هل تقف منظمات حقوق الإنسان وراء خطف الطائرة؟ صلاح عيسى   استيقظت صباح الثلاثاء الماضى على خبر خطف الطائرة المصرية التى أقلعت من مطار برج العرب بالإسكندرية، وبدلا من

هل تقف منظمات حقوق الإنسان وراء خطف الطائرة؟

 

هل تقف منظمات حقوق الإنسان وراء خطف الطائرة؟

صلاح عيسى

 

استيقظت صباح الثلاثاء الماضى على خبر خطف الطائرة المصرية التى أقلعت من مطار برج العرب بالإسكندرية، وبدلا من أن تهبط فى مطار القاهرة، هبطت – تحت ضغط الخاطف الذى هدد طاقمها بحزام ناسف كان يربطه حول وسطه – بمطار لارناكا القبرصى وظللت ساعات أتابع زحام الأنباء والتحليلات السياسية والاقتصادية والقانونية والسيكلوجية التى واكبت الحادث وأعقبته، إلى أن بدأ ظله ينسحب تدريجيا ليحل محله الاهتمام بالأخبار العادية التى تعودنا على سماعها كل يوم، من فوز الفريق المصرى لكرة القدم على نيجيريا فى مباراة التأهل لكأس أمم إفريقيا إلى مناقشة برنامج الحكومة المصرية أمام مجلس النواب.

وسط هذا الزحام من الأخبار والتحليلات، توقفت أمام الخلاف الكبير بين فريقين من المحللين، ذهب أولهما إلى أن الحادث تافه، ولا يستحق الاهتمام وأن الذى قام به مختل عقليا أو مهتز نفسيا، أقرب إلى البلاهة، نجح فى جذب أنظار العالم كله لعدة ساعات، بعد أن تبين أن الحزام الناسف الذى هدد به طاقم الطائرة كان مجرد حزام طبى من القماش، مزين بعدد من أغطية الهواتف المحمولة، يخلو من أية مواد ناسفة وفضلا عن أنه كان وحيدا بلا شركاء، فقد اتخذ خلال المفاوضات معه قرارات تدل على اضطراب وتشوش تفكيره، وتخلى عن أوراق الضغط التى يفترض أنه يعتمد عليها، حين قرر الإفراج عن النساء والأطفال من الرهائن، ثم وافق على إطلاق بقية المصريين منهم، ليقتصر عدد الرهائن على ثلاثة من الأجانب فضلا عن طاقم الطائرة.

منذ بداية العملية وحتى نهايتها، لم يرشح من مطالب الخاطف سوى مطلب واحد، هو مطالبته بأن يتم اتصال بينه وبين مطلقته القبرصية، بينما تكتمت الجهات التى كانت تشترك فى التفاوض معه على المطالب السياسية التى نقدم بها ولم تأخذها مأخذ الجد.. حتى أن الرئيس القبرصى قال فى تصريح صحفى له، إن الخاطف شخص أبله، وإن الأمر يتعلق بخلافات بينه وبين مطلقته.. وأضاف مازحا أن النساء هن – كالعادة – سبب كل المشاكل، وهو ما أثار موجة من الضحك، أعقبتها موجة من الاحتجاجات صدرت عن المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة.

لكن كل هذه الشواهد، لم تقنع الفريق الآخر من المحللين الذين حذروا من التهوين من خطر ما جرى، ورفضوا القول بأن الخاطف مختل عقليا أو نفسيا، واستدلوا على ذلك بشهادة بعض الرهائن الذين قالوا إنه كان يتصرف بثبات يكذب الادعاء باختلاله، وأكد هؤلاء المحللون أن العملية مخططة بذكاء بالغ لكى تبرهن للعالم على أن المطارات المصرية غير آمنة، وأن من السهل اختراق إجراءات الأمن التى تتبعها، وأنها حققت الهدف منها، بدليل أن رد الفعل الأول لسلطات الطيران الروسية، كان إعلانها عن العدول عن قرار استئناف الرحلات السياحية إلى مصر، بعد إذاعة الأنباء الأولى عن خطف الطائرة، وطالبوا بالبحث عن القوى السياسية المحلية والأجنبية التى تقف خلف إرهابى الحزام الطبي.

