جورج يرق كاتب لبناني، عمل لسنوات متنقلًا بين الصحافة والتدقيق اللغوى فى دور نشر مختلفة، حتى قرر أن يتفرغ أخيرًا للكتابة الروائية. أصدر وهو فى قرابة الخمسين من عمره روايته

441

جورج يرق كاتب لبناني، عمل لسنوات متنقلًا بين الصحافة والتدقيق اللغوى فى دور نشر مختلفة، حتى قرر أن يتفرغ أخيرًا للكتابة الروائية. أصدر وهو فى قرابة الخمسين من عمره روايته الأولى “ليل” عام 2013، تلتها روايته الثانية “حارس الموتى” التى رشحت للبوكر العربية، ووصلت لقائمتها القصيرة.

هنا حوار معه أجراه: أحمد ليثى

وصلت روايتك للقائمة القصيرة للبوكر، ما يجعلنى أتساءل، ما أهمية الجائزة بالنسبة للرواية؟

للجائزة اهمية ذات وجوه متعددة. اولها تكريس صاحب الرواية الفائزة خصوصا اذا كان كاتبها غير معروف. ثانيها دل القارئ الى عمل ادبى يستحق القراءة وهذا ما يرفع نسبة مبيع الرواية وعدد قرائها. ثالثها تشجيع الفائز على المواصلة مع مزيد من المسئولية. رابعها لفت انتباه النقاد الحقيقيين اليه والى اعماله ليمنحوه ويمنحوها الاهتمام المفترض علما ان هؤلاء النقاد معدودون مقارنة بأشباه النقاد الذين لا يجيدون الا الشتم ورشق الحجارة والضجيج الفارغ. أحدهم سب روايات القائمة القصيرة، لا سيما روايتي، لان روايته لم تصل القائمة. وناقد ثانٍ شتم روايتى لأن المسئول عنه على خلاف حاد مع عضو فى لجنة التحكيم. خامس وجه هو نيل الرابح مبلغا من المال يتيح له التفرغ للكتابة تفرغا تاما سنتين وربما أكثر. هذا اذا لم يكن موظفا.

يقول الروائى الفائز بنوبل مؤخرًا، باتريك موديانو: “الكتابة نشاط غريب وفردي، وهنالك لحظات من الإحباط والكآبة عند بداية العمل على الصفحات القليلة الأولى من الرواية”، أعتقد أن هناك لحظات من الشك فى بداية كتابة أى نص، ما رأيك فى ذلك؟

ليس شكا بل هو قلق يرافق عمل كل مبدع. وهذا القلق هو الذى ينير طريق الكتابة ويمضى بها الى شاطئ الامان. هنالك صلة عميقة بين القلق والابداع. انهما توأمان. يلبث القلق متوثبا الى ما بعد انتهاء العمل الابداعى كتابا كان او لوحة او معزوفة او أى لون من الوان الفنون. فلوبير مثلا بقى يتدخل فى روايته “مدام بوفاري” كلما صدرت فى طبعة جديدة.  لا احد يرضى عن عمله رضا كاملا. اذا رضى عنه الآن فممكن ألا يرضى غدا. انا اواصل الاشتغال فى النص ما دام فى متناولي. ولا استريح الا بعد ارساله الى الناشر والبدء بكتابة عمل آخر. انه القلق الذى يدفع بى الى التحسين حذفا واضافة. ومن فرط القلق والحرص يقع الكاتب احيانا فى اخطاء وهنات. فى روايتى الاولى “ليل” (2013) غلطات مطبعية عدة برغم الجهد المبذول فى التدقيق. الكاتب عدو نصه مقولة صحيحة. القلق المعتدل صحي. واذا تجاوز الحد جعل الكاتب عاجزا والورقة البيضاء عذابا شرسا.

حارس الموتى – جورج يرق

 ألم تخش تناول الحرب اللبنانية رغم كثرة الروايات التى تناولت الموضوع؟

لا. ثمة جوانب كثيرة لم تتطرق اليها روايات الحرب. فى روايتى “ليل” مثلا الراوى ينتمى الى حزب يمينى مسيحى هو “القوات اللبنانية”، ويطل على الحرب من وجهة نظر مسيحية فى حين ان ابطال معظم الروايات او كلها التى صدرت فى الحرب وعن الحرب، هم فلسطينون او مسلمون أو يساريون. أما فى “حارس الموتى” فتطرقت الى عالم المستشفيات وثلاجة الموتى ايام القتل والقصف والعنف، وهو موضوع كان فى منأى عن التداول الروائي.

ثم ان الحرب اللبنانية زاخرة بالموضوعات، خصوصا انها اتخذت ابعادا مختلفة وخلفت ندوبا فى المجتمع اللبنانى الذى لم يشفَ منها الى اليوم. بل اتسعت لأن الحرب لم تزل مستمرة بأدوات أخرى اكثر شراسة من المدفع والقنبلة والدبابة.

