كتب روايته ردا على أفلام خالد يوسف علاء فرغلي: خيرالله الجبل.. حكاية أكبر منطقة عشوائية فى مصر تصوير وحوار: سامح فايز   وقفت «أم نادية» عام 1982 أمام سيارات الحكومة

علاء فرغلي داخل اسطبل عنتر

كتب روايته ردا على أفلام خالد يوسف

علاء فرغلي: خيرالله الجبل.. حكاية أكبر منطقة عشوائية فى مصر

تصوير وحوار: سامح فايز

 

وقفت «أم نادية» عام 1982 أمام سيارات الحكومة التى حاولت هدم العشش التى استوطن قاطنوها منطقة صحراوية اسمها «خيرالله» على حدود فسطاط مصر القديمة. شجعت «أم نادية» نساء العزبة ليقفن جميعا حائلا بين محاولات الهدم أو القبض على رجال العزبة، وتكريما لشجاعتها أطلق سكان العزبة اسمها على هذا المكان الذى يستقبل الداخل إلى خيرالله من ناحية مقابر البساتين والتونسي.

فى العام 2016 صدرت رواية «خيرالله الجبل» عن دار العين للنشر للروائى الشاب علاء فرغلي، تحكى عن عزبة «خيرالله» فى سيرتها الأولى، وقت أن زحف إليها الناس منذ زمن لا يعرفه أحد تحديدا، صحراء لا مالك لها. وبين حضور «صالحين» الشخصية المحورية فى الرواية بصحبة اخوتها الأربعة صغارا إلى العزبة بعد سقوط منزلهم فى منطقة حلوان، وحتى موقعة اقتحام العزبة وبطولة «أم نادية»، مرورا بأحداث وحياة تنتهى فى العام 2000 بانتهاء الرواية، نجد حياة أخرى رصدها علاء فرغلى بحكى ملحمى أشبه بالأسطورة التى امتزجت بشخوص وأحداث بعضها حقيقى عايشها الكاتب وأخرى سمع سيرتها يتداولها أهل العزبة جيلا بعد جيل.

اسطبل عنتر «جبخانة محمد علي»

اسطبل عنتر «جبخانة محمد علي»

رحلة إلى العزبة بصحبة مؤلف الرواية سلكنا فيها نفس الطريق الذى سلكته «صالحين» واخوتها «على» و«ناجي» و«مصطفى» و«محمد» حين حضرت إلى العزبة لتقطنها أوائل السبعينات من القرن الماضي، قال علاء فرغلى ونحن نمر أمام قضبان مترو الأنفاق: «من هنا مرت صالحين، على نفس القضبان، وقبل أن يقام ذلك الكوبرى أو ترصف الطرق، كانت صحراء شاسعة، وعلى هذا المدق الجبلى صعدت سيارتهم لتدخل إلى عزبة «خيرالله»، لكنه كان مدقا جبليا أكثر خطورة قبل أن تمهده الجرافات، ولم يكن هناك سور على جانبيه، فقط هضبة مرتفعة لو مالت السيارة يمينا أو يسارا سقطت».

فى مدخل العزبة سلكنا طريقا على اليمين انتهى بنا إلى منطقة «تل الطواحين»، واحدة من أهم الأماكن التى تناولتها الرواية داخل العزبة، وقف فرغلى أمامها بسيارته لنرى بقايا طاحونة واحدة بعد فناء خمسين طاحونة أقيمت فى عصر الدولة الفاطمية كمخازن للغلال، يقول الكاتب: «أقامها الفاطميون مستودعا للغلال، بمرور الوقت وبتوالى الحكام أهملت، وحين زحف الناس الى صحراء العزبة هدموها واستخدموا حجارتها فى بناء بيوتهم، واحدة فقط هى التى ظلت كاملة، طاحونة كان يتعبد فيها القس مينا المتوحد (قداسة البابا كيرلس السادس) فى عزلته التى بدأت عام 1936 وحتى عام 1941، والذى قام بشراء الأرض المحيطة بها عام 1986 وأقام عليها كنيسة لتصبح مزارا مسيحيا مقدسا حتى اليوم، وشهدت منطقة «تل الطواحين» تصوير مشاهد فيلم «المطارد» للفنان نور الشريف وقصة نجيب محفوظ، تظهر الطواحين فى الخلفية حين تنافس الفتوات فى بداية الفيلم على من يصبح فتوة حى «مصر عتيقة»، والذى لم يكن سوى عزبة «خيرالله» التى شهدت تصوير أغلب أحداث الفيلم عام 1985». أصبحت الطاحونة الفاطمية تراثا إسلاميا ومسيحيا يقع فى عزبة «خيرالله» واحدة من أكبر المناطق العشوائية فى مصر، والتى استوحى منها المخرج خالد يوسف هى وعزبة «أبو قرن» المجاورة أحداث فيلمه «حين ميسرة». وكان التناول السيئ لأهل العزبة فى الفيلم سببا دفع الكاتب ليسطر روايته ليحكى عن عالم آخر غير الذى شاهده الناس فى السينما قائلا: «قصدت إبراز الجانب الانسانى فى عزبة خيرالله كنوع من الانصاف، لأننى تأذيت جدا من أفلام تناولت المناطق العشوائية مثل فيلم حين ميسرة لخالد يوسف، خيرالله ممكن يكون فيها بعض الشخصيات أكثر إجراما مما ورد فى فيلم حين ميسرة، لكن ليس ذلك هو جوهر العزبة وأهلها، ليس ذلك مجتمع خيرالله، لأن المجتمع فيه بشر آخرون».