ولم يكذب بعض المؤيدين لهذا الفريق من المحللين خبرا، وأسرعوا يضعون الفأس فى رقبة منظمات حقوق الإنسان المحلية والذين يساندونها على الصعيد الدولى من حكومات ومنظمات.. باعتبارها الجهات التى تقف وراء إرهابى الحزام الطبي، واتهمتها بأنها خططت للعملية ومولتها..

وتدليلا على ذلك قالوا بأن الخاطف قال لبعض أفراد طاقم الطائرة، إن بينه وبين السلطات المصرية «مشاكل».. وإن تسريبات صحفية قالت إنه طالب باللجوء السياسى إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبى وبالإفراج عن 64 سجينا على ذمة قضية التمويل الأجنبى لبعض منظمات حقوق الإنسان المصرية، التى بدئ التحقيق فيها قبل أيام من خطف الطائرة، وهو ما يؤكد أن هؤلاء المحللين العباقرة كانوا على حق حين أيدوا الحملة ضد هذه المنظمات الحقوقية، وحين اتهموها بالعمالة والتآمر ضد المصالح الوطنية!

وإلى أن تكشف التحقيقات التى تجرى فى واقعة إرهابى الحزام الطبى عن مزيد من الحقائق، فإن المتاح حتى الآن يكشف عن أن بساطة العملية وتفاهتها، جعلت البعض لا يصدقون أنها يمكن أن تحدث بالطريقة المضحكة التى وقعت بها.. مع أن وسائل تأمين المطارات كان يجرى تشديدها فى أعقاب كل حادثة تافهة من هذا النوع، ومن بينها منع ركاب الطائرات من اصطحاب بنادق الأطفال الخشبية، واستبدال السكاكين البلاستيكية بالسكاكين المعدنية التى كانوا يستخدمونها فى تناول الطعام، بعد أن استخدم كلاهما فى تهديد طاقم الطائرة وخطفها.

ما فات على هؤلاء الذين رجحوا أن تكون هناك أهداف سياسية وراء خطف الطائرة المصرية، هو أن الخاطف ليس له تاريخ سياسى وأنه مسجل خطر لأسباب جنائية تتعلق بالنصب والاحتيال، وأنه كان يطلب اللجوء السياسى إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي، فكان لابد أن ينتحل لنفسه مطالب سياسية، وأن يربط بينها وبين الضجة التى أثارها البرلمان الأوروبى أثناء مناقشة ملف مصر الخاص بحقوق الإنسان، والذى ردت عليه مصر بإعادة فتح التحقيق فى ملف قضية التمويل الأجنبى لبعض منظمات حقوق الإنسان، ولأنه لا صلة له بالموضوع، فقد اكتفى بطلب الإفراج عن 64 متهما فى القضية دون أن يذكر أسماءهم لأنه لا يعرفها ولا يعرف حتى أن أحدا ليس محبوسا على ذمة التحقيق فى هذه القضية، ولم توجه – حتى الآن – التهمة لأحد لأنها لا تزال فى مرحلة التحقيق ولم يصدر فيها قرار اتهام.

وإذا كان من الطبيعى أن ينتحل خاطف الطائرة لنفسه أسبابا يبرر بها طلب اللجوء السياسى الذى لا يتمتع بأى شرط من شروط الحصول عليه، فمن المضحك أن يستند محللون سياسيون مرموقون وإعلاميون بارزون إلى هذا الادعاء الذى ليس فى حاجة إلى ذكاء ليكتشف الإنسان كذبه، لكى يضعوا فأس المسئولية عن تحريض الخاطف الأبله على خطف الطائرة، فى عنق منظمات حقوق الإنسان، على نحو يؤكد أن الخاطف ليس الأبله الوحيد فى هذه العملية!