«سَمَاءٌ باسْم».. الشاعر أحمد الشهاوي أحمد الصغير أحْمَدُ الشَّهَاوى شاعر مصرى، قدم الكثير من الأعمال الشعرية المهمة فى أدبنا العربى، فهو شاعر يمتلك حالة مائزة فى الشعرية العربية، لها خصوصيتها

أحمد الشهاوي

«سَمَاءٌ باسْم».. الشاعر أحمد الشهاوي

أحمد الصغير

أحْمَدُ الشَّهَاوى شاعر مصرى، قدم الكثير من الأعمال الشعرية المهمة فى أدبنا العربى، فهو شاعر يمتلك حالة مائزة فى الشعرية العربية، لها خصوصيتها الروحية/ الصوفية، فهو من أكثر الشعراء العرب الذين كتبوا فى الشعر الصوفي، نظرا لسعة مشروعه فى الشعر الصوفى، أصبح الشهاوى يمثلُ جرسا عفيًا فى العشق، وأيقونة للمحبة الإلهية التى لها حضورها الخاص فى مصر، خاصة والعالم العربى عامة، وهذه الحال تجعل المتلقى البصير، عاشقا لشعر الشهاوى، فالنص لديه يخاطب الروح، والعين/ القلب، الأصابع التى فى السماء.

ظُلِمَ الشهاوى كثيرا عندما حصره النقاد فى الجانب الصوفى المباشر تبسطا وسهولة، معللين ذلك، لأنه كتب شعرا صوفيا كثيرا، لكننى أرى أن الشهاوى احتفى كثيرا بالحياة فى أحزانها البسيطة وفقدان أعز الأحباب مثل الأم (نوال عيسى) الأم المصرية التى أنجبت أحمد حقيقة ومجازا، كانت الأم فى شعر الشهاوى هى نوال عيسى أحيانا وفى أحايين أخرى كانت مصر، وهى الحبيبة، والمطر، والعدالة التى يبحث عنها الإنسان فى كل زمان ومكان.

فى شعر الشهاوى تطمح القصيدة إلى كسر حدود الكراهية الإنسانية، ممزقة حواجز الزمن المكروه، والمكان المكروه أيضا. إضافة إلى نصوص اليوميات فى شعره، ونصوص الأمكنة، والأزمنة، والنصوص الكونية التى تحتفى بالحضارات القديمة والحديثة، بمعنى أن المتلقى يمكن له أن يَشْتَمَّ فى شعر أحمد الشهاوى رائحة عرق النساء، وزهد المتصوفة، وبكاء الأم، وضيق المكان بعوالمه، وجوع الإنسان المجازى للغة الحانية والصورة التى تخرج من أعماق أعماق الذات الإنسانية.

وعليه فإنَّ نصوص الشهاوى تحملُ أكثر من وجه باطنى، حيث الوجه المرئى هو الوجه الصوفى الأول، وتحت هذا الوجه الشعرى نجد الكثير من الوجوه ذات الطبقات المتعددة التى يكتمها الصوفى العاشق، ولا يحب أن يفصح عنها، ونلاحظ ذلك فى حديثه عن اللغة والبلاغة، وعلاقتهما بوجع القصيدة، صورة الإنسان الذى يحب الحياة، والسفر والترحال من مكان لآخر، يحمل الديوان أيضا مفارقات سياسية ساخرة من الواقع المصرى والعربى المشتت الذى يصبو إلى الاكتمال المعرفى، فيفشل عند أول تجربة يمر بها، من خلال الربيع العربى الحر الذى اصطدم به العرب أنفسهم.

ربط الشاعر فى عنوان الديوان بين السماء، والذات الشاعرة، وكأن الذات أعلنت تملصها، وخلاصها من العالم الأرضى، لتفر ملتصقة بالسماء، ربما صنع الشاعر من قصائده سماوات أخرى من المجاز الصوفى حتى تتحد بها الذات التى تعيش داخل النص الشعرى، وهنا تكمن دلالة التأويل فى العنوان وأعنى بها سماء باسمى، هى سماء النفس لا سماء الجسد، سماء الروح، لا سماء الماديات. فالسمو هو العلو والارتقاء المعرفى والروحى داخل عوالم الله، وكل ما علا فهو سماء كما جاء فى المعاجم العربية. وامتزجت هذه السماء بروح الذات أيضا فصارتا كائنا واحدا… يقول الشاعر فى مطلع الديوان:

«نوال عيسى

لكى لا تَنْسَىَ

أنَّ النسيانَ

فَرِيضَة حَجِّ

كَعْبَتُهَا قَلْبُكِ

أحمد»