تل الطواحين

تل الطواحين

عدنا أدراجنا بالسيارة متوجهين إلى المنطقة التى اشتهرت باسم «اسطبل عنتر» الواقعة على حدود خيرالله واسمها الحقيقى «جبخانة محمد على» والتى بناها لتكون مستودعا للأسلحة والذخيرة، وفى الطريق أكمل فرغلى قائلا: «أكتب رواية ليس لها غرض تجارى مثل الفيلم السينمائى الذى يريد أن يبرز مجموعة من مشاهد الجنس هنا ومجموعة من مشاهد العنف هنا وفى النهاية يملك قصة تصلح أن تستلب العقول والعيون لتحقيق المبيعات، أهدف لكشف طبيعة المكان لأناس لديهم قدرة استيعاب ذلك، لأن القارئ غير المشاهد، فهو يملك نوعا من الوعى يجعله يفهم تفاصيل أخرى، فمعنى أنه قارئ أن لديه استعدادا أن يتثقف، هنا تخاطبه بما يليق بعقله وليس مجرد بعض المشاهد ترضيه بها».

اسطبل عنتر «جبخانة محمد علي»

اسطبل عنتر «جبخانة محمد علي»

خرجنا من منطقة «تل الطواحين» لنمر فى شارع «النجاح» الذى يمتد بطول العزبة حتى قسم شرطة «البساتين» ثم دلفنا يمينا لنصعد شارعا مرتفعا فى نهايته شاهدت الطريق الدائرى الذى قسم «خيرالله» إلى نصفين ثم مررنا بنفق أسفل الدائرى فى نهايته شاهدت مجموعة من البيوت خلفها بناء أثرى ضخم، سور بطول 180 مترا وعرضا 115 مترا لم يكن سوى «اسطبل عنتر»، صحبنى فرغلى إلى الداخل لأجد نفسى وسط فناء أثرى واسع لا يتناسب وهذه المنطقة العشوائية، وعنه قال فرغلي: «من الطريف أن ذلك المكان أيضا شهد تصوير جزء كبير من فيلم الناصر صلاح الدين الأيوبي، مشاهد اقتحام حصن عسقلان وبعض كادرات مشهد اقتحام عكا، ومحاولات اقتحام أورشليم بالأبراج الخشبية لم تكن إلا محاولات اقتحام سور «اسطبل عنتر»، ويكمل فرغلى تفسيرا لهذا التراث المهمل الذى يتوسط منطقة عشوائية قائلا: «من وجهة نظرى أرى أنه تصادف وجود الأماكن الأثرية فى مناطق واسعة ومتفرقة ومع تأخر الدولة فى أن تحمى كل أثر على حدة لأن ذلك مكلف من وجهة نظرها، بالتالى تركت كل من لديه أزمة سكن أن يزحف إلى هذه المنطقة حتى لا تضطر لدفع تكلفة متابعة هذه الأماكن، لأن الذى حدث فى عزبة خيرالله حدث تحت عين الدولة، لو نظرت لمشهد الطواحين فى فيلم «المطارد» الذى تم تصويره عام 1985 سترى الطواحين كاملة، اسطبل عنتر فى فيلم الناصر صلاح الدين كانت أسواره كاملة، ستوديو تصوير طبيعي، لكن الذى حدث أن هذه الآثار تهدمت عن آخرها، ولم يبق منها إلا «اسطبل عنتر» لم يتهدم لأنه مبنى مهول جدا يصلح لأن يكون متحفا عالميا، وأنا اعتقد أن الدولة لم يكن لديها مانع فى هدم «اسطبل عنتر» هو أيضا لكن بعيدا عنها، لكن للأسف ظل موجودا، وأرغمت الدولة على حمايته عن طريق تعيين حارس».

