فى ذكراه الرابعة.. البابا شنودة..الوطن.. الأمومة.. الاغتراب من أهم قضاياه الشعرية.. الشاعر الناسك إخلاص عطا الله     أربعة أعوام هى عمر رحيل بابا مصر والعرب قداسة البابا شنودة الثالث،

البابا-شنودة

فى ذكراه الرابعة..

البابا شنودة..الوطن.. الأمومة.. الاغتراب من أهم قضاياه الشعرية.. الشاعر الناسك

إخلاص عطا الله

 

 

أربعة أعوام هى عمر رحيل بابا مصر والعرب قداسة البابا شنودة الثالث، رحل عن عالمنا الحاضر بالجسد ولكنه ما زال حيا فى قلوب المصريين مسلمين ومسيحيين الذين يرددون أقواله وترن كلماته وأشعاره فى آذانهم..

وقد نظم المركز الثقافى القبطى بالتعاون مع أسقفية الشباب وتحت رعاية وحضور قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، احتفالية «معلم الأجيال» بالمركز الثقافى القبطى، حضر الاحتفال وزير الثقافة الكاتب الصحفى حلمى النمنم. والسفيرة نبيلة مكرم وزيرة الهجرة وشئون المصريين بالخارج، مندوب عن وزيرة التضامن الاجتماعى د غادة والى – لفيف من الآباء المطارنة والأساقفة

ومن الجانب الثقافى: الدكتور سيد خطاب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، الدكتور مصطفى سليم رئيس المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، والدكتور عمرو دوارة رئيس مهرجان المسرح العربى، وهانى عزيز رئيس جمعية مصر السلام والدكتور محمد أبو حامد والدكتور محمود العلايلى وأسرة قداسة البابا شنودة الثالث.

شارك فى الاحتفالية: فريق قيثارة للفن الشامل بأسقفية الشباب والذى ضم أكثر من 10 فرق للكورالات والترانيم من الشباب والأطفال بالإضافة إلى فريق قيثارة للمسرح – وكذلك فنان الكاريكاتير فيكتور يونان وفنان الرسم بالرمل مايكل روماني.. والعديد من الشعراء، والاحتفالية من إخراج الفنان ضياء شفيق.

وفى الذكرى الرابعة لرحيل معلم الأجيال نتذكر البابا شنودة الشاعر.. هذا الأديب المتمرس فى الكتابة الذى طرقت أشعاره موضوعات حية ومهمة جاءت مصر على رأسها، وتنوعت ما بين العطاء ومحبة الفقراء، والاغتراب عن هذا العالم، الأمومة وغيرها… أما عن قالب الكتابة فتنوع هو الآخر ما بين القصيدة الكلاسيكية والقصيدة الرومانتيكية والمسرحية الشعرية، هذا بالاضافة الى مئات الكتب والمقالات التى ما زالت علما للدارسين والباحثين.

البابا الشاعر

يقول قداسة البابا.. بدأت أقول الشعر وأنا فى السنة الثانية الثانوية، التى تعادل ثالثة إعدادى حاليا، وكان ذلك عام 1938، ولكنى ما كنت أسميه أبدا شعرا، حيث إننى لم أكن قد درست قواعد الشعر بعد، وكنت أعتبره نوعا من الشعر المنثور، إلا اننى فى السنة الثالثة الثانوية بدأ اشتياقى لأن أدرس قواعد الشعر، وفعلا وجدت كتابا اسمه (أهدى سبيل إلى علمى الخليل) فى دار الكتب، وكنت أذهب إلى دار الكتب يوميا من الصباح، وأقضى الصباح كله مع هذا الكتاب إلى الظهيرة، فأعود إلى البيت، وأرجع مرة أخرى بعد الظهر إلى دار الكتب كى أكمل دراستى فى هذا الكتاب، ومع أن البعض كانوا يقولون: إن قواعد الشعر صعبة، إلا إنى درستها تماما، وبسهولة من فرط اشتياقى، ودرست علمى العروض والقافية من كتاب (أهدى سبيل إلى علمى الخليل).. ودرست بحور الشعر وأوزانه وتفاعيله. وبدأت أكتب شعرا وأطمئن إلى أنه شعر موزون يتفق مع قواعد الشعر لا أخجل من أن أسميه شعرا، وكان الشعر الذى أقرضه سهلا وإن وجدت كلمة صعبة أحاول أن أتفاداها بكلمة سهلة لدرجة أن بعض التلاميذ الصغار كانوا يحفظونه ايضا وأختار الموسيقى اللطيفة التى تناسب الشعر، أقصد الوزن الذى يناسبه والألفاظ السهلة التى يمكن أن تستخدم، كنت أقول الشعر الرصين، وفى نفس الوقت أقول الزجل والشعر الفكاهى وألوانا من هذا النوع.

