سالي رياض   لم يخلف الربيع موعده لكنه عاد ليقتلع هذه المرة زها حديد لا أكاد أصدق بالأمس عدت لتوى لأتلقى خبر رحيل سيدة العمارة عبر اتصال هاتفى ولأنى قد

زها حديد

سالي رياض

 

لم يخلف الربيع موعده لكنه عاد ليقتلع هذه المرة زها حديد لا أكاد أصدق بالأمس عدت لتوى لأتلقى خبر رحيل سيدة العمارة عبر اتصال هاتفى ولأنى قد عدت لتوى من تحضيرات لكتابى عن زها فإذ بى تغممنى سحابة سوداء لقد رحلت ملهمتى ولن أكتب عنها بصيغة الحاضر لكن بضمير الغائب…. كيف لمثلك الغياب ولماذا الآن ! تتداعى الأفكار فأنا منذ دخلت عالم زها حديد لم يخيل لى أن أفصل ذاتى عنه رغم مقتضيات البحث العلمى الذى يلزمنا بالحياد والموضوعية ظللت طوال الوقت مشدودة بها شغوفة بالبحث عنها الى النهاية وها قد استقلت زها مركبة الزمن وتلاشت خلف الحجب من بلغت الأسباب لم تودعنا ولم تمهد لنا هذا الرحيل الذى وصفة مساعدها ومدير مجموعة زها حديد المعمارية المعمارى باترك شوماخر حين سطر عبر صفحته على فيس بوك «نحن جميعا أصبنا بالصدمة والتدمير فقدنا اليوم زها، الجميلة، والموهوبة، القائدة، الصديقة، أشكركم جميعا لتعبيركم عن تعاطفكم ومشاركتكم لى لحظة الحزن» بالفعل هى الصدمة التى أصابت العالم فى رحيل الاسم الأهم فى عالم العمارة فى ولاية ميامى بالولايات المتحدة الأمريكية الموافق 31الخميس من مارس 2016 رحلت زها وبحسب التقارير الطبية أصيب منذ أسبوع بعارض هو الالتهاب الرئوى وخضعت للعلاج وإذ بالقلب الذى خفق فنا ووعيا ومحبة وعطاء يتوقف ليعلن العالم رحيل سيدة العمارة المرأة التى ولدت ببغداد فى 31 من أكتوبر 1950 بالعراق.

حوت سيدة العمارة فى ثنايا أنسجتها سر البقاء وأسر لها الكون بصيرورته فجهرت بإبداعات ستظل شواهد على مرور زها من هنا تلك النخلة الباسقة بحدائق بابل المعلقة التى اختزلت مشاهد بيوت القصب فى أهواز العراق منذ كانت تذهب برفقة والدها وزير المالية العراقى الأسبق «محمد حديد» لتستقل مركبا مصنوعا من القصب وتموج فى روافد النهر… الى أن سطرت على جنابات نهر اللؤلؤ رائعتها دار أوبرا قوانجتشو بجنوب الصين من أضوت قاعات المسرح وبسطت الأراضى لتموج الكتل المعمارية فى معزوفتها قاعة باخ للموسيقى بلندن حيث استطاعت أن تخلق فضاء سائلا يتراقص مع ترجمة للعروض الموسيقية حيث القاعة بهيكلها جزء من آليات العرض فى لغة شديدة التركيب وتحقيق لمبدأ السيولة والديناميكية التى تميز معظم تصاميمها فاختارت الهيكل من القماش المشدود ليحقق الانسيابية وظيفية القاعة لعرض إبداعات موسيقى باخ ليخلق فضاء سائلا يموج من الأسفل الى الأعلى.

لم تكن رحلة البحث عن المستقبل بالتنزه هى مغامرة استقلت فيها زها البحر ورست على مرفأة النهاية فى سكون بعد أن ظلت لقرابة الثلاثين عاما تخلق الصخب وتحرك الساكن وتعيد صياغة التعريفات وتتطبق النظريات وتصنع مؤسسة كبرى وتقبل التحدى لكونها أول امرأة فى التاريخ تحجز مقعد للمرأة فقد ظلت فنون العمارة والبناء والتشيد محرمة على المرأة الى أن انبثقت نخلة بابل فى الأرض وأصبحت حسب التصنيفات لمجلة روريتز فى عام 2010 مصنفة كثالث أقوى امراة تأثيرا فى العالم…. التى حصلت فى العام الماضى 2015 قبيل الرحيل على جائزة المعهد الملكى البريطانى للعمارة وذلك لتصميمها مركز الألعاب المائية الذى احتضن منافسات دورة الألعاب الأولمبية عام 2012 فى لندن ووصفت رئيسة المعهد الملكي «جين دانكن»، المهندسة المعمارية بأنها «قوة رائعة مؤثرة فى العالم».