علاء فرغلي داخل اسطبل عنتر

علاء فرغلي داخل اسطبل عنتر

خرجنا من «اسطبل عنتر» لنعود إلى شارع «النجاح» الذى يقطع العزبة بطولها لنسير فيه والذى يسمح فى أغلبه بالكاد لمرور سيارة واحدة، وأكمل فرغلى عن سبب اختياره للمكان ليدون من خلاله روايته الأولى قائلا: «أعتقد أن الأدب بشكل عام يحمل رسالة ما، هذه الرسالة غالبا ما تكون فى صالح الانسان، لكن فى مجتمعاتنا لسنا فى مرحلة تسمح بالكلام عن الانسان، لأننا ما زلنا محليين، نملك المشاكل والعقد التى تجعلنا نتكلم عن الانسان القريب، بالتالى أرى أن الأدب يحمل شيئا ما لخدمة المجتمع، والمجتمع الذى تتناوله خيرالله خاص نوعا ما، وتنبع خصوصيته من وجهة نظرى فى أنه مجتمع بعيد عن الأدب والدراما والسينما، حتى فى الاعمال التى تناولت هذا المجتمع، فقد تناولت القشور بعيدا عن اللباب، ومن الأمثلة على الأعمال الجيدة التى كتبت عن المكان عمل للكاتب والروائى حمدى أبو جليل، وآخر للكاتبة والروائية ميرال الطحاوي، لكنها كتابة الزائر أو السائح، ليست كتابة المعايش، لأنه ليس مجتمعهم، أما أنا فقد أتاحت لى الظروف فى فترة من فترات حياتى أن أعيش قريبا من المكان فى منطقة دار السلام، وعشت لفترة شهرين فى «خيرالله» فى وقت تركت فيه منزل والدي، لقد عايشت هذا المكان منذ صغرى حيث كان لدى أصدقاء كثيرون يعيشون فى خيرالله، وبدأت أتردد على العزبة دون علم أهلي، وكونت صداقات».

اسطبل عنتر

اسطبل عنتر

فرغلى بدأ عالم الكتابة شاعرا وحصل على جوائز فى الشعر أثناء دراسته الجامعية، وعلى غير المتوقع لم تكن أولى أعماله المطبوعة ديوان، بل رواية تحكى عن الجانب الآخر لمنطقة رأى أن السينما والصحافة شوهت أهلها، يقول فرغلى عن ذلك: «بدأت بالرواية لاعتقادى أن هناك مشروعا أهم ينتظرني، ليس له علاقة برغبتى أن أصنف كشاعر، فقد قاومت مسألة كتابة الرواية حتى أصبحت كتابتها أمر حتمي، وأصبح تأجيلها أو إلغاؤها نوعا من العبث، فى البداية كنت أرى أننى أقل من كتابة رواية، لأنها عالم كبير، وتجارب كثيرة، وليست مجرد تدوين مثل الذى يحدث الآن، كان يجب أولا أن أكون صاحب تجربة وصاحب لغة، ثم أملك قدرة وضع هذه التجربة فى هذا القالب بشكل مناسب، لا يثير حفيظة قارئ محترم، وحين أدركت ذلك كتبتها، وقد كنت مترددا حتى أثناء الكتابة، فعندما وصلت لنصفها أرسلتها لصديق يقرؤها لأعرف منه هل يصلح أن أستمر فى الكتابة أم أقف عند هذا الحد، أو على الأقل أصبر لمرحلة ما حين أتمكن من كتابتها، وبعد نشر الرواية عرضتها على أحد الأصدقاء بعد نشرها وكان انطباعه جيدا، لكن ومع ذلك كنت متخوفا جدا بعد صدور الرواية بسبب العالم الذى تتناوله، وجه التخوف أننا فى مرحلة يسود فيها عمل إما يعبر عن رواية نفسية بتنويعات مختلفة أو أنه يحكى عن عالم ملون، لكن عالم خيرالله عالم لا يستلب الكثيرين، ما الذى يهم قارئ شاب فى منطقة عشوائية فيها تفاصيل عن كيفية تكسير الحجارة أو تجارة المياه فى «جراكن» على حمير أو تربية بطلة العمل «صالحين» للأرانب والدجاج».

فرغلى يرى أن حكايته هى عن عزبة «خيرالله» وشبيهاتها من العزب العشوائية المحيطة، لكن ربما وجد قارئ أن شخوص العزبة وحكاياتها مجرد رموز يستطيع اسقاطها على أشياء أخرى، عن ذلك يقول فرغلي: «أعتقد أن لكل قارئ أن يرى الرمز، فمن الممكن لقارئ أن يرى فى صالحين أنها هى مصر، وسكانها هما سكان خيرالله، وأنها تدار بعشوائية، وحاكمها هو ذلك الحاكم المتسلط الذى يرى فى نفسه أبا للجميع وأن مجرد وجود معارضة من أحد السكان تعتبر جريمة تستحق العقاب، وأنه هو القانون والحكم والقاضي».