لم أجد شاعرا فُتِنَ بأمِّه محبة وتخليدا كما كتب، وفُتِنَ أحمد الشهاوى، بل فى ظنى ان هناك علاقة روحية بين الشهاوى، وأمه (نوال عيسى). دائما خالدة وحاضرة فى نصوصه فى كل مفردة يكتبها بوحى منها، هى التى تمنحه النصوص الشعرية فى كل زمان ومكان كما منحته الحياة، وأهدته قربانا للشعر وللحياة. تصبح الأم رمزا عاليا من رموز الشهاوى فى جل أعماله الشعرية التى كتبها من قبل، بل هى ربَّةُ الشعر التى يفتتح بها الحياة فى كل نص جديد يعيش فيه، فيعلو بها إلى قدسية سماوية خالصة، لما للأم من جنان ومحبة، وخلود فى نفس الشاعر وقلبه. كما يستنطق الشهاوى روح الحلاج فى قوله: «وأحمد كُشِفَ لَهُ عَنْ عَيْنِ الْعَينِ» يطل الحلاج بوجهه الصوفى فى صدر الديوان، ليمنحنا إشارات عميقة، تحيلنا إلى خلوته وعطفه وخلوصه العفى للفقراء، والمساكين وأرباب الطرق، لأنه من الآباء الخالدين فى الصوفية العربية والإنسانية، كما نلاحظ خصوصية أحمد التى تتناص مع النبى، والشاعر الذى فتن باسمه فى حضرته نفسها.

ارتكز الشهاوى فى بنية نصوصه الشعرية فى (سماء باسمي) على البنية الصرفية للحرف الصوت، وأحيانا علامات الإعراب، يميل الشهاوى كثيرا إلى استحداث الهواء الشعرى، بمعنى أنه يركض خلف القصيدة حتى تلين تحت يديه، لتصبح عالما من الحواديت، ثم يغلفها بغطاء صوفى لامع يخفى تحته الكثير من الإنسانية المطلقة، والسيولة الاستعارية واستداريتها فى القصيدة. يقول الشهاوى فى قصيدة العائش بين مئذنتين:

«إذا اعترفت

قلتُ

أنا ألف شخص

لى اسم واحد

ولغات كثيرة»

تبدو الذات الشاعرة قابضة على لحظات الاعتراف المسكونة بالألم، حيث تعدد الأقنعة الصوفية فى النص يمنحها تعددا فى الدلالة الفنية لنصوص محتملة، لأن للصوفى لغات متعددة وإشارات بدنية لايدركها إلا العاشقون الذين ركضوا فى البرية ليلا وراء الحبيب. فالاعتراف هنا ليس مطلقا ولكنه اعتراف محفوف بمخاطر العشق الإلهى. ويقول الشاعر:

«أنا كل الحروف التى لم يلدها اسمي

المأخوذ إلى ما وراء الظل

أنا ما بعد الغد، وما بعد الكلام

الحكم التى طارت من حيطان المعابد

كفراشات لا تموت

أنا آخر

أنا لا أنا»

تمثل الحروف لدى أهل الخطوة منهجا وإشارات مهمة فى حياتهم، فهم يشيرون ولا يفصحون، ففى الإشارة راحة للعباد، وفى الإفصاح عذاب الحقيقة والألم. تتماهى الذات الشاعرة فى النص السابق فى جسد الحروف التى تتخلل أعضاءه الهوائية التى تتطاير فى أول النهار، فترتمى فى خبز الآخر، منكرة ذاتها، كى تتخلص من عذابات البشر الماديين، لتلحق بركب النواريين الأحرار، عندها تفقد الذات تواصلها مع الآخر، وتواصلها من الأنا لتصبح روحا فى عالم المعشق (الكل)، ويقول عن الوحدانية والخلوة الصوفية أيضا:

«أحب أن أدفن وحدى لا قبلى ولا بعدي

أن أُلَفَّ فى كتان كعارف مصرى قديم

وأن يواجه وجهى السماء، وأن أحمل عطوري

وفرشاة أسنانى معي

والقصائد التى لم أتمها

والكتب التى لم أقرأها

كى لا أخرج عاريا فى المدينة»

إن الجنوح إلى الخلوة الربانية التى تحدث عنها الشاعر فى المقطع الفائت، حديث عرفانى يصنع من الذات الشاعرة رمزا لهذه الخلوة التى دخلتها كى تتحد مع المعشوق، فهى ترغب فى وجود عالم صافى الروح والبدن معا. استدعاء الكتان، الذى يسهم فى تكوين مشهد درامى عن جنازات الفراعنة القدامى وطريقة تحنيط الموتى من الملح والكتان والقرض، وحضور البطل النصى، العارف الفرعونى القديم اخناتون، صاحب الحكم الربانية، والحب النورانى القديم/ الجديد. لأن اخناتون حاول توحيد آلهة مصر القديمة حيث تعددت الآلهة فيها التى تعبد فى مناطقها المختلفة بما فيها الإله الأكبر امون رع فى شكل الإله الواحد آتون. ونلاحظ التناص الصوفى بين حضور الصوفى الفرعونى القديم داخل نص الشهاوى الصوفى الحديث، كما يمنحنا النص أيضا صورة الفرعونى الذى يحتضن طعامه، شرابه، كتبه وفرشاة أسنانه، ونصوصه التى لم يكتبها… سيظل نص الشهاوى أسطورة للعشق الإنسانى، وبابا مهما من أبواب الفتوح فى الشعر العربى الحديث، لما نجده فى حضرة الشعر من بهاء الصحبة، وألقها، وبهجتها الممتدة فى عيون العالمين.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 822 الثلاثاء 5 إبريل 2016