نصوص للشاعرة رضا أحمد   (1) كنت كل نهار آكل قطعة من الشمس وألقي بجسدي في ظهيرة الشارع يتخاطب الجيران في سيرتي: البنت التي أشعلت في نفسها السراب وكلما اقترب

قصائد لهم ما ليس لآذار

نصوص للشاعرة رضا أحمد

 

(1)

كنت كل نهار

آكل قطعة من الشمس

وألقي بجسدي في ظهيرة الشارع

يتخاطب الجيران في سيرتي:

البنت التي أشعلت في نفسها السراب

وكلما اقترب منها الظمآن

تطمئنه قليلا

أن ثمة بنات أخريات

يتحممن بالماء

فيغادر.

(2)

لستُ سوى أنشوطة حريرية

تتأرجح في الفراغ

تتلقط ذرات الهمس

أنفاس التراب

وتكشف عن وجه النرد

وهو يتقلب بين أصابع الإله.

 

مرةً التقطت نجمة تشبهني

تسرق الحلوى

رصاص البندقية ودموع الأمهات

من فوق كتف جندي.

 

مرةً أخرى

اصطدت أذنَ جارتنا المتلصصة

زرعتُ فيها غابةً من الفئران

وأخفيتها تماما في جوفي.

 

في آخر مرة علقت للأبد

رأس رجل في حضني

ظل يبكي كثيرا

وإلى الآن نبحث معا

عن الجرم الذي ارتكبه

سوى أنه كاد يمسك بميزان العدل

وهو يترنح في قاعة المحكمة.

(3)

لم تُعِد الناي إلى شجرته الأم

تركته على السرير

يبحث عن أنفاسها المراقة

وخشب أصابعها الدافئ.

 

في الفجر

الموسيقى ضحلة

فوق بحيرات الملح

فكانت تعطي العصافير جرافات رقيقة

لكشط النغمات

وتحلق حولها كمراقب بذهن خال

وعلى مسافة منها

الناس يبيعون سويعات الأرق

في الطريق إلى الشمس

فكانت تفتح فمها

لتلقط دفقات الضوء

وزغب الدفء

وتعيد طلاء صوتها.

 

كانت وحدها تماما

عندما اختفت أنفاسها الأخيرة

في جوف غيمة بعيدة

أمطرت مكعبات سكر

فوق مطبخ ملاك

يحب الحلوى

واللعب مع الأطفال في الشارع.

(4)

في هذا الزمن

ليس علينا أن نتسابق لنغلق الأضواء

حين تهاجمنا غارة حزن

وتنهش سكينة أنفسنا

صفارات الخوف

علينا فقط

أن نقنع أرواحنا

أننا منذ الجحيم الأول

صار صلصالنا خزفا

وأننا تماثيل سهلة الكسر.

(5)

لا يكفي الليل

عامود إضاءة وحيد

يشاركه الشحاذون المبيت في الظلام

ولا جدار قصر عال

يتكئ بظله على دماء طازجة

ولا برنامج توك شو

يستعرض فيه ملاك الموت نصيبه

من غنائم الصباح

ولا ضجة عابرة لاسطوانة غاز

تطارد الفارين من تجاعيد الديار

 

الليل يعبّر عن سأمه

بطريقته الخاصة

يجلس بقربي الآن، يلف قلبي

بكفيه

مثل قنبلة خائفة

أُلقت على أوراق بيضاء

فلونتها بشموس مؤرقة.

(6)

لهذا المساء نصف قمر

وإناء غسيل يحدق في يد مرتعشة لطبيب

ولادة متعثرة

وحظ ضيق لطفل يسحق البرودة المتراكمة

بصرخة الميلاد.

 

كنا سنجعل لسقطة غطاء التابوت

على رفات العام الماضي

صريرا مخيفا

لولا إننا تركنا قطعا من قلوبنا هناك.

 

(أيها الهواء المجلوب من صيدليات المخيم

جئت بالمدح العتيق للصليب الأحمر)

 

وحدها أراضي الحدود تشهد

بأحزان الزهور البرية

النافقة على ضفاف السياج

ووحدها عضة البرد تشهد

على أجسادنا البالية

منكمشة الأطراف

وأوطاننا التي أصبحت حفنة من ورق

في الكتاب الدوري لمجلس الأمن.

 

أنا هنا من موقع العصافير

أنبش في النسيم الآتي من منزلي

وأتوكأ على باب القلب المفجوع

ورصيف البنفسج المشتعل في الذاكرة.

(7)

لا أدري بما تدهن رغيفك الناشف

عندما يشق الفجر صحن دارك

– الذي ينقصه منذ السيل الأخير السقف –

ربما جبن قديم

ورنجة مخللة منذ سنتين

أو قليل من الفول

وغصة حلقك المالحة.

 

لا ماء في الكوز

ولا غسيل على الشرفات

لا شمس تسطع ببهجتها لتقبل خدك

ولا طريق العودة إلى منزلك المتهدم مفروش بالضحكات.

 

فأسك المرتاحة على كتفك

تنقش سخطك على الحجارة

ربما جبل الذهب الذي تقبع فيه عشيرتك منذ اﻷزل

سوف يجبر فؤادك

ببعض تمر

ومسحوق أصفر من هذيان أجدادك

أو بمنقوع البصل المعتق

الذي يسكر وحدتك في الليل دون امرأة

ويسكّر فمك عن أنين المفاصل ووهن العضلات

 

نم واسترح

وسائد الأشواك البرية التي تنفثها الصحراء

رقيقة جدا وحانية

مقارنة بنظرة المحافظ

وهو يعدك ببذور جديدة

أو معدية ثابتة

تنقلك إلى البر الأخضر.

