بل أين الحيا! إبراهيم فرغلى   لا تزال حقيقة وجود أحمد ناجى فى السجن بتهمة خدش الحياء تخاتلنى كأنها كابوس. ليس فقط للحقيقة المرّة التى تمثلها باعتبارها واقعة سجن

بل أين الحيا !

 

بل أين الحيا!

إبراهيم فرغلى

 

لا تزال حقيقة وجود أحمد ناجى فى السجن بتهمة خدش الحياء تخاتلنى كأنها كابوس. ليس فقط للحقيقة المرّة التى تمثلها باعتبارها واقعة سجن كاتب، وتقييد حريته بسبب نص أدبى أيا كان بل أيضا لدلالاتها المرعبة عن النفاق الأخلاقى فى هذا المجتمع.

يصفعنى السؤال يوميا: لماذا شعر الشخص الذى رفع الدعوى على أحمد ناجى بخدش حيائه من نص أدبى، ولم يخدش حياءه ما تتعرض له أغلب النساء فى مصر يوميا من استمراء التحرش بهن وامتهان إنسانيتهن وكرامتهن؟ أين يذهب حياء هذا الرجل إزاء ما يتفوه به أفراد محسوبون على مجلس الشعب، وشخصيات عامة بل إعلاميون يمارسون السب والقذف علنا على الشاشات. ولماذا لا يخدش حياءه هو وكل من يناصره، ما يتعرض له بعض المواطنين والأجانب ممن يتم تعذيبهم على يد بعض رجال الشرطة أو التجاوز بحقهم من قبل أمناء الشرطة الذين أصبح الكثير منهم عالة على الأمن فى مصر؟

وإذا كان حياؤهم المصون لا يمسه كل ما سبق فلماذا تخدشه رواية؟

وإجابتى هى: أن الرواية تخدش حياءهم لأنهم لا يقرءون روايات أو أدبا من الأساس أو التراث الإنسانى العربى الإسلامي ولم يقربوا من قراءة العلوم. ففى كل هذه المصادر المعرفية تُذكر الأشياء بمسمياتها، وهى التهمة التي استخدمها من أدان رواية ناجى. تخدش الرواية حياءهم بسبب تراث من النفاق الأخلاقى الذى يصور لهم أن ذكر الأشياء بأسمائها مجاف للأخلاق، بينما أسماء الأشياء لا ينبغى أن تخدش حياء أى قارئ. وإن فعلت فلا يمكن أن يكون ذلك بسبب النص، بل بسبب ذهنية ضحايا أزمة التعليم المزمنة التى غيبت الأدب والذوق والموسيقى والفنون من مناهجها.

والكارثة أنهم لا يجترءون فى النهاية، سوى على الأدب والكتاب، لأن الكاتب ليس له نفوذ من يمارسون البلطجة علنا فى مواقعهم المختلفة.

يأتى ذلك بعد صدور حكمين قضائيين آخرين بحبس الباحث إسلام بحيرى، والكاتبة فاطمة ناعوت بتهمة ازدراء الأديان، وبذلك تعد هذه الأحكام الثلاثة وصمة عار فى جبين حرية التعبير فى مصر.

لا أظن أن أحدا من الكُتاب أو المثقفين سيتغاضى عن حق حرية التعبير، أو الإساءة لدستور أسهم فى وضعه المثقفون، وتضمنت بنوده أن حق الاعتقاد وحرية التعبير بوضوح لا يحتملان أى التباس.

لابد أن تقوم الدولة أو يتم الضغط عليها للقيام بدورها فى تأكيد تحيزها لحرية التعبير وللإصلاح الدينى الذى أعلنه الرئيس، وأن تستمر ضغوط المجتمع المدنى والمثقفين والإعلاميين ونقابات الرأى والأحزاب السياسية ورجال القانون بغية الإيعاز بمراجعة كل القوانين المقيدة للحريات التى تتنافى مع مواد الدستور، وبينها القوانين التى تعرقل حرية الرأى والحريات الشخصية، خصوصا أن مثل تلك القوانين المتعارضة مع روح الدستور قد شرّعت فى ظروف تاريخية محددة، ولأسباب سياسية متباينة، وسوف يساء استخدامها دائما وأبدا.

الإصلاح الدينى، التعليمى والإعلامى لا يمكن أن يتحقق أى منها سوى بتوافر إرادة قانونية جديدة جنبا إلى  جهد أطراف عديدة ممن ذكرت وغيرهم، والأهم أن أى إصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا فى مناخ من الحرية وإحساس أهل الفكر  بالأمن اللازم للتفكير بحرية ودونها يصبح الإصلاح مستحيلا.