فازت بجائزة المغرب الكبير وتنافس على البوكر «نوميديا».. رحلة التخلي ومتعة الألم محمد السباعي نوميديا بغلافها المزخرف بالنقوش الأمازيغية والقلادة أعلاه وملامح القرية الجبلية تلقى ظلالها على الحائط الجصى المزركش

48280_1

فازت بجائزة المغرب الكبير وتنافس على البوكر

«نوميديا».. رحلة التخلي ومتعة الألم

محمد السباعي

نوميديا بغلافها المزخرف بالنقوش الأمازيغية والقلادة أعلاه وملامح القرية الجبلية تلقى ظلالها على الحائط الجصى المزركش بالنقوش… تلك القرية التى بدأ منها كل شيء، بينما الغلاف الخلفى يدعو القارئ لقراءة الرواية ويعدد خفاياها العشق والتاريخ والأسطورة… لكنه أخفى تلك الصرخات النفسية… صرخات الاستغاثة وأنات الاستسلام.

يبدأ طارق بكارى رحلة روايته نوميديا بالسؤال «لكن ماذا عن نوميديا؟» بإشارة لطبيب نفسى وعقار وجوليا، نحن بصدد حكاية مراد… يبدو أيضا أنه مريض وجوليا عشيقته أو زوجته لا نعرف وبنهاشم هو طبيبه المعالج… ولا نعرف شيئا عن نوميديا… حكايات متنوعة يغزلها «بكاري» تتوالى وتتوازى وتتقاطع فى خيوط تتلاقى عند النهر…

الشخصية الرئيسية فى الرواية هى شخصية «مراد» وهى مرسومة بالكثير من علامات الاستفهام حول حاضرها وماضيها فلا يظهر منها إلا ما أراده «مراد» الذى كان يوما «أوداد» من جاء بالتخلى الأول، تخلت عنه أمه «تقيأته» كما قال «مراد» والأب أيضا… ألقياه برحم «إغرم» تلك القرية الجبلية، تربى فى بيت احمند الأب البديل الأوليتعرض للإيذاء الجسدى والنفسى من الجدة، طفولة مضطربة كان خلاصها فى التفوق الدراسي، قصص الطفولة تتناغم مع تكوينه، التخلى المثالى حين ذبح شيخ القرية ابنه ليوقف طلقات المستعمر بقصر الرومى الجبلي، يقارنها مراد بذبح اسماعيل، فكرة التخلى كانت هى المسيطرة لكنه لم يكن يرى نفسه قربانا وبعد تخلى الجميع عنه تخلى هو أيضا عن «أوداد» أو من كان هو… وتحولت كل علاقات مراد لتكرار لعملية عبور النهر والاستمتاع ثم العودة… الاقتحام والتخلي، باعه الطبيب النفسى للمستعمرة «جوليا» ثم دفعه للعودة لإغرم كى تتمكن منه «جوليا» حاول «مراد» إظهار تعدد علاقاته بدأها بالعلاقة الأكثر منطقية فى الرواية علاقته بالعاهرة أثناء الدراسة الثانوية كان هو الابن الذى لن تحصل عليه العاهرة أبدا وكانت هى الأم التى لن يحصل عليها «مراد» أبدا… أما بقية العلاقات فبرغم كونها انتقامية فى الأساس بالاقتحام والتخلى إلا أنها تتكرر فيها نفس الأوصاف، قد يدلل ذلك على محدودية التجربة الجنسية الأدبية للكاتب أو ربما هكذا أرادنا أن نظن.

«جوليا» الشخصية الأساسية الأولى، المزيج بين المستعمرة ذات الدم البارد والعاشقة بالدماء الحارة، تعكس افتعالا يفقدها حقيقتها كما أن الدفع بلا أخلاقياتها الاستعمارية ووسيلتها المبررة للوصول لغايتها غير متناسب مع دموعها وشعورها بالذنب لِما تفعل كلما غرست فى ذراع «مراد» إبرة الهلوسة، وربما تعمد «بكاري» أن تبدو سطحية متناقضة وكرتونية لحد بعيد، أو كانت إحدى الهفوات فى النص.

«خولة» البطلة الغائبة والتى نتعرف عليها من خلال مذكرتها الحمراء أو من خلال ما يتذكره «مراد» عنها هى الشخصية الأساسية الثانية فى الرواية لكنها صانعة الحدث الأكثر أهمية وهو انتحارها وقتلها لجنين لتعاقب «مراد» عن تخليه عنها، هى مفتاح القصة ومن ألقت الضوء على فكرة التخلي… وأثبتت جريمة أمه بتخليها عنه؟

«نضال» اليسارية المتحولة هى الأكثر صدقا لم تنكر تجربتى زواجها باليسار وبرأسمالية السلطة لتحول غضبها ويأسها لطاقة اشتهاء لفحولة «مراد» ربما كانت «نضال» مجرد كشف عن رغبة «مراد» الانتقامية واستعذابه الألم من استغلال فحولته كما يصفها هو.

