مجدى الطيب يكتُب لـ “القاهرة” «قبل زحمة الصيف» .. فيلم لـ «محمد خان» قلبا وقالبا ! صنع فيلمه وكأنه يعمل بنصيحة «كوبولا» : «انجز الفيلم القادر وحدك على إنجازه»  

564d9b0755b17095_1447926534

مجدى الطيب يكتُب لـ “القاهرة”

«قبل زحمة الصيف» .. فيلم لـ «محمد خان» قلبا وقالبا !

  • صنع فيلمه وكأنه يعمل بنصيحة «كوبولا» : «انجز الفيلم القادر وحدك على إنجازه»

 

قبل أن تتعرض للسطو من جانب كل من سولت له نفسه العمل بمهنة الإخراج، ارتبطت عبارة «فيلم لـ»، فى ذاكرتي، بأفيش فيلم «العصفور» للمخرج الكبير يوسف شاهين، الذى قدم فيلما لا يجرؤ على تقديمه سواه، ورغم ابتذال وامتهان العبارة فى أفلام كثيرة تالية إلا أنها اقترنت، فى يقيني، بالأفلام التى تقدم «سينما خالصة» pure cinema أو تصنع «حالة خاصة»، وهو ما ينطبق بالضبط على فيلم «قبل زحمة الصيف»، فهو «فيلم محمد خان»، كما قالت حملة الدعاية، الذى ينطبق عليه ما قاله فرنسيس فورد كوبولا فى الدورة الـ 15 للمهرجان الدولى للفيلم بمراكش (4/ 12 ديسمبر 2015): «اليوم لا يمكنك أن تجرّب أو لا تجرؤ على ذلك لكن ينبغى علينا أن نكون أحرارا للاختبار والتجربة».

هذا ما فعله، محمد خان، بالضبط، فى فيلم «قبل زحمة الصيف»، إذ بدا وكأنه يؤمن بنصيحة «كوبولا» التى قالها فى ذات المحفل السينمائى العربي: «انجز الفيلم القادر وحدك على إنجازه»، ومن ثم لم يلق بالا أو اعتبارا لما يريده النقاد أو ينتظره الجمهور، وضرب عرض الحائط بكل «الكليشيهات» الدرامية، و«النظريات» السينمائية، وراح يقدم الفيلم الذى يُرضى غروره، ويأتى على هواه، وأكد، فى غير مناسبة، أن فكرة الفيلم واتته، وهو مع زوجته وحدهما، فى إحدى قرى الساحل الشمالي، وسأل نفسه : «ماذا لو صنعت فيلما عما يمكن أن يفعله أشخاص يعيشون وحدهم فى مكان كهذا؟»

يمكن القول إذن، ودون مبالغة، إننا بصدد «حالة سينمائية» محورها خمسة أشخاص قادتهم الظروف إلى التواجد فى قرية ساحلية «قبل زحمة الصيف»؛أولهم : الطبيب «يحيى» (ماجد الكدواني) الهارب من تورط مستشفاه الخاص فى انحراف مهني، وزوجته «ماجدة» (لانا مشتاق) التى تعانى إهمال زوجها بسبب بدانتها، وتهرب إلى التأمل، لكن الغيرة تتملكها عقب وصول المطلقة «هالة» (هنا شيحة)، التى اختارت التواجد بالقرية فى هذا الوقت من العام، لتلتقى عشيقها الممثل الفاشل «هشام» (هانى المتناوي) الذى تُنفق عليه، بينما يبدو الصعيدى «جمعة» (أحمد داود)، الذى حل مكان شقيقه المسافر إلى الصعيد، سعيدا بالقرية الخالية، ومخلصا لسكانها القليلين، ومتفانيا فى عمله خصوصا لحظة سقى الزرع، لكنه كأى مراهق تقتله الرغبة فى التقرب إلى المطلقة الحسناء، لكنه يعرف حدوده، ولا يملك غير أحلام اليقظة !