وفى دراسة لحياة وشعر قداسة البابا شنودة قدم الدكتور محمد سالمان لديوان البابا شنودة الذى صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى حوالى 160 صفحة من القطع الصغير.

يضم الديوان أربعين قصيدة منها: نشيد وطنى، أبواب الجحيم، الأمومة، غريب، تائه فى غربة، همسة حب، يا إلهى، للكون إله، توحد، أمى، فى جنة عدن.. وغيرها.

يقول د. سالمان: وعلى الرغم من مكانته الدينية وعلمه الغزير، الأمر الذى جعل كتبه تصل لنحو يقارب أكثر من المائة، فإن ذلك لن يثنيه عن الشعر.. فقد كان شاعرا فحلا.. تقرأ شعره فتشعر أنك فى عالم ملىء بالأسرار.. تجد فى شعره نفثة جبران خليل جبران، وتأمل إيليا أبو ماضى وصور عبد المسيح حداد وبساطة نسيب عريضة وعمق العقاد، وبراعة المازنى، وموسيقى إبراهيم ناجى ومحمود حسن إسماعيل.

يحتل الوطن مساحة مهمة فى أشعار البابا شنودة، من ذلك:

النشيد الوطنى فى ديوان البابا شنودة كتب عام 1939

تريد الكنانة عزما قويا شبابا يضحى وشعبا جديدا

شبابا يعيد بناء الحدود يعيش شريفا يموت شهيدا

من الآن هيا لنبنى اتحادا وننسى العدا وننسى الحقودا

وإذا ما أراد الدفاع جحيما لحرق العدو نكون وقودا

أهذى الجموع تعالوا سويا إلى سلم المجد نرقى صعودا

هتاف الحماسة منى اقبلوه خذوه شعارا خذوه نشيدا

الأمومة فى شعر البابا

ومن بواكير قصائده تلك القصيدة التى كتبها فى ذكرى رحيل أمه.. نراه يبكى اليتم والفقد، وتنساب الدموع فى صمت على خديه، فقد مضت والدته بعد ولادته مباشرة بسبب اصابتها بحمى النفاس حيث تبادلت سيدات القرية (مسيحيين ومسلمين ارضاعه ).. وبالتالى أصبح كثير من أطفال القرية أخوة له بالرضاعة فيقول فى قصيدة «أمى»

أحقا كان لى أم فماتت أم .. أنى قد خلقت بغير أم

رمانى الله فى الدنيا غريبا .. أحلق فى فضاء مدلهم

ويحكى البابا شنودة نفسه فى أحد البرامج التليفزيونية عن طفولته فيقول: كنت طفلا وحيدا ماتت والدته دون أن يرضع منها، وعاش فترة طفولته المبكرة بلا صداقة ولا لهو مثل أقرانه الأطفال، ولكن يبدو أن هذه الوحدة قد عادت عليه بفوائد كثيرة منها حبه للقراءة والتأمل والتفكير من سن صغيرة جدا.

ومن المفارقات التى تدعو للتأمل أن تتزامن ذكرى رحيله مع عيدى الأم والربيع، كما أن نشأة هذا الأب والمعلم العظيم رسخت داخله معانى نبيلة عن المرأة والأم، فنراه ينشد أيضا هذه الأبيات الشعرية قصيدة «أمومة» عام 1949 والتى نشرت بين دفتى كتاب «انطلاق الروح»

نام فى أمن ولكن قد سهرت

فى ارتياح ما شكوت أو وهنت

ما تركتيه على مهده بل

قد ضممت الطفل حبا واحتضنت

أنت يا اختاه سر غامض

أنت نبع من حنان حيث كنت

ومع تلك الضراعة المقدسة التى تحلى بها وناجى بها الإله فى صفاء روحى ونقاء ذهنى.. نراه فى قصائد أخرى موجها الشباب إلى فضائل الأخلاق والبعد عن الرذائل التى تعمل على الحط من قدرهم.. كقصيدته «إن جاع عدوك أطعمه»، والتى يقول فيها:

