محمد عبد النبي من فات قديمه   فى العام الماضي، وبمناسبة صدور العدد رقم مائة من كتاب مجلة العربى الكويتية، كان الكتاب التذكارى هو مائة قصيدة لمائة شاعر مما

من فات قديمه

 

محمد عبد النبي

من فات قديمه

 

فى العام الماضي، وبمناسبة صدور العدد رقم مائة من كتاب مجلة العربى الكويتية، كان الكتاب التذكارى هو مائة قصيدة لمائة شاعر مما نُشر فى المجلة على مدى عشرات السنين، بدايةً من عددها الأوّل الصادر فى ديسمبر 1958، وقد اختاروا منه قصيدة بعنوان «غِيرة» لحسن كامل الصيرفي، وانتهاء بالعدد 368 سنة 1989 بقصيدة لسمير الفيل. اللطيف أنهم قد احتفظوا بالإخراج القديم للقصائد والصور المصاحبة لها، فكان الكتاب أقرب إلى جولة سريعة وممتعة على حال الشعر العربى من خلال نافذة استمرت لما يقرب من ثلاثين سنة، بعض الأسماء مجهول تمامًا، وبعضها شهير مثل نزار والسيّاب وعبد الصبور، حتى أن من بينهم بعض الحكام العرب مثل حاكم إمارة الشارقة السابق صقر بن سُلطان القاسمي.

وفى فبراير من هذا العام كان الكتاب المجانى المصاحب لمجلة الدوحة بعنوان «ظل الذاكرة» وعنوانه الفرعى حوارات ونصوص من أرشيف “الدوحة”، وهى فكرة أخرى ذكية فى الاتجاه نفسه، ويعد بعض المقالات والحارات فى الكتاب كنوزا حقيقية من المهم إتاحتها للقارئ الذى لم يتابعها فى حينه. وإذا كنا فى مصر بدأنا نلتفت مؤخرًا إلى أهمية وضرورة إعادة طبع بعض العناوين المهمة، سواءً بمبادرات دور نشر خاصة أو بجهد واضح من جهات النشر الحكومية، فإنّ أرشيفنا الصحفى الثقافى ما زال مُهملًا والكثير منه لا يقل أهمية عن بعض العناوين وربما هو أهم وأولى باستعادة الحياة.

كلنا يذكر مجلة إبداع خلال الثمانينات، فى رئاسة تحرير د. عبد القادر القط، التى كنا نشترى أعدادها القديمة حتى وقتٍ قريب من سور الأزبكية أو بعض منافذ هيئة الكتاب، وقد أصدرت إبداع القديمة أعدادًا خاصة جديرة بأن تُستعاد وتتاح لأجيال جديدة من القرّاء، أمامى الآن منها على سبيل المثال عدد خاص بالإبداع الروائي، يناير 1985، يرصدُ لحظة غاية فى الثراء والتنوع، حتّى لو تم استبعاد بعض النصوص المتاحة فى الوقت الراهن، يظلّ بعض المقالات والدراسات لا غنى عنه، فليس من الضرورى إعادة نشر أعداد بكاملها من الجلدة للجلدة، بقدر ما يُمكن اختيار منتخبات من هذا التراث، مع مراعاة أهميته وعدم توفّره حاليًا. وبعيدًا عن مجلة إبداع، قائمة الإصدارات الثقافية المهمة طويلة، على عكس ما قد نظن فى ظل الجدب الراهن، وكلّها مليئة بالكنوز الدفينة التى يهددها الضياع والنسيان. وحتّى لو لم نذهب بعيدًا فى الماضي، فإن أخبار الأدب، وهى الأحدث بين الإصدارات المتخصصة فى الأدب، نشرت عشرات الأعداد الخاصة لا يُمكن نسيانها، لموضوعاتها المبتكرة تحديدًا، عن البوسطة أو الحذاء أو السرير، إن كنتُ أتذكّر جيدًا، إضافة إلى مئات من ملاحق المتميزة، «البُستان» طبعًا، والتى يُمكن جمعها وتصنيفها وإصدار ما لم يعد متاحًا منها فى كتب.

هذه ليست مجرد دعوة للتقليب فى الدفاتر القديمة، ولو أن هذا لا هو عيب ولا حرام، بقدر ما هى دعوة لمقاومة الطمس والمحو، خصوصًا مع انهماكنا فى مسائل الحاضر وضرباته اليومية الموجعة. إذا كان العمل الثقافى فى مصر قد انخفض سقف طموحه خلال السنوات القليلة الماضية فلعلّ فى استعادة اجتهاد السابقين وذكرياتنا البعيدة والقريبة دواءً لعلل التكاسل والطلسأة وملء الصفحات بأى كلام. حتى إن لم نستطع نشر كتب مخصصة لهذا الأرشيف يمكن لكل مجلة أو إصدار أن يخصص ركنًا أو صفحة لإنعاش ذاكرته واختيار نماذج متفرقة من تاريخه، أذكر مثلًا إن مجلة تايم فيها صفحة بعنوان «Back in TimeS», تستعيد فيها متفرقات سريعة من أعدادها القديمة، كما أن من حقّ الأجيال الجديدة من القراء أن يتذوقوا شيئًا مختلفًا لن يجدوه بسهولة على الإنترنت أو فى المكتبات المكيّفة بأسعارها المخيفة.