شهلا العجيلي، كاتبة سورية من مواليد 1976. حاصلة على دكتوراة فى الأدب العربى الحديث والدراسات الثقافية من جامعة حلب، سوريا، وتعمل بتدريس الأدب العربى الحديث فى جامعتى حلب والجامعة الأمريكيّة

25487

شهلا العجيلي، كاتبة سورية من مواليد 1976. حاصلة على دكتوراة فى الأدب العربى الحديث والدراسات الثقافية من جامعة حلب، سوريا، وتعمل بتدريس الأدب العربى الحديث فى جامعتى حلب والجامعة الأمريكيّة فى مادب ا- الأردن.

أصدرت شهلا العجيلى مجموعة قصصية بعنوان «المشربيّة» 2005، ودراسات نقدية عديدة، من بينها: «الرواية السوريّة/ التجربة والمقولات النظريّة» 2009، «الخصوصيّة الثقافيّة فى الرواية العربيّة» 2011، و«مرآة الغريبة – مقالات فى نقد الثقافة» 2006، إضافة إلى رواية «عين الهرّ» الفائزة بجائزة الدولة فى الآداب من الأردن 2009، ورواية «سجاد عجميّ» 2013.

وقد سبق لـ«شهلا العجيلي» أن شاركت فى ورشة الكتابة الإبداعية «الندوة» التى تديرها الجائزة العالمية للرواية العربية لتشجيع شباب الكتّاب الواعدين وكتبت قسما من روايتها «سماء قريبة من بيتنا» خلال تواجدها فى ندوة عام 2014.

وصلت روايتك للقائمة القصيرة لجائزة البوكر، مما يجعلها مرشحة للفوز بالجائزة، وهذا يجعلنى أتساءل، ماذا تمثل الجوائز بالنسبة لكِ؟

لنقل أوّلا ماذا تمثّل (البوكر) لي: أجدها منجزا مهمّا فى تاريخى الروائيّ، فالوصول إلى القائمة القصيرة يعنى أنّ رؤيتى الجماليّة أى (المعرفيّة والفنيّة) مقنعة، وقادرة على المنافسة حتّى اللحظة الأخيرة. أعتقد أنّ الكاتب بحاجة كلّ يوم إلى أن يثبت لنفسه أنّه قادر على الكتابة، وأنّه يمتلك أصول الصنعة، وأنّه سيلقى جمهورا. لا يركن الكاتب أبدا إلى موهبته، إنّه متشكّك دائما، ومحبط، وأنا صار لديّ الآن مصدر جديد لمقاومة الإحباط، ثمّ إنّ الجوائز بعامّة، لا سيّما البوكر، تضع النصّ بسرعة وبسهولة بين يدى المتلقّي، وتجعله عرضة أكثر من غيره للمراجعات والدراسة، وهذا كلّه يواجه الكاتب بنفسه، ويعرّفه بعمق على آليّات التلقّي، فيزيد خبرته فى الكتابة. نأتى أيضا إلى الترجمة التى تمكّن من نشر رؤيتى حول العالم، فنحن نحبّ أن يقرأنا الآخرون، ليعرفوا أنّ لثقافتنا العربيّة، وجوها أخرى نبيلة وصادقة، ولها عمق إيجابيّ فى الحضارة الإنسانيّة، ما زال هناك من يستفيد منه ويحافظ عليه، ويشكّل له قوّة الدفع التاريخيّة. نحن لسنا كيانات هامشيّة، ولم نولد من نقطة عمياء، وثمّة إنتاج فرديّ قابل للتعبير عن رؤية صاحبه، وعن فرديّته، ويستطيع أيضا بطريقة جماليّة التعبير عن تاريخ الجماعة، وموقفها من الوجود، وعن آلامها وطموحاتها، لاسيّما أنّنا نكتب فى ظروف اجتماعيّة وثقافيّة ونفسيّة فى غاية التعقيد.