والتقت الملكة اليزابيث الثانية لتمنحها لقب «السيدة» وحصلت على وسام التقدير من المملكة البريطانية.

سجل الجوائز والتكريمات حافل استطاعت زها حديد أن ترصع تاجها بالكثير والعديد من شهادات تقدير الى أوسمة وجوائز، ولعل أرفع تلك الجوائز كان فى العام 2004 الذى حصدت فيه جائزة برتيكر فى إعلان عالمى عن عبقريتها فى مجال التصميم المعمارى وتم تقديم هذه الجائزة لها يوم 31 مايو 2004 بمتحف الأرميتاج بمدينة سانت بطرسبرغ، روسيا. وتعد المرة الأولى فى تاريخ الجائزة الذى يرجع إلى 25 عاما التى تحصدها امرأة، والجدير بالذكر أنها أيضا أصغر من حصدها حيث بلغت آنذاك (53 عاما).

وفى العام 2002 حصدت أرفع جائزة نمساوية هى «جائزة الدولة النمساوية للسياحة» عن مشروع بـ«منطقة التيرول» على قمة جبلية بجنوب النمسا.

أما فى لندن التى كانت موطن زها الاختيارى حيث ولدت زها حديد ببغداد فى منذ سافرت برفقة عائلتها حيث تلقت تعليمها الأول بمدينة بغداد العرا ق ثم انتقلت الى بيروت، لبنان لتتم دراستها بالجامعة الأمريكية فى تخصص (الرياضيات) فى العام 1971، لتلتحق بالدراسة فى لندن بالمملكة المتحدة وتحصل على درجة البكالوريوس فى الهندسة المعمارية1977 وتعين معيدة ومن ثمة تعمل برفقة أستاذها ريم كلهاس المعمارى الهولندى أحد رواد المدرسة التفكيكية  الذى أفسح المجال لها لتبدع وتصدق مقولة ليو رينادو دافنشى «ماأتعس ذلك التلميذ…. الذى لا يتفوق على أستاذته» للتفوق على أستاذها وتستطيع أن تجعل من توقيع «زها حديد» أيقونة للتميز والتجديد فى فنون العمارة والتصميم الداخلى والفنون التشكيلية والأزياء والإكسسوار

وفى تلك الرحلة المستقبلية يقترح عليها صاحب دار شانيل كارل لاجرفيلد صديق زها Karl Lagerfeld  أن تتوج هذا الجهد بعمل معرض دائم لعرض مجمل أعمالها الفنية ومشاريعها المعمارية ومؤلفاتها العلمية لتقدم زها على تصميم جناح الفن Mobile Art Chanel بعد حصولها على جائزة برتكيز Pritzker Architecture Prize

وعام 2007 طاف هذا المعرض كلا من هونج كونج وطوكيو ونيويورك وفى بداية 2011 تحول لموقع دائم فى معهد العالم العربي، وروعى فى تصميمه آليات الفك وإعادة التركيب ليكن جناح متنقلا بين عواصم العالم فى مساحة (700) م2 فتنتج سلسلة من أقواس تشكل عناصر مستمرة فى فراغ داخلى من الفضاء المركزى حيث يقوم مرتادو جناح الفن برحلة استكشافية لعالم زها حديد من خلال الهيكل وحيزاته لتصنع من هندسة الأسقف التى تحتوى على حزم ضوئية تحمل وظيفية ارشادية لإحداث لغة بين المفاهيم المكانية والتصميمية عبر استخدامه ليلا فى موقع الجناح بغابات فرنسا ليكن الضوء مسار حركة يعد جناح الفن رحلة من ثلاثة مستويات تبدأ منذ الدخول للمعروضات من نماذج مجسمة الى لوحات فنية الى الفنون البصرية سيموغرافيا.

ومن خلال دراستى أدركت أحد أسرار زها حديد حيث أنجزت أطروحتى العلمية فى نهايات أغسطس 2015 عن المعمارية زها حديد تحت عنوان: القيم التشكيلية والوظيفية فى العمارة الداخلية المستقبلية «دراسة تحليلية للتصميمات الداخلية للمعمارية زها حديد».