وستلبث الحرب مصدر الهام لا سيما لنا نحن الذين عشنا ويلاتها ورأينا القتلى على الطرق والجنازات المتتالية والخراب.

 

george-yarack

يقول بطل الرواية ان  “المصادفة وحدها مسئولة عمّا أعانيه الآن”، ورغم أنه يكره الحرب دائمًا يجد نفسه بجوارها، ما يؤكد أن الحرب شىء لا يمكن تجنبه وفى بعض الأحيان الاشتراك به.

عابر ليطانى ضحية المصادفة. لو لم يلتقِ الرجل المدمى فى مكب الزبالة لبقى فى الضيعة فى منأى عن الحرب. حتما من المتعذر تلافى الحرب وانعكاساتها وإن شئت النأى بنفسك عنها. لا مفر من أن تؤذيك مداورةً. كأن تعطش وتجوع لأن القصف منعك من الخروج من البيت لجلب الماء والرغيف. وقس على ذلك. بطل الرواية كاره للعنف لكنه اضطر الى حمل البندقية ليس لكى يقتل ويحارب بل ليحصل على سرير ومكان يؤويه. برغم اجادته الرمي، وحلوله اولا فى الرماية، أبى ان يقنص الناس عندما عُيّن قناصا. وعندما شعر بالخوف اثر مقتل صديقه الحميم، سلم السلاح وترك الثكنة. ارتضى العمل فى ثلاجة الموتى هربا من قتلة رفيقه. عندما تندلع الحرب ما من احد ينجو منها. ليس الذى خسر حياته هو الضحية فحسب. انما هنالك ايضا الذين خسروا احلامهم ومالهم واملاكهم وأحبتهم.

اختم ان فى روايتى ادانة للحرب وما رافقها من قتل وخطف وتجاوزات تحت ستار الشعارات الزائفة.

كان “عابر ليطاني” لا يفكر فى الجنس وأيقظت الحرب شبقه، يحيلنى ذلك إلى فرويد عندما أكد بزوغ العنف نتيجة الإحباط الناجم عن الحرمان الجنسي، ويجعلنى أتساءل، ما العلاقة بين الحرب والجنس؟

سؤال ذو صلة بعلم النفس، والاجابة عنه من منطلق هذا العلم اتركها لأهل الاختصاص. لم توقظ الحرب شهوة عابر ليطانى الذى لبث محايدا لما اغتصب رفاقُه سيدةً انتزعوها من حضن عشيقها فى جوار معسكر التدريب. كذلك حين رقصت احدى المقاتلات عارية فى جوار المتراس وراح مقاتلون يتحرشون بها. صحيح ان جثة الفتاة الجميلة ايقظت رجولته فى ثلاجة الموتى لكنه لم يلمسها الا بيد خياله. علق بحب الراهبة من طرف واحد بعدما وظفته ورعته وعاملته معاملة حسنة. كان حبه لها نوعًا من رد الجميل رغم انه اشتهاها وود لو أنها تبادله الشعور نفسه. أما علاقته بالممرضة التى احبته ولم يبادلها بالمثل فاقتصرت على الجنس. والمشهد الذى ضمهما معا متلاصقين خلال القصف فى الغرفة الآمنة، دل على أن الرغبة تفيق لدى الشعور بدنو الموت. ففى بلوغ النشوة كما علمنا فرويد غيبوبة عابرة كأنها موت خاطف. عدا ذلك، لم يكن عابر محروما جنسيا فى قريته حيث كان يصطاد، الى الطيور، نساءً من البدو الرُحّل المقيمين  فى السهل المجاور.

رغم مضى قرابة عقدين ونصف العقد على الحرب الأهلية اللبنانية إلا أن لبنان دائمًا على شفا حروب أهلية.

هذا، ويا للأسف، صحيح. الحرب لم تنتهِ عندنا. انتهت فى النصوص لا فى النفوس.

أليس من الغريب أن الراوى الذى كان يكره الحرب والقتل ويفر منهما دائمًا، وجد راحته فى عمله بين الأموات فى برّاد (ثلاجة المستشفى)؟

لا ليس مستغربا. فعابر ليطانى كان مُلاحقا. يظن ان غالبية زوار المستشفى مخبرون يتجسسون عليه ويكتبون التقارير عنه. وظنه فى محله. فقد خُطف من داخل الثلاجة ولم يعرف من الجهة الخاطفة. ثم رماه الخاطفون تحت الجسر بعدما اطلقوا عليه ثلاث رصاصات. لكنه لم يمت. من كان وضعه كهذا يجد الثلاجة أكثر الامكنة أمانا، وصحبة الموتى افضل من صحبة الاحياء.

 

شاهد.. جورج يرق يتحدث عن روايته