ازدراء المثقفين أمينة خيرى   قطاعات عريضة من المجتمع مدعية الليبرالية والانفتاح والانطلاق ممن وقعت قبل عقود ليست طويلة ضحية تكفير التفكير والتنكيل بالمفكرين لها اليد العليا فى مصر

ازدراء المثقفين

 

ازدراء المثقفين

أمينة خيرى

 

قطاعات عريضة من المجتمع مدعية الليبرالية والانفتاح والانطلاق ممن وقعت قبل عقود ليست طويلة ضحية تكفير التفكير والتنكيل بالمفكرين لها اليد العليا فى مصر هذه الأيام. فمن جهة تبدو من مظهرها أنها مواكبة العصر حيث ترتدى القميص والبنطلون، وينضح شكلها ببعض من الوجاهة الفكرية حيث الحديث بالحجة والبرهان وإن كانا سطحيين مغرقين فى الخذلان. ومن جهة أخرى، تحوز على رضا الأغلبية ممن نشأت وتربت على مدار العقود الأربعة ويزيد الماضية فى كنف “الكفيل” (والمقصود بالكفيل هنا هو شيخ الجامع أو إمام الزاوية أو حتى داعية الفضائيات الذى يستوجب أن نسلم له أنفسنا وعقولنا وحيواتنا ومصائرنا فإن قال يمينا قلنا آمين وإن قال شمالا صدقنا وثمنا)، وبالتالى فإن كل من يتحدث باسم حماية الدين والحفاظ على المقدسات، فإنه يحصل مقدما على صك المرور إلى الدوائر الشعبية وكذلك الرسمية حيث إن كليتهما وثيقة الصلة بالأخرى. لذا نجد أن المتضامنين والمتعاطفين والمتواءمين والمتفاعلين مع أى من المثقفين ممن يتجرءون على التفكير خارج سياق علبة الكفيل الدينى هم قلة قليلة إن لم تكن نادرة، بعضها جالس على مقهى المثقفين حيث تقتصر أحاديث التضامن والتعاطف على بضع سويعات تم فيها احتساء الشاى والقهوة وربما حجرين أو ثلاثة شيشة. وبعضها متشرذم على أثير العنكبوت حيث صفحات تضامنية تجمعهم، وآراء نارية توحدهم، لكن ما إن تنقطع الكهرباء أو تتعرقل كابلات الإنترنت حتى تتبخر الغاية فى هواء انقطاع التيار. وهناك بالطبع من يجاهر بتضامنه ويصرخ بمواقفه الواضحة الصريحة المطالبة بإنقاذ الفكر من براثن الكفالة الدينية والتكفير المجانى ابتغاء الجنة ورفعة للإسلام. إلا أن الواقع يشير إلى أن الفئة الأخيرة من المجاهرين بتضامنهم مع كاتبة حكم عليها بسنوات سجن أو باحث ينفذ عقوبته أو مفكر مات فى الغربة بعد دعوى تفريق بينه وبين زوجته وغيرهم كثر يجدون أنفسهم عرضة للتهمة نفسها، ألا وهى ازدراء الأديان أو إهانة الإسلام. والحقيقة أن من يرى كاتبا أو باحثا أو عيلا صغيرا كتب عبارة يصنفها البعض بـ”المسيئة” أو جاهر بفكرة يصنفها البعض بأنها معادية للدين أو خرج بتصور يفزع البعض باعتباره انتهاكا للثوابت هو أقرب ما يكون لسائق الميكروباص المجنون الذى يطلق أبشع عبارات السباب ويعرض نفسه ومن معه ومن حوله لخطر القتل على الطريق بسبب قيادته السفيهة لكنه لصق على زجاج سيارته “لا إله إلا الله محمد رسول الله” أو “هل صليت على النبى (ص) اليوم؟!” ومثل هؤلاء وأولئك بمعاتيه “عاوز أختى كاميليا”. فجميعهم يعتبرون أنفسهم حامى حمى الدين ورافع راية الإسلام. الواثقون بدينهم المؤمنون بقوته المقتنعون بقيمته لا يشعرون أن أواصره اهتزت لأن أحدهم أخرج فيلما مسيئا أو أحدهم خرج بفكرة خارج الصندوق أو إحداهن غردت تغريدة جرحتهم. فهل يحكم القضاء بالعدل فى قضية ازدراء المثقفين؟!