ونلت درجة الماجستير فى التخصص (ديكور) من كلية الفنون الجميلة بالزمالك القاهرة لتكن أول دراسة بالشرق الأوسط تتناول المدرسة التفكيكية وتحلل اتجاهات المدرسة وتسرد فصلا عن التكنولوجيا الرقمية صار أهم الركائز التى مكنتها من تنفيذ الخيال حيث ظلت لما يقرب 15 عاما لم تنفذ الكثير من ابداعاتها نظرا لصعوبة التنفيذ لكن ما ان تعاونت مع المعمارى باترك شوماخر الذى استطاع من خلال استخدام عمليات النمذجة وبرامج الديجتال، حيث مكنتها من تخطى كل التحديات فى التفيذ والتصنيع وهى النقلة النوعية واليد الثالثة التى من خلالها اللاممكن أصبح المبنى القائم 3DMAX الماكسى الذى يعد من أهم المشاريع الكبرى لزها واستخدمت فى تصميمه تطبيقات علوم الفنج شوى MAXXI ومن الأمثلة الـFeng shui وهى أحد علوم المكان الصينية. الإبحار فى عالم زها يتطلب التأمل بامتنان لتلك السيدة التى تحدت السائد كالمستقبليين وحددت أهدفها كالوظيفيين الذين أوجدوا مبدأ «المبنى يتبع الوظيفية» وآمنت بالبنائية الروسية وكانت أطروحتها لمشروع AA.

فى العام 1977 يدلل على التأثير الفنى لنيل درجة البكالوريوس فى الهندسة المعمارية لأعمال الفنان الروسى «ال ليسيتزكى» على أسلوب زها، ويمتد ذلك الى محاكاتها للطبيعة بمفردتها وعناصرها لنرصد بعضا من قيم وأفكار التيار العضوى كملح آخر يشكل عالم زها حيث أنصتت لأسرار الكون وتنوعاته فى تراكم معرفى وحللت من خلال علوم الفورمولجى الذى يبحث فى علم المكان والزمان وتأثيرات العوامل الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والثقافية على المجتمعات البشرية لتخلق فضاء معماريا يتصل مع الطبيعة ويتناغم معها ومن أهم تلك الأعمال:

متحف الفن الحديث MAXXI.

مركز حيدر علييف

Heydar Aliyev Center.

دار الأوبرا قوانجتشو

Guangzhou Opera House:

محطة إطفاء الحريق فى فيترا (Vitra) فى ألمانيا 1994.

مدرسة الفن المعاصر (Rosenthal Center for Contemporary Art) فى أوهايو عام 2003.

المبنى الإدارى لـ (BMW) فى ألمانيا عام 2005.

دونج ديمون بلازا Dongdaemun Design Plaza) DDPكوريا الجنوبية 2014)

مركز علوم فى فاينو (Phaeno Science Center) فى ألمانيا عام 2005.

مركز لطلاب الطب فى جامعة فيكتوريا فى اسكتلندا (Maggie›s Centres) عام 2006.

محطة (Hungerburgbahn) فى النمسا عام 2007.

دار للأوبرا فى الصين (Guangzhou Opera House) عام 2002.

مركز الألعاب المائية فى لندن (London Aquatics Centre) عام 2012.

متحف (Riverside) فى اسكتلندا 2007-2011.

برج (CMA CGM) فى مرسيليا بفرنسا عام 2004-2011.

مدرسة فى لندن Evelyn Grace Academy 2006-2010 وفاز بجائزة عام 2011.

مركز ثقافى فى أذربيجان Heydar Aliyev Cultural Centre 2007-2012.

متحف فنون فى الولايات المتحدة Eli and Edythe Broad Art Museum 2010-2012.

مجمع (Dongdaemun Design Plaza) فى سيول فى كوريا الجنوبية.

برج فى هونغ كونغ ( innovation tower).

تظل زها حديد اسما عصيا سيتوقف تاريخ فن العمارة والتصميم كثيرا لدى سيدة العمارة وسيظل وميض افكارها يمتد بنا الى قمم مونسون تلك المدينة التى حاكتها بأول مطعم يجمع بين النار والثلج فى بيئة تصميمية تحاكى التغيرات المناخية لنمر عبر جزيئات الكريستال التى تثبت حالة ذوبان الثلج فى تصميم الليكويد تابل ولن ينطفئ ضوء «سرب الثريا الذى يجسد مجموعة من البلورات السوداء مصنعة من مادة الكريستال لتخلق شعور الحركة الدءوبة».

فى نهاية مقالى عن ملهمتى تظل القاهرة حلم زها الذى لم تره منذ أن وضعت تصميمات لعدة مشاريع (القاهرة اكسبو سيتي

Cairo EXPO city

Nile Tower برج النيل

Stone towers تاور ستون

والتى لم تنفذ فشيء ما حال دون أن تنحت نخلة بابل مشاهد لها هنا وهى من تقف مشدوة بعظمة العمارة المصرية القديمة.

وداعا سيدة العمارة فمثلك ستظل أروحهم تستظل بها الانسانية الى ما لا نهاية محبتي.

 

نقلا عن العدد الورقي 822 الثلاثاء 5 إبريل 2016