إن جاع عدوك اطعمه .. واذا ما احتاج تساعده

وبكل سخاء تعطيه .. ومن الخيرات املأ يده

اغفر للكل تنل خيرا .. من يزرع خيرا يحصده

الشاعر والاغتراب

ومن يقرأ شعر البابا شنودة يلحظ أثر الرهبنة والعزلة فى شعره.. كما يلحظ الاغتراب بشكل كبير الأمر الذى تردد صداه على مدار أكثر من قصيدة طويلة فضلا عن المقطوعات القصيرة.. كما يلحظ المتأمل فى شعره مدى ارتباطه بالشعر المهجرى من أمثال إيليا أبى ماضى، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة.. وغيرهم.

وهذا الارتباط ربما يعود إلى طبيعة النشأة والتكوين الثقافى، فإذا كان الشعراء المهاجرون قد تربوا فى الكنائس والأديرة والمدارس الدينية، حيث الصفاء الروحى… فإن البابا شنودة هو كذلك نشأ وترعرع داخل الكنائس مفضلا حياة العزلة والاغتراب عن الناس وآيات هذا الارتباط كثيرة جدا… فعلى المستوى الدلالى تأمل قوله فى قصيدة «تائه فى غربة»

يا صديقى لست ادرى ما انا او تدرى انت ما انت هنا

انت مثلى تائه فى غربة وجميع الناس ايضا مثلنا

نحن ضيفان نقضى فترة ثم نمضى حين يأتى يومنا

(….) لست ادرى كيف نمضى او متى كل ما ادريه انا سوف نمضى

أولا تذكرنا هذه القصيدة برائعة إيليا أبى ماضى «الطلاسم» التى يقول فيها

جئت لا اعلم من أين ولكنى أتيت

ولقد أبصرت قدامى طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا لن شئت هذا ام أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقى؟

لست أدرى

وقد تأثر البابا كثيرا بالموشحات الأندلسية فكثيرا ما نظم على أشكالها فتجد القافية المتنوعة فى القصيدة الواحدة… لكل مقطع قافيته عدا بيت أو بيتين فى نهاية المقطع يتحد فى قافيته مع نهايات المقاطع الأخرى كما فى قصيدة «من ألحان باراباس» «قم» «الأمومة» «هذه الكرمة» «أبواب الجحيم»… إلخ.

البابا شنودة مولع بالايقاع الشعرى الأمر الذى تأخذه الموسيقى الشعرية فينساب وراءها.

ولذا برزت لديه عدة ظواهر إيقاعية كان اهمها التكرار… الذى يأخذ أشكالا متنوعة نذكر منها: تكرار الكلمة الواحدة، والتى تبرز فكرة الإلحاح لهذه الكلمة، وكأنها قطب الرحا، فهى مناط الدلالة، ومن ذلك قوله فى قصيدة «ذلك الثوب»:

قصة الطاعة والمذ .. بح والابن المعد

طاعة غنى بها العا .. لم من عهد لعهد

طاعة أورثتها قد .. أصبحت عنوان مجدى

طاعة لله لا للشر .. إن الشر يردى

طاعة للروح لا للجسم .. إن الجسم عبدى

سأطيع الله حتى لو .. أطعت الله وحدى

وقد حاول البابا شنودة الولوج للمسرح الشعرى. فكتب مسرحيته القصيرة «جنة عدن» والتى تتكون من منظرين اثنين وقد استوحاها من قصة (آدم وحواء) وصراعهما مع الحية… وتؤكد هذه المسرحية القصيرة شاعرية البابا المتدفقة واستخدامه لآلية السرد القصصى، وحبك الأحداث ورسم الشخصيات وغيرها من فنية المسرحية الشعرية.

وأخيرا… لقد ذهب البابا شنودة بجسده ولكن بقيت روحه خالدة بيننا وبقى شعره الذى يمثل تأملاته الفكرية العميقة… بقى شعره ليؤكد أن الشعر باق مهما توارت عن الأعين الأجساد.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 822 الثلاثاء 5 إبريل 2016