كانت روايتى الأولى (عين الهرّ) قد حصدت أيضا جائزة الدولة الأردنيّة فى الآداب، عام 2009، وكان ذلك نجاحا يسندنى من الداخل، ويحفّزنى على المواصلة، نحن نصاب باليأس والخوف أكثر من غيرنا، ونحتاج إلى همّة عالية لنتجرّأ على استعمال اللّغة، فالكتابة ليست عمليّة سهلة على الإطلاق، وكنت كلّما توقّفت عن الكتابة، أنظر إلى جائزتى الأولى، وأشعر بالنكران تجاه نفسى فى أن أتخلّى عمّا قدّر لى أن أنجح فيه، ثمّ إنّه لدى الكتّاب دائما سبب غير معلن للكتابة، لأنّهم هيّئوا أنفسهم لذلك منذ وقت طويل.

 لماذا اتجهتِ إلى كتابة الرواية؟

أنا بدأت بنوع سرديّ آخر، هو القصّة القصيرة، إذ أصدرت مجموعتى الأولى (المشربيّة) فى العام 2005، ثمّ صدرت (عين الهرّ) فى العام 2006، وأعتقد أنّنى ذهبت إلى الرواية لأنّنى قارئة قديمة للرواية، ومعظم من قرأت لهم كانوا يكتبون القصّة والرواية، وكنت متأثّرة بنجاحهم فى هذين الفنّين. لأنّنى أكاديميّا مختصّة بالفنّ الروائيّ، تأثّرت جدّا بنظريّة الرواية فى نشأتها التاريخيّة الاجتماعيّة عند لوكاتش، والتى طوّرها لوسيان غولدمان، ووجدت أنّ فى كلّ منّا بطلا إشكاليّا، وكنت أتساءل دائما عن إشكاليّة الأفراد الذين أقابلهم وأتعرّف إليهم، ثمّ وجدت أنّنى أمتلك غير الأفكار، حكايات كثيرة لابدّ من أن أرويها. يجذبنى العمق المعرفيّ فى الكتابة الروائيّة، والصبر، فكتابة الرواية نوع من التأمّل، أو الرياضة العقليّة، إذ تكون، وأنت تبحث عن مشروعك، قلقا جدّا وغير منسجم مع عالمك، ثمّ تلغى العالم من حولك، وتقبع فى الداخل مثل سلحفاة، لا تسمح لأى شيء أن يؤثّر فيك، وتعيش هناك فى الداخل فى العمق الإنسانيّ، الذى يجب أن يكون بسيطا ونظيفا جدّا، مثل أرض بكر، تبدأ أنت بتأثيثها بتفاصيل روايتك، وبعد وقت، يظهر خلقك الجديد، الذى ستمنحه إلى العالم. طبعا ما زلت أكتب القصّة القصيرة إلى جانب الرواية، وكتابة القصّة متعة أخرى، ولها شرط جماليّ آخر، وصدرت لى مؤخّرا مجموعة جديدة بعنوان (سرير بنت الملك) عن سلسلة إبداع عربي، فى الهيئة العامّة للكتاب فى القاهرة.

