حتى أسافر إلى محافظة القاهرة لطفلىَّ فى وضح النهار معللة هذا ( النهار سترة يا بنتى والليل عتمة وغفلة… ربنا يبعدنا عنها ) ثم تفوهت بعفوية:

– حضرت فى الميعاد كما أخبرك المحامى وحضرت الجلسة طبعًا.. خلاص تجاهلت نبوءتها بعتاب سريع:

– لماذا يا أمى تطفئين نور السلالم – كدت أقع يا أمى

وتذكرت الإجابة عن سؤالها:

– لأ يا أمى لم أذهب الى المحكمة بعد… جئت من موقف الميكرو باص على هنا مباشرة لأدخل التواليت وأتبارك برؤيتك قبل أى شيء.

ثرثرت وقالت ببعض العصبية:

– طيب يا بنتى الحقى وقتك.

هرعت بعد الخروج من التواليت إلى الباب، الذى ما زال مفتوحًا وقبل أن أغادر درج الطابق الثالث التفت أشاهد ابتسامتها الملائكية على وجهها الأبيض البشرة المنحوت بتجاعيد الشيخوخة كالأخاديد محفورة على الوجنتين بانتفاخات كالمخدات تحت جفنى عينيها التى تمرق بنور براق رغم الوهن والضعف الباد على الوجه النورانى، شعرت بوجد وحزن لشيخوخة أمى التى داهمت أفكارى فى غمضة عين، واغتمت نفسى رغم فرحتى بلقائها.

إن ظلال هذه الروح التى أعشقها مسها العجز والتآكل وبالتدريج سيتلاشى حتى هذا النور الوهاج من عينيها، وتحمل روحها العفية خمود مدفأة فارقت الحياة بهجران أحبابها، ولاحقتنى الهواجس كالأشباح وأنا أرتاد التاكسى الأبيض، وتسمرت نظراتى بالدهشة التى لاحظتها فى مرآة التاكسى وتساءلت برعب صامت كيف ستفارقيننى يا أمى؟ هل ستموتين مثل كل الأخريات والآخرين؟ هل يا إلهى ستفعل هذا أيضا مع أمى؟ وامتعضت وفجأة تجدد شعورى بالاستياء بفكرة حضرتنى باستفسار راق لى عن مدى تحقيق أمنيتى تلك هل أستطيع مثل أجدادى الفراعنة العظام تحنيط جسد أمى، وتخليدها فى صندوق زجاجى نائمة مثل الملكات، وأضعه فى حجرتها، وكلما اشتقت إليها آتى لأراها وأتحدث معها، وجسدها كامل ماثل أمامى بزينة وأبهة وعظمة مثل جدتى الفرعونية الفاتنة نفرتيتى أو الأخريات، أفقت على نداء يبدو أنه تكرر قائلا بتأفف:

– هى دى المدرسة اللى فيها المحكمة يا مدام

– مدرسة ايه قلتلك المحكمة يا أسطى انت نسيت؟

ضحك وقال بتهكم:

-هو انت مش من هنا يا مدام

واستطرد مفسرًا:

المحكمة اتحرقت كاملا فى أحداث رابعة العدوية، ونقلوها إلى المدرسة، لغاية ما يكملوا بنا المبنى الجديد… وختم حديثه….

أى خدمة أخرى يا مدام… تيجى احكى لك تاريخ الثورة من 25 يناير فى المحافظة.

قلت تبرمًا وغيظًا من تهكمه اللاذع علىَّ:

لأ… شكرًا… الأجرة يا أسطى.

عدت مرة أخرى بعد حوالى ثلاث ساعات، وكالعادة تستشف حضورى وتفتح لى الباب، وكان النور هذه المرة مشتعلا وقلت مبتهجة من خلاص الجلسة.

– ماما… أنا جوعانة أين الغذاء؟

– جاهز حبيبتى… ماذا فعلت؟

– لا شيء قمت بعمل إجراءات طويلة حتى وصلت لسيدة منتقبة سألتنى أسئلة كثيرة، وأجبت عنيها بجرأة وشجاعة.

ألست ابنتك، وثقى أننى الفائزة، هذا حقى، ولدقائق معدودة صمتت ولم تعلق وهى تجهز طعام الغذاء الشهى وأنا أقف على باب المطبخ أتناول منها الأطباق ثم قالت بخفة.

– حبيبتى أنا أحضرت لك كل الحاجات.

– اوك ماما بسرعة.

– إيه حبيبتى الساعة ما زالت قبل 12 ظهرًا. الظهر لم يؤذن بعد.

– لابد أن أسافر، وأكون فى شقتى قبل أن يحضر طفلاى من المدرسة ولا يجدانى.

– ألم تعط المفتاح لجارتك سميحة؟

– أعطيتها ولكن لابد أن اسافر الآن – ها قد انهيت غذائى

ولكنك لم تأكلى جيدًا سأضع الباقى فى علب بلاستيكية تأكلينه مع الطفلين

– المهم الآن اقرئى الورقة التى دونت بها أشياءك لأتأكد أنى وضعتها كاملة فى الحقيبتين.

– اوك ماما.

ضحكت ضحكة طفولية بريئة وقد أدهشتنى وهى تمزق الورقة على أرضية الحجرة

– تمام لم أنس وضع شيء.

وضحكت منزعجة:

– أمى أنت ألقيت الورق الممزق على أرضية الحجرة.

قالت باستخفاف ومرح:

– ولايهمك أنا مَنْ أنظف الحجرة… هو إنت يعنى من تكنسين الحجرة بدلا منى. نزلت معى حاملة إحدى الحقيبتين التى ملأتهما بخيرات الله، عند الباب الحديدى الكبير للعمارة، أمسكت بى واحتضنتنى بقوة وقالت وقد ترقرقت بعض الدموع فى مقلتى عينيها دون أن ينساب على خديها.

– لم أشبع منك يا ابنتى.

صمت برهة وقلت بانكسار وأنا أنظر إلى الأسفل:

  • وأنا أيضًا يا أمى.

وعندما وصلنا إلى أول الشارع حاملتين الحقيبتين وأشارت للتاكسى وهى تزعق لى: مع السلامة يا بنتى لا تنسى أن تتصلى فور وصولك وتضعى اللحوم والطيور والخضار فى الفريزر.

من فضلك لا تنسى يا حبيبتى حتى لا يتلفوا، فى الميكروباص العائد إلى مسكني، ظللت أفكر فى مدى قسوتى، وعاتبت نفسى أشد عتاب لما لم أجلس معها، وهاجمتنى فكرة جنونية كمن هاجمه نحل يطن ويلسع فى عقلى بفكرة طائشة، لابد أن أعود إليها، وأقبل يديها، وأمكث فى أحضانها لليلة كاملة على سريرها كما اعتدنا النوم معًا، واستمر هذا الشعور الثقيل يؤرقنى حتى بعد أن وصلت شقتى واتصلت بها أعتذر مرارًا وتكرارًا أننى تركتها سريعًا حتى تعبت من الألم فنمت واستيقظت والشوق والحنين والندم يلازموننى، ملسوعة محمومة (بحمى الندم ) وكان هذا تقريبًا فى الساعة العاشرة مساءً، فقررت أن أكتب هذه الكلمات لك يا أمى، بعد أن زاد حنينى وتحول إلى اكتئاب يريدك ويرجوك أن تسامحينى يا أمى يا مسقط رأسى.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 822 الثلاثاء 5 إبريل 2016