طفرة الدراما التليفزيونية والإلكترونية.. “بيت الكروت” نموذجا أحمد شوقي   المتابع لصناعة الدراما لابد وأن يلاحظ الطفرة التى تعيشها صناعة الإنتاج التليفزيونى حول العالم. فى مصر صارت الشاشة الصغيرة الوسيط

house-of-cards-kevin-spacey

طفرة الدراما التليفزيونية والإلكترونية.. “بيت الكروت” نموذجا

أحمد شوقي

 

المتابع لصناعة الدراما لابد وأن يلاحظ الطفرة التى تعيشها صناعة الإنتاج التليفزيونى حول العالم. فى مصر صارت الشاشة الصغيرة الوسيط الذى يحتضن شباب الموهوبين فى كل الفروع ليقدم أعمالهم المغايرة التى قد يحجم منتجو السينما على المخاطرة بها، فى ألمانيا صار عرض حلقات تليفزيونية جزءا سنويا من مهرجان برلين ثانى أكبر مهرجان سينمائى فى العالم، وغيرها من الشواهد التى تؤكد أن صناعة المسلسلات لم تعد فنا من الدرجة الثانية يحتضن من فاتهم قطار السينما كما كانت تُصنف قبل عقدين. أما فى الولايات المتحدة فحدث ولا حرج، عشرات المسلسلات ضخمة الإنتاج التى صارت تمتلك ملايين المشاهدين فى كل مكان بالعالم يتابعونها حلقة بحلقة، فى حالة من النجاح تستحق أن نرصدها.

الطفرة تقوم على شقين: تقنى واقتصادي، الشق التقنى يتعلق بثورة الديجيتال التى لم تسهل فقط من مراحل الإنتاج، لكنها جعلت فى كل منزل متوسط شاشة كبيرة عالية الجودة بإمكان كل شخص أن يشاهد عليها ما كان لا يمكن فى الماضى مشاهدته إلا فى قاعات العرض. أما الشق التقنى فيرتبط بشبكات تليفزيون الكابل Cable Networks الأمريكية التى قررت استغلال الديجيتال فى إنتاج مسلسلات بجودة سينمائية وموضوعات بعيدة عن دراما العلاقات التى ظلت طويلا مسيطرة على الحكايات التليفزيونية، لتشهد بداية القرن الحالى سطوع نجم شبكات مثل HBO وABC وغيرها من المنصات التى لم يعد سوقها مقتصرا على المشتركين داخل أمريكا، بتوسعة قاعدة الإنتاج والتوزيع لتشمل كل قارات العالم.

قفزة نيتفليكس

غير أن الخطوة الأجرأ والتى نحاول رصدها هنا هى قيام شبكة المشاهدة عبر الإنترنت نيتفليكس Netflix بإطلاق نموذج جديد لصناعة المسلسل الدرامى وترويجه عبر مسلسلها فائق الشهرة “بيت الكروت” و”House of Cards”. نيتفليكس تأسست عام 1998 كشركة لتأجير اسطوانات الأفلام عبر البريد، قبل أن تنقل نشاطها عام 2007 ليصير التأجير إلكترونيا عبر الإنترنت. البداية كانت بالطبع عبر توزيع الأعمال المطروحة فى السوق قبل أن تقرر الشبكة بدء إنتاج أعمال خاصة بها وتوزيعها مباشرة عبر الويب دون أن تعرض فى البداية على أى شاشة تليفزيونية.

نيتفليكس لم تكن بالطبع أول من ينتج محتوى للانترنت، لكنها كانت أول من يستثمر ميزانية ضخمة ويستعين بأكبر أسماء الصناعة فى تقديم هذا المحتوى. ويكفى أن المنتج المنفذ للمسلسل عند انطلاقه كان المخرج العالمى دافيد فينشر صاحب “نادى القتال” و”سبعة”، بينما لعب دور البطولة النجم كيفن سبيسى بطل “الجمال الأمريكي” و”المشتبهون الاعتياديون” والحاصل على جائزتى أوسكار عن نفس الفيلمين.

فكرة نيتفليكس فى تسويق المسلسل كانت تعتمد على سمات مشاهد الإنترنت الذى أجريت العديد من الأبحاث لفهم سلوكه وطريقة تعرضه للأعمال. وبالتالى قامت الشبكة بتصوير الموسم الأول من المسلسل كاملا، وأتاحت مشاهدة حلقات الموسم كلها (13 حلقة كل منها 50 دقيقة) فى نفس الليلة لمشتركيها. وهذا بالطبع يختلف عن سائر تاريخ العرض التليفزيونى الذى يعتمد على تشويق المشاهد وعرض العمل بشكل يومى أو أسبوعى أو أى دورية عرض مستحدثة. ليصير بإمكان المشاهد إن أراد أن يتعامل مع موسم المسلسل باعتباره فيلما طويلا من 11 ساعة يشاهده بشكل متواصل، أو يقسمه طبقا لوقته ورغبته.

house-of-cards

المشاهد يتغير والسوق أيضا

القرار السابق اعتمد كما قلنا على دراسات المشاهدة، التى أكدت قيام الآلاف بالانتظار لمشاهدة مسلسلاتهم المفضلة بشكل مكثف بدلا من انتظار عرض حلقة جديدة كل أسبوع، بالإضافة إلى كون النسبة الأكبر من أرباح الشبكة آتية من الاشتراكات وليس من عائد الإعلانات.

ردود الفعل على الموسم الأول أثبتت نجاح الفكرة، وأكدت أن المشاهد المعاصر للتليفزيون يختلف كثيرا عما كان عليه مشاهدو القرن الماضي. فالتعامل بجدية مع الأعمال المعروضة والتعلق بها بشكل يفوق أحيانا الأفلام السينمائية، والرغبة فى مشاهدة الحلقات بشكل متتال فى فترة زمنية صغيرة، ناهيك عن الانجذاب لموضوعات مثيرة وغريبة، هى فى حالة “بيت الكروت” دراما تدور داخل أروقة السياسة الأمريكية عبر حكاية السيناتور فرانسيس أندروود الذى يشق طريقه خلال المسلسل من عضو فى الكونجرس حتى يضع نفسه على كرسى الرئاسة.

المسلسل تحوّل لعدد من المسلسلات، تبعها بدء الشبكة لإنتاج أفلام كى تعرض حصريا لمشتركيها، ليكون الانطلاق مع دراما الحروب فى افريقيا “وحوش بلا أمة” أو “Beasts of No Nation” الذى قوبل باستحسان كبير وعرض فى عدد من المهرجانات. وخلال مارس الماضى طرحت نيتفليكس الموسم الرابع من المسلسل فى ليلة واحدة كالمعتاد، ليقابله المشاهدون والنقاد بحفاوة مستمرة، دفعت الشبكة للإعلان عن موسم خامس يعرض خلال العام المقبل، على الرغم مما قيل فى بداية المشروع من أن المسلسل سيكون أربعة أجزاء تشكل 52 حلقة هى عدد كروت أوراق اللعب. لكن يبدو أن النجاح واقتصادياته قادرة على زيادة عدد الأوراق، خاصة فى صناعة تتصدر المشهد وتعيش أفضل عصورها مثل إنتاج الدراما التليفزيونية.