DSC_3935

هل تظنين أن الأدب يمكنه أن يكون مادة للمعرفة؟

نعم الأدب يمكن أن يكون مادّة للمعرفة، وهى ليست المعرفة الوثائقيّة أو العلميّة المجرّدة، وإن كنّا نكتب الرواية الآن بمحمول ثقافيّ نتوخّى فيه دقّة التفاصيل العلميّة، فعندما كتبت عن (كورين) زوجة ناصر الأمريكيّة فى «سماء قريبة من بيتنا»، وهى عالمة سلاحف بحريّة، قرأت كثيرا عن عالم السلاحف، وشاهدت العديد من الأفلام الوثائقيّة عن حياتها. وكذلك درست فى الجغرافيا والمناخ من أجل شخصيّة ناصر، وقرأت فى فنون الرقص اللاتينى من أجل هانية، وفى علم النفس من أجل الدكتور يعقوب، وإن كان تخصّصى أصلا فى الأدب والدراسات الثقافيّة وقراءاتى السابقة، وعملى السابق فى الصليب الأحمر قد ساعدنى كثيرا فى الكتابة. الروائى يدرس كثيرا، ويفعل أشياء غريبة أحيانا من أجل نصّه، لكن هذه المعرفة تنتج معرفة أخرى موازية، معرفة جماليّة، معرفة بالطبائع، والتجارب، والتاريخ، معرفة شاملة، لكنّها لا تقدّم فى إطار موضوعيّ، وإنّما تكون عضويّة من بنية النصّ. وإذا كنّا نتساءل عن إمكانيّة التعامل مع المعلومات فى الرواية على أنّها حقائق، فأقول هذا يعود إلى مصداقيّة الروائيّ ومدى جديّة بحثه العلميّ. هناك وقائع تاريخيّة فى «سماء قريبة من بيتنا»، مثل حادثة عمر البطش ومحمد عبد الوهاب، فهى حادثة معروفة فى مجتمع الموسيقى فى حلب، ومؤثّقة فى الكتب، وكذلك التحوّلات السياسيّة فى سورية فى الفصل الأوّل (ليالى الأنس) كلّ المعلومات استندت إلى وثائق، وهى معلومات ليست خطيرة أو سريّة خارج النصّ، لكنّها صنعت المورفولوجيا فى النصّ، يجب على هذه المعلومات أو الـ(Data) أن تمنح النصّ مصداقيّته وتضعه فى سياقه التاريخيّ – الاجتماعيّ. لقد دخلت المعلومات فى إطار تخييليّ، وفى النقد نتعامل معها على أنّها خيال، مهما كانت نسبة الوقائعيّة فيها، لكن فى كلّ حال يجب ألاّ تكون خاطئة، ويمكن للمتلقّى مراجعتها.

أشرتِ إلى ماضى حلب فى عصرها الذهبى فى الفصل الأول من الرواية، هل تعتقدين أن الماضى شىء نستدعيه لمجرد الحنين إليه أم ينبغى علينا أيضًا التعلم منه؟

أبدا، لم أستحضر ذلك الماضى القريب نسبيّا لإعطاء أيّ درس، عدت إلى تلك المرحلة لأصنع حالة دراميّة مؤثّرة تقوم على المفارقة بين ظرفين تاريخيّين، بين صعود وانهيار، ومفارقة قيميّة فى التعاطى مع الأحداث السياسيّة أيضا، ولأقول إنّ حياتنا فى هذه المنطقة سلسلة من التحوّلات الدراميّة التى نالت من كلّ شيء، ووصلت إلى الهويّة. الروائى من وجهة نظرى ليس معلّما وليس ساعى بريد يحمل رسائل للقرّاء، الروائيّ روائيّ فحسب، يذكّرنى ذلك بكونديرا فى وصاياه، إذ سئل:

هل أنت شيوعيّ؟ لا أنا روائيّ. هل أنت منشق؟ لا أنا روائيّ. هل أنت يساريّ أم يمينيّ؟ لا أنا روائيّ.

أعتقد أنّ الذى لا يتعلّم من قراءاته عن تجارب التاريخ وتحوّلاته، ولا يستطيع صناعة التقاطعات بين المدوّن والشفهيّ، وبين المكتوب والوقائعيّ، لن يتعلّم أبدا، والذى يخاف قراءة ما يغاير أفكاره، ويحمى ذاته بالازدراء والشتائم، سيبقى حافظا أمينا للجهل. الروائيّ لا يكتب كما يريد له الناس أن يكتب، إنّه يكتب قناعاته، يعرض العالم وفاقا لرؤيته التى لن تتماثل مع السائد من السياسيّ والدينيّ والايديولوجيّ والأخلاقيّ العرفيّ والجماعيّ، فهو ليس زعيما سياسيّا يسعى لإرضاء الآخرين، ما يميّزه هو ذلك الوعى الفرديّ، وحينما يكتب سيمنح الآخرين فرصة مواجهتهم بذواتهم، ولهم أن يحبّوا ما يكتب، أو يستهجنوا، لكن لديه مسئوليّة تجاه نفسه وتجاه الحقيقة، ألاّ يقدّم نصفها، ويغيّب الآخر وفاقا لإديولوجيا ما.

oo

«ناصر العامري»، ابن لاقتصادي فلسطيني كبير وأمّ سوريّة، جاء إلى عمّان ليدفن أمّه، ليكتشف مع بطلة الرواية أن هناك علاقة جيرة بين بيتى جدّهما فى حلب. يبدو أن هذا لا يشير فقط للتقارب الجغرافى بين أبطال الرواية، ولكن أيضًا إلى المصير المشترك.