(8)

كانت الأفيال تُقتل في الغابات

وأنت في برجك العاجي

لا تسمع دفقات الألم

ولا تحفل بالأوقات الخارجة

عن سياق ساعة معصمك.

 

النبض بالنبض هكذا تخلق الحياة

والخلية بالخلية هكذا يبدل الموت أزياءه

وتختلف رؤى الملائكة

الذين يحكون لك كتفيك.

 

ترى هل تستحق غرفتك الخاوية

ــــ إلا منك ــــ

نافذة؟

هل تستحق الطرق الغافية على كوابيسك

خطوة تنام هادئة

في شوارع لا تؤدي إلى رغباتك؟

وهل تستحق الأفيال بالخارج

جدارية أنيقة تعلقها على حائطك

على سبيل الشفقة والتعاطف

هذا المساء؟

(9)

وتتذكرك جيدا

كشوف المشرحة

وشواهد القبور

بعض الزهور المهملة

التي تركتها على منضدتك

وتطوع في أكل ملامحها الغبار

وكل الديدان الحية

التي تنقل بريد خلاياك الميتة من جسد إلى جسد

يدك التي تحاملت عليها لتعبر عن رأي

قلبك المداهم لراحة بالك

المتورط دائما في الحب

وعيناك الغافية على نهر البوح

وأسرار فساتين البنات

أنفك المغروس في هموم الوطن

المتورد أبدا

برائحة الطين والقهوة

وصدرك المتعايش مع أمراض الرئة ورذاذ السعال.

 

قليلا ما تقبض على روحك

بل قليلا جدا

ما ترى نفسك على سجيتها

خطوة نائية

أعدها القدر لمسافة بعيدة

خطوة وحيدة تبحث منذ الميلاد

عن طريق.

 

هأنت ذا

لوحة مصابة بالنسيان

كلما خط عليها المدَّعون حرفا

لفظه بجفاء

وبحبكة درامية

الديان.

(10)

دائما ما كان يبكي حين يصدمه القطار

يجلس على السكة الحديدية

ويصنع بركة صغيرة من دمه

ينزل صنارته ليصطاد

مرةً سحبَ ضحكة شهية من شفاه زوجته

وفردة حذاء جديدة لطفله الصغير

مرة اصطاد مسبحة وشال صوف بألوان زهرية لوالدته

دمية وردية بعينين عسليتين

شريط دانتيل طويلا

أعواد بخور وقدورا كثيرة لزفاف ابنته

 

ولأنه كان يحب الظلام

لم يعثر أبدا على شموع مناسبة ولا أعواد ثقاب

تضيء له الموت.

(11)

ليصنع تمثالا يليق بها

وقف يتأمل كثيرا الشمس

غمس أصابعه في الثلج

ارتدى ثوبا ملطخا برماد النجوم

قبعة تحترق

فتح قلبه على أغنية هاربة من اسطوانة قديمة

وتمنى أن تطير نافذته

فتحط على جدار غرفة نومها.

 

بيد ترتجف

ورغبة مجنونة

ظل يغمر طيفها

بشموع كل الأمسيات التي انتظرها فيها

ولم تأت.

(12)

حين سألوه عن اسمه

ارتبك

تذكر إحدى جرائمه

تأوه فجأة

ونزل على رغبة البكاء

أصبحت عينه غابة

تهطل بأوراق لا معنى لها

ثم مسح صدأ قديما عن وجهه

وفرك ملامحه

فتساقط عنها

رفات أزهار

شمعدانات

صلبان

أبواق

ألواح حجرية

وحناجر خاوية

مآذن

دبابات

لوحات إعلانية

ونجوم

تيجان

أشلاء أدمية

ملابس رثة

وصحاري شتى.

 

استقطع دقيقة من عمره لأول مرة

وقال: كل هذا الوقت الضائع

كان عرق الذكريات.

(13)

لها الليلة (إلى ريهام محمد)

أن تطحن بذور القمر

وتتركها لتجف في قوارير صغيرة

وتنادى على الفراشات الخضراء

لتربطها فوق ظهورهن

بخيوط زهرية

وتحملها إلى جرح بسيط في ضلع رجل

وتسكب هناك مسحوقها الفضي

وتغني:

لأجلك أعود دون روحي

وأغسل هموم الناس في الشارع

وأحيل إلى الله اعتراضات فتاة

على قدر

يمتهن حرفة الجلاد والسارق.

 

وتذهب بشرودها الصوفي

تؤدي مناسك الهذيان

بعود بخور واحد

قرط نجمي وقطعة شوكولا

وتدهن بشرتها الخمرية

بضحكة تضيء قبر ضريح

يسكنه قلب حبيبها القاسي.

(14)

لا تحتفظ بقبلة أحد

حتى لا تفتش في سريرك كل ليلة

عن خيط النمل

الذي أغرق شفتيك بالسكر

وجعل من نعاسك

بياتًا شتويًّا.

 

(15)

لم أتوقف عن مد ظلي

على الورق

إلا لأهش من فوق رأسي

العصافير.

 

تصدر قريبا في ديوان عن دار نبض للنشر والتوزيع

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 822 الثلاثاء 5 إبريل 2016