أما «نوميديا» فهى البئر التى حفرها «مراد» فى رأسه ليلقى بها كل آلامه ومخاوفه خلقها عقله خرساء ومنحها القدرة على السمع، فقط، أجمل فيها الأم والعشيقة وقد أرى «نوميديا» صرخة خلاص «مراد» يعيد بها تصوير مشهد انتحار «خولة» تلك العاشقة التى عاقبته بانتحارها فيلعب هو دور «خولة» العاشقة وتعكس «نوميديا» دور «مراد» الصامت بلا ماضٍ تظهر وقتما تشاء وتختفى وقتما تشاء… تتخلى عنه كما تخلى عن «خوله» ويدفعه تخليها للانتحار كما دفع تخليه عن «خولة» للانتحار.

بقية الشخصيات ثانوية أجاد «بكاري» استخدامها لتأكيد فكرته عن رحلتى التخلى والعودة.

الحدث الرئيسى فى الرواية هو العودة وقد صاغ «بكاري» الرحلة بأحداث فرعية متقاطعة ومتشعبة ملساء وخشنة كطبيعة «إغرم» ولا يمكن فصل أحلام «مراد» عن هلاوسه فما رأه حلما كان انعكاسا لما عاشه أو ما تمناه فيفسر الماضى بالحلم ويفسر الحلم يالتذكر وينثر الحلم والذاكرة بهلاوس مضطربة مضطردة وكلما أخذنا حدثا ما بعيدا أعادنا «مراد» مرة أخرى لتخليه الأول عن «أوداد» فيعيدنا لأودية «إغرم» تظهر قدرة «بكاري» السردية فى مزج الواقع بالحلم بالخرافة وانتقاله المتناغم بين المشهد الملحمى والعاطفي.

أيضا الانتقام السلبى من «جوليا» بالاستسلام لها بعد معرفته انها تخونه لهدفها الأدبى هو استعذاب للألم لا يتوافق مع درجة الغضب التى عبر عنها «مراد» عدة مرات ورغبته فى الخلاص من كل هذا الألم والخيبة كما وصفها لم ينتقم منها كما لم ينتقم من غيرها…

«أغرم» هى المكان الذى جمع الواقع بالأسطورة بالخيال بالهلاوس، الجبل كالأب والوادى كالأم… كلاهما لفظا «أوداد» وإليهما عاد «مراد» وفى تلك القرية الجبلية قبعت خصوصيتها خلف النهر ليكون الفندق هو مكان الرصد وتكون «إغرم» هى مجاله، أجاد «بكاري» تصوير القرية حتى أصبحنا نعرفها ونعرف اينما نقف بها ماذا سنرى… وبرغم كون المكان الرئيسى هو «إغرم» إلا انه يجعلنا نراها فى عدة أزمنة وبرغم أن الاختلافات ليس كبيرة إلا أن الانطباعات الناتجة عن الزمن واضحة.

كان الدافع الرئيسى لـ«مراد» هو الخلاص من خلال العودة واتمام ما لم يتم… وفى الخلاص تعددت دوافع الشخصيات الأخرى من اتمام البيع للطبيب النفسى مقابل انهيار «مراد» لإتمام العمل الأدبى لـ«جوليا» مقابل موت «مراد» والحصول على المتعة لـ «نضال» وكل الدوافع واضحة لا تحتاج للكثير من التقصي، لكن الدافع الرئيسى للشخصية الرئيسية والتى تظهر الكثير من انفلاتات لا وعى المؤلف هو الخلاص… العودة من أجل الخلاص…

لغة «بكاري» عذبة لم تكن تحتاج مقتبسات فى بدايات الفصول والتصوير فى اللغة مبدع، لكن اللغة هى ما كشفت الكثير داخل الرواية فتكرار مفردات فى مواقف متعددة على لسان «مراد» قد يكون مقصودا من المؤلف، وعذوبة تلك اللغة تعطى للأشياء مذاقا داخل النص فنشم الروائح ونشعر بدرجات الحرارة وتتأثر أعيننا بالإضاءة بسلاسة مقتدرة وبعيدة عن الافتعال، رغم تكرار الوقفات الوصفية فى الرواية كنقاط لتهدئة سرعة السرد إلا أنها كانت تكرارا كانها تكتب لأول مرة أحيانا ومرات بمفردات متجددة… أما المفردات المستخدمة فى وصف المشاهد الحميمية فى النص فكان تكرارها تأكيد على مزاج معين أو محدودية الخبرة الجنسية الأدبية ولا يعد كلاهما من نقاط الضعف، كما أن استخدام مفردات محلية مغربية وأمازيغية ومفردات فرنسية لم يؤثر على جودة النص بل ربطت الأحداث بمكان وثقافة فزادتها قدرة على تصورها.

ظهر إبداع «بكاري» فى حركته الحرة خلال الزمن وتحريكه المستمر للزمن من الغلاف للغلاف، لا يوجد تاريخ محدد للأحداث لكننا نميزها بفترات سابقة ولاحقة يمكن تمييز صراع اليسار واليمين المتطرف وحادث التفجير الذى ذكره مراد بـ«حفل الشواء» والذى راح ضحيته صديقه مصطفى فتدور الأحداث حول تلك الواقعة…

فى النهاية هى رواية مثقلة بالوقفات النفسية ومليئة بالصراعات الداخلية، تتطرق للجنس الانتقامى والانفصال الداخلى واستعذاب الألم والخوف والرغبة.

نقلا عن العدد الورقي رقم 822 الثلاثاء 5 إبريل 2016