أنا كتبت جغرافيا الشتات، لأنّها واقع البشريّة عبر التاريخ. لم يحظ الإنسان بالاستقرار وقتا طويلا، كما أنّ استقراره نتج عن هجرة. هناك هجرات كبيرة معروفة، وأخرى صغيرة ومغيّبة، ولم ينج أحد فى العالم من الحروب الدينيّة والاستعماريّة والطائفيّة والسياسيّة، أو عقابيلها. ونحن فى بلاد الشام تحديدا، لدينا جذور متشابكة بسبب الجغرافيا والحرب، لاحقتها فى عملي، وما ساعدنى أنّنى كنت عرضة لها بأكثر من طريقة، وليأت كلّ منّا إلى عائلته، سيجد نفسه يلاحق شتاتا وتحوّلات فى الهويّة بسبب التحوّلات الجيوسياسيّة عبر التاريخ. هذا على مستوى الفرد فى هذه المنطقة، ولنقس ذلك، على العائلات التى ارتحلت إلى أمريكا وأوروبا، وصارت هجنتها أوضح… عندما التقت نبيلة الفلسطينية ببريكتش الصربيّ فى عمّان، التقت جذورهما بسبب الهيمنة والاستعمار، فكلاهما كما تقول الراوية قد جاء من ملك عثمانى قديم، وكلاهما قاده الاستعمار الأوروبيّ إلى درب الشتات، ومثلما ماتت أم نبيلة فى رحلة التهجير من يافا إلى بيروت، ماتت أم بيريكتش بقصف قوّات التحالف على سراييفو!

يتبدى نزوع أبطال روايتك إلى الاستمرار فى الحياة وإعلاء طابع المرح والسعادة، وهذا ما يحاربه الاستعمار والديكتاتوريات الدمويّة، هل لديكِ ثقة أن الإنسان فى أى مكان فى العالم قادر على مواجهة هذه الظروف وتجاوزها؟

الإنسان سيواجه الظروف، لأنّه لا بدّ له من ذلك. المواجهة أحيانا ليست خيارا أو بطولة، قد تكون نوعا من الاستسلام، حيث عوامل أخرى ستحسم المعركة، نسمّيها أحيانا قدرا. لكن ما هى نتيجة هذه المواجهات؟ الكثير من الخسائر والنكبات والتعاسة، وبعض الفرح العاديّ أو الاستثنائيّ، هذا كلّه نعيشه ولا نفكّر به، لكنّ الرواية تبرئه، لأنّها تلتقط التحوّلات وتكثّفها، فمراجعة الخسائر والربح تأتى وقت التحوّلات، وقت الفقد، والمرض، والحرب، حينها يعرف الإنسان الأشياء الجوهريّة للوجود، والأخرى التى هى صفر. بعض شخصيّاتى وفى «سماء قريبة من بيتنا» خاصّة لديها طابع المرح، وحسّ الفكاهة، وظرف ذكيّ، لأنّنى أتيت بها من الرقّة، حيث هذه السمات خاصيّة أنثروبولوجّيّة ثقافيّة لإنسان تلك المنطقة، وهذا نوع من توخّى المعرفة بالطبائع لمنح العمل حيويّته ومصداقيّته. فى الكتب القديمة تجد وصفا لساكنى حوض الفرات، يقال فلان: عراقيّ الظرف، أى يمتلك فطنة وروحا حلوة، ربّما نتيجة معرفة وثيقة بالعالم، ويقين بالزوال، وإحساس مرّ بالفقد، أورثه إيّاه جلجامش، ودعمته تجارب المنطقة التراجيديّة،… كلّها تأويلاتى الثقافيّة الخاصّة التى عزّزتها الدراسة والخبرة الذاتيّة، والتجارب المرّة الجماعيّة والفرديّة التى عمّقت فى أبطال روايتى النزعة (الكلبيّة) أو (السينيكيّة)، إذ يحدث أن نضحك ونضحك فى المنعطفات القاسية، ليكون ضحكنا كالبكاء.

 

شاهد.. شهلا العجيلي تتحدث عن روايتها