بالطبع سيتوقع الجمهور، بحدسه المدرب على التكهنات المسبقة لمجريات الدراما فى الأفلام المصرية، أن فى الأفق حدثا دراميا سيقلب الأمور رأسا على عقب، لكن شيئا من هذا لن يحدث، وباستثناء إشارات غير مباشرة لسير التحقيقات مع شركاء الطبيب «يحيى» فى قضية فساد المستشفى الاستثماري، واكتشاف «هالة» انتهازية، وجشع، العشيق «هشام» واتخاذها قرارا بطرده من القرية، ومن حياتها، لن يخرج الفيلم عن سرده التأملي، الذى سيبدو للبعض رتيبا؛إذ سيستمر «يحيى» فى التلصص على «هالة»، ويفرض نفسه على مأدبة عشاء لديها ثم يدعوها إلى مأدبة سمك فى الشاليه الخاص به وزوجته، دون أن يطمح إلى إيقاعها فى حبائله، حسبما يتوقع الجميع، بينما يواصل «جمعة» حلمه بالأنثى، ولا يصل إلى جسدها إلا فى خيالاته، وهو المشهد الذى أبقى الأمل بعض الشيء لدى جمهور الفيلم، لكنه لم يُسئ، مطلقا، لشخصية «هالة»؛فالمطلقة عند محمد خان ليست المرأة سيئة السمعة، التى يحق للمجتمع أن ينهش سيرتها، أو يهتك عرضها، لأنها تواجدت فى مكان ناء بمفردها، أو ارتدت «المايوه» على الشاطئ، واستقلت الدراجة فى شوارع القرية؛وإنما هى شريك فى المجتمع، قادرة على أن تكسر القيود المفروضة عليها، وتملك حريتها كالرجل بالضبط، وليس لأحد الحق فى أن يصادر هذه الحرية، كما فعل «جمعة» عندما طارد الفتى والفتاة الأجنبيين على الشاطئ !

على النسق ذاته لم يلجأ «خان»، ومعه المؤلفة غادة شهبندر، والمشاركة فى الحوار نورا الشيخ، إلى الثرثرة، وامتنعوا عن فتح خطوط درامية تثقل كاهل الفيلم، وتجرح خصوصيته؛فمن خلال صورة فى برواز نعرف أن «يحيى» و«ماجدة» لديهما ابن هاجر إلى الخارج هربا من فضائح أبيه، وكنت أتمنى أن بتكرر التكثيف والإيجاز نفسه مع ابنى «هالة»، ونكتفى بحديثها معهما عبر الهاتف، بدلا من ظهور ابنها فى السيارة مع أصدقائه فى مشهد لا لزوم له، كما تمنيت ألا يلجأ الفيلم إلى الرمزية أو الإسقاط من خلال الصراع بين القط والببغاء، وربط الأحداث بأيام الأسبوع بشكل لم يضف جديدا، مع الإقرار بأن الالتجاء إلى التكثيف تم لأسباب اضطرارية؛على رأسها ضعف الميزانية، التى كانت سببا فى اختيار موضوع تميزه الوحدة المكانية (الأحداث بالكامل تدور فى القرية الساحلية)، والاستعانة بطاقم تمثيل زهيد الكلفة، بينما جرى الإنفاق بانضباط على العناصر الفنية؛كالتصوير (فيكتور كريدي) الذى أسهم بشكل فاعل فى تأكيد معاني: رحابة الأفق، والحرية، التى كان عمادها السماء والماء، والديكور (هند حيدر) الذى جاء معبرا عن الانتماء الطبقى للأبطال؛فالفارق هائل بين «الشاليه» المخصص للطبيب والمطلقة و«الكوخ» الذى يسكنه «جمعة»؛حيث السرير القديم، المرآة المكسورة، والملابس الملقاة بإهمال. أما موسيقى ليال وطفة فقد أضفت على الصورة الجميلة رونقا وبريقا وتأكيدا لمعانى العمل، وهو ما حدث مع المونتاج (دينا فاروق)، التى أتصور أن مهمتها كانت ثقيلة فى هذا الفيلم غير التقليدي؛من حيث السرد والشكل، ففى كل الأحوال سيحتل فيلم «قبل زحمة الصيف» مكانة خاصة فى رصيد محمد خان السينمائي، حتى لو نظر إليه البعض بوصفه «شطحة» على شاكلة «تخريفة» المخرج الكبير صلاح أبو سيف فى فيلمه الشهير «البداية»، الذى صدره بلوحة قال فيها : «هو تخريفة من تخاريف المخرجين فإذا لم يعجبكم فأرجو أن تروه مرة ثانية .أما إذا أعجبكم فأرجو أن تروه مرة أخرى»، وكأنه كتبها خصيصا من أجل فيلم «محمد خان»!