نورا أمين تكتُب لـ “القاهرة” بروفة جنرال الجمال خطر   تقول العبارة الشائعة «إن الله جميل يحب الجمال» وربما لذلك فعلينا أن نقدر الجمال من ناحية وعلينا أيضا أن نكون

نورا أمين تكتُب .. “الجمال خطر !”

نورا أمين تكتُب لـ “القاهرة”

بروفة جنرال

الجمال خطر

 

تقول العبارة الشائعة «إن الله جميل يحب الجمال» وربما لذلك فعلينا أن نقدر الجمال من ناحية وعلينا أيضا أن نكون أنفسنا على قدر ما من الجمال. أنظر من نافذتى المطلة على حديقة خاوية وأرى الجمال. أرى جمالا فى الطبيعة الصامتة لكنى لا أرى أى جمال فى الناس. وأتساءل هل لهذه الدرجة فقدنا الجمال الذى غرسه فينا الله، أو فقدنا همتنا فى التشبه بصفاته والتوحد مع جماله فينا؟

لكن ما الجمال؟ أظن أن أول صورة تتأتى لأذهاننا هى صورة المرأة الجميلة، ربما تحديدا جمال الوجه لأن التطرق إلى جمال الجسد سوف يقودنا إلى حسية ما مرتبطة بالمحرم وبالتالى بالقبح. هل هكذا أصبح الجمال إذن هو جمال الوجه فحسب؟ وهل تم نفى الجسد بكامله عن حقل الجمال وحبسه فى حقل الذنب والمحمرم والخطيئة؟ أشعر أننا لم نتحدث أبدا بعمق كاف عن مفهوم الجمال وعن معناه وصوره وتشكلاته الحسية والفيزيقية. إننى لا أسعى مطلقا للوصول فى تأملاتى هنا إلى تحليل الحجاب ولا إلى الخوض فى أى خطاب ديني، فإننى أعتقد أن كلا من حقل الجمال وعلاقته بالمؤنث وبالحسية والذنب والفضيلة متجذر فى وعينا الإنسانى أبعد من تجذر الدين بشكله الحديث.

يبدو لى أنه مسموح بالجمال طالما لا يلمس الرغبة وأن الرغبة بالضرورة فاسدة وقبيحة ومذنبة وأتساءل ثانية لماذا يجب تفريغ الوجه من الروح؟ لماذا يجب فصل الجسد عن الوجه؟ لماذا ينبغى محو الهوية الجنسية عن الجمال الأنثوى كى يتحول إلى طبيعة صامتة؟ آمنة لماذا ترتبط الحسية بالقبح وبالرخص؟

ربما يبدو أننى أطرح أسئلة ساذجة، لكنها هوايتى الراهنة لمحاولة النظر إلى العالم بطزاجة ربما تعيننى على إعادة إبداع قيمى فى عالم متهالك.

أود أيضا أن أفهم الجمال من وجهة نظر الرائى ومن وجهة نظر المرئي وكيف تتقاطع نظراتهما؟ كيف يتحول المرئى بوقع نظرة الرائى فيزيد جمالا أو يقل؟ كيف أن الجمال قد لا يكون موجودا فى ذاته لكنه موجود فى نظرتنا وإدراكنا الذى يتحول معه موضوع النظر؟ كيف أن كلا منا يرى شيئا مختلفا تماما عن الآخر؟ كيف أن كلا منا شخص مختلف بالنسبة إلى كل آخر؟ ويا لكم الجمال الممكن وسط كل هذه التعددية؟!

أفتقد حضور مفهوم الجمال الذكوري، فالجمال محظور على الذكر لأنه يتعارض مع الخشونة والقوة. تلك النظرة للذكورة تمنع عنها إطلاق الجمال الكامن فيها، تحدد لها حيزا ضيقا للتحرك وتجبر الذكر على إشعاع طاقة خشنة كى يثبت ذكورته. لكن لماذا يتعارض الجمال مع الذكورة من الأساس؟ ولماذا يتعارض مع الخشونة أصلا؟ وهل من المسموح به فى الوعى الجمعى أن يشع الرجل طاقة حسية أو جنسية بينما المرأة محرم عليها ذلك؟ ولماذا لو كسرت ذلك التحريم سوف توضع فى خانة «الغاوية»؟ بينما يسمح للرجل- بل يفترض فيه – أن يكون غاويا دون أن ينقص ذلك من قيمته وفضيلته؟

ما الفضيلة؟ وما الجمال؟ ولماذا دوما تدس الفضيلة أنفها فى حقل الجمال؟ لماذا لم نعد نشعر بالجمال؟ لماذا حرمنا نعمة أن نستمتع ونحتفل بجمالنا الذى لا يخلو من رغبة وحسية؟ هل انفصلنا عن روحنا؟ عن جذورنا وعن الطيبة الجذرية لملامحنا ولحمنا؟ هل لم نعد نرى الله جميلا ولم نعد نبغى التشبه به ولا حتى التجمل حتى يحبنا؟ أم هل ينبغى أن نكون كائنات نورانية مفرغة من أى حس حتى نسمح لأنفسنا بجمال مشروع يقنن نظرة الرائى ويقنن تلقى المرئي، يثبت نظرة المرئى إلى رائيه وتلقى الرائى لنظرة مرئيه خارج ما هو إنسانى وأرضي؟