محمد عبد النبي يكتُب سامر العُشّاق   “حرصَ أن ينتقلَ وسط الزحام فى هدوء، حتّى لا يفقد مفاتيح خريطته القديمة. أغلبها تشكّل من أسماء وذكريات. سلّم فى نهاية الأمر بخلودها

سامر العُشّاق

محمد عبد النبي يكتُب

سامر العُشّاق

 

“حرصَ أن ينتقلَ وسط الزحام فى هدوء، حتّى لا يفقد مفاتيح خريطته القديمة. أغلبها تشكّل من أسماء وذكريات. سلّم فى نهاية الأمر بخلودها وعدم جدواها”، بينما تصف هذه الجملة إحدى شخصيات رواية سامر العشّاق، فهى تصفُ أيضًا ما حرصَ عليه صوتُ الراوي، ومن وراءه كاتبها تامر الصبَّاغ.

صدرت رواية تامر الأولى مطلع هذا العام عن دار ابن رشد، وقد تأخّر نشرها عشر سنوات، لكنها أشدّ طزاجة وامتلاءً بعُصارة الحياة من أعمال تكتب وتنشر اليوم لكنها تُولد ميتة وتزاحم الجثث الأخرى على الرفوف. تامر ليس غريبًا على أبناء جيله، الذين بدأ معهم وتعرّف عليهم فى الندوات والمقاهى قبل نحو خمسة عشر عامًا، وقد صدرت مجموعته القصصية الأولى، بعنوان خارج الكادر، عام 2001، فى الوقت ذاته التى نشرت فيه الكتب الأولى لكثيرٍ من رفاق دربه مثل أحمد شافعى والطاهر شرقاوى ووائل سعيد وهانى فضل وآخرين وعن نفس السلسلة المحدودة فى إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد عن هيئة قصور الثقافة. أخلصت قصصه الأولى للمشهد البصرى شبه المحايد وغازلت لغة الشِعر وأنصتت لحكايات الناس البسيطة وقد تنازعها قطبان أساسيان، من ناحية ذلك الشاب الشارد البسّام، فى تنويعات على البورتريه نفسه، ومن ناحية لوحات حية لشخصيات ريفية بسيطة، ومع ذلك يلفها غموضٌ آسر، وشجن شفيف. وهذا القطب الثانى هو ما استولى تمامًا على تجربة هذه الرواية الصغيرة الناعمة التى تؤكل على قضمة واحدة، فمنذ اللحظة التى يصعد فيها الأستاذ سعيد صبرة إلى حلّة تحلية مياه الشرب فى تلك القرية الصغيرة ويرفض النزول، حتى يعلق القارئ مع خريطة متشابكة الخيوط، لأماكن وشخصيات وذكريات وحكايات غرام مبتورة ومشاهد كأنها مختلسة من دقّ الواقع وقسوته. قد يرتبك القارئ للوهلة الأولى أمام كثرة عدد الشخصيات والحكايات، رغم المساحة الصغيرة للرواية، لكن ما إن تتضح أمامه شبكة العلاقات المرسومة بهداوة بال وروقان حتى تستغرقه تمامًا كأنه يشاهد واحدًا من أفلام جيل الثمانينات فى مصر، حيث عالم الفقراء والهامشيين مفلترًا ومُنعمًا وحيث الحكايات منسوجة بروح الشِعر والموسيقى ولغة الأحلام، تلك اللغة التى ربما تكون قد أفرطت أحيانًا فى اتكائها على بلاغة سهلة ومتوقعة. بعض حكايات هذا الكتاب الصغير يمكن أن تقوم عليها روايات كاملة من ذات الكعب الغليظ، لكنّ تامر آثر ألّا يفعل، آثر أن يوحى ويشي، أن يحرّض القارئ على تشغيل ماكينة خياله البصرى وأن يكمل معه رص القصاصات جنبًا إلى جنب ومد الخيوط بين النقاط المتناثرة فى الزمان والمكان إن أرادَ أن تكتمل اللوحة العريضة أمام عينيه.

بين غلافى سامر العشّاق يحتشد عالمٌ مرسوم بألوان باهتة، كأنه مهدد بالزوال والمحو واختصار حكايات هؤلاء العشّاق فى سطور قليلة مهمة مستحيلة وغير مطلوبة أساسًا، تمتد أطراف من حكاياتهم على الصفحات، دون نقاط بداية أو نهاية محددة، فى مدينة صغيرة بين المركز والقرية وزمن يمتدّ من الستينات والسبعينات إلى أوائل الألفية الجديدة، ولغة سينمائية رشيقة عندما لا يثقلها حُلى البلاغة. كلمة السر هنا هى الحب، ليس فقط بين شخصيات العمل لكن أيضًا ذلك الحنان الذى تشعر به يتدفق من قلم الكاتب نحو شخصياته، حتى تلك الشخصيات القاسية غليظة الأفئدة يتأملها الكاتب فى الضوء الناعم ذاته، ضوء السَهر فى الأصياف حول نارٍ وشاى وحكايات تسلم إحداها للأخرى فى متاهة السَمَر ودف السامر.

إذا اختار تامر الصبّاغ البقاء خارج الكادر، طوال سنوات، فهو لم يبتعد إلّا عن الضجيج الفارغ والألوان الزائفة، مُفضلًا الالتصاق بكتبه وأوراقه وحكاياته المجبولة من نار الناس ورماد أحلامهم. أعلمُ أن هذه شهادة مجروحة ونظرة بعين المحب، لكنها أيضًا دعوة لاكتشاف صوتٍ خاص، عادَ للغناء الهامس ليستردّ موضعه اللائق به من سَامر العُشاق.