اسطبل عنتر

اسطبل عنتر

بعد أن تجاوزنا خيرالله الجبل وجدنا أمامنا قسم البساتين وعلى اليمين منطقة المقابر التى تمتد حتى حى السيدة عائشة، 480 فدانا هى مساحة خيرالله والتى تضم طبقا لإحصاء أجرته جمعية تنمية المجتمع المحلى بالعزبة «خير وبركة» 650 ألف نسمة، وتتبع العزبة إداريا أربعة أحياء مختلفة، «مصر القديمة» و«دار السلام» و«البساتين» و«الخليفة»، ورغم الفقر والجهل والعشوائية التى انتشرت فى عزبة خيرالله فى سيرتها الأولى فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى إلا أنها اهتمت ببناء الزوايا والمساجد للعبادة، وبحسب الرواية انتشر فيها رجال الدين، لكن الراوى ألبسهم جميعا رداء تاجر الدين، وعن ذلك يقول فرغلي: «الفكرة أن الدين فى هذه الأماكن هو الملجأ والملاذ، هو الفسحة الوحيدة للنفس، كيف أصبر كرجل لا يجنح للجريمة على معيشة خيرالله إذا لم يكن هناك وعد بعيشة أحسن فى الآخرة، السؤال هنا كيف ينشئ ساكن العزبة ثقافته الدينية، تلك هى المشكلة. الثقافة الدينية فى أغلب مناطق مصر تربى بطريقة خاطئة تماما، أدخل أى مسجد وانظر إلى المكتبة الموجودة داخله.. تفسير ابن كثير، رياض الصالحين وكتب تراثية على نفس النسق.. أنا لا أقيم هذه الكتب، لكن أقصد أن ساكن العزبة كشخص متوسط المعرفة عندما يقرأ هذه الكتب بلا وسيط فهو يأخذ بظاهر المعنى دون تعمق، هنا أنت تربى ثقافة دينية فى الغالب خاطئة، واحد من سكان القرية داخل الرواية ورجل الدين «أبو عصام الظابط» شخص واضح جدا أنه تاجر دين لصالح السلطة المتمثلة فى خيرالله والمعلم الضبع، وهو يعرف أنه يتاجر بالدين، لكن هناك آخرين يتاجرون بالدين عن قناعة دون أن يجدوا فى ذلك عيبا، مثل «الشيخ عدوي» وهو شخصية حقيقية، سألته ذات مرة أنه يدعو الناس للدين وهو يجهل القراءة أصلا فقال: «من أراد الله به خيرا يفقه فى الدين».. يقول إنه يتاجر مع الله بمعنى أنه يكتسب وضعا اجتماعيا من خلال ذلك، ويكتسب نوعا من الحصانة، وفى نفس الوقت يعتقد أنه يرضى ربنا، فهو فائز بالدنيا والآخرة، هناك شيخ آخر داخل الرواية يطوع النص بحسب المصلحة، أما «الشيخ عجمي» فهو رجل متعلم، يملك لحية خفيفة ورجل قارئ فهو يملك نوعا من الفهم لحقيقة الدين والأحكام، فليست لديه مشكلة فى التعامل مع المسيحيين الذين يسكنون العزبة، لكن «الشيخ أبو عصام الظابط» يقول لـ«صالحين» فى الرواية حين سألته عن جارتها «بطرسة» المسيحية: «يحشر المرء مع من أحب» و«صالحين» تحب «بطرسه» وتخاف أن تحشر معها فى الآخرة».

علاء فرغلي فى مقابر اليهود بعزبة النصر الواقعة على حدود عزبة خيرالله

علاء فرغلي فى مقابر اليهود بعزبة النصر الواقعة على حدود عزبة خيرالله

فرغلى يضيف قائلا: «نتحدث كثيرا عن مشاكل البلطجة، وعن أطفال الشوارع، وعن السرقة، والتسول، لكن عليك أن تتخيل أن المنطقة العشوائية هى الأساس لكل هذه الظواهر السلبية فى المجتمع، لو نظمت الحياة فى المنطقة العشوائية لن يخرج منها لا متسولين ولا أطفال شوارع، لأن المنطقة العشوائية ليست مجرد مكان عشوائي، لكن أسلوب حياة فى كل شىء، ليست مجرد بيوت مبنية بشكل مختلف، بالضبط مثل الذى يسكن فى منطقة بدوية، تجد أن له طباعh مختلفة عن الساكن فى منطقة زراعية، فدائما المكان يؤثر فى الشخصية وكل ما أصبح المكان مزدحما كل ما كان فيه عنف أكثر».