محمد ربيع روائى مصرى ولد فى القاهرة عام 1978، تخرج فى كلية الهندسة عام 2002. صدرت له رواية «كوكب عنبر» عام 2010 عن دار الكتب خان، وحصلت على جائزة ساويرس

ننن

محمد ربيع روائى مصرى ولد فى القاهرة عام 1978، تخرج فى كلية الهندسة عام 2002. صدرت له رواية «كوكب عنبر» عام 2010 عن دار الكتب خان، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية، أفضل رواية لشباب الكتاب عام 2011. كما صدرت له رواية «عام التنين» عام 2012 عن دار الكتب خان أيضًا. وأخيرًا صدرت له رواية «عطارد» عام 2015 عن دار التنوير.

القاهرة اليوم تحاوره، تحاول أن تستكشف خيالات وهواجس لم تظهر من قبل. تعرض بعدا آخر للكاتب، زوايا تتخفى فى الظل، آراء غير معتادة. مثلما يقول كافكا: الكتابة الحقيقية تؤلمك أو تصدمك. هذا ما نجده عند ربيع فى كتاباته، وهذا أيضا ما ظهر فى  حديثه.

حاوره: محمود حسني

مفهوم الحب فى «عطارد» يقترب أحيانا ويبتعد فى أحيان أخرى عن الاحتياج الجنسى الطبيعي، مواصفات الجمال لديك فى وصف حبيبة الضابط عطارد ليست تلك القياسية أو المتعارف عليها فى مجتمعاتنا، هل كان ذلك مقصودا، أم كيف كان الأمر؟ وما نظرتك لمفهوم أساسي، مرتبك، وغامض مثل مفهوم «الحب» فى حياتنا؟

الأمر متعلق أكثر بالجمال. الجمال الكلاسيكي، أو حتى المتعارف عليه على نطاق واسع فى مصر، لم يعد كذلك فى الرواية، بل حل محله القبح وأصبح الجمال الجديد. هذا التحول لا علاقة له بأحداث الرواية وتفاصيلها، كذلك لا أدعى أنه سيحدث فى المستقبل، بل هو حادث الآن بشكل كامل. وبالطبع لا أقصد قبح هيئات البشر، لكنى أقصد قبح ما نبنيه من عمارات وما نرتديه من ملابس، هناك أيضًا قبح اللوحات الإعلانية على الطرقات، وقبح الأخلاق الذى صار علامة على العصر الحالي، الآن ستجد المنافقين الذين يجهرون بالنفاق، ستجد أيضًا من ينفرون منهم، ويضطرون للمجاهرة بنقدهم بشكل يتعدى حدود الأمانة والصدق ليتحول إلى وقاحة حقيقية! أضف إلى ذلك التناقضات بسبب التحيز لموقف سياسي، لا إلى الحق أو العدالة. ببساطة نحن نختار القبح عوضًا عن الجمال.

كيف تراكمت فكرة الرواية فى خيالك أو ذهنك؟ هل كانت خطوط سير الأحداث واضحة منذ البداية أم أنك احتجت لأن تبدأ بالكتابة لكى تصبح الأمور أكثر وضوحا؟ وهل هذا هو الذى اعتدت عليه فى عمليك السابقين أم كيف كان الأمر معهما بالمقارنة مع عطارد؟

هذه المرة كان التخطيط محكمًا أكثر من المرتين السابقتين، ولم أبدأ فى الكتابة إلا بعد التأكد من كل التفاصيل، بالطبع تغيرت أحداث وتم إحياء شخصيات معينة فى أثناء الكتابة، وبعد الانتهاء تم حذف أحداث كثيرة زائدة، أو لا علاقة لها بصلب الحكاية. كانت مرحلة البحث أطول فى رواية عام التنين، ولم تكن كل الأحداث واضحة عندما بدأت الكتابة، بل اتضح الكثير منها مع التقدم فى الرواية، بينما كان الامر مختلفًا كثيرًا فى الرواية الأولى «كوكب عنبر»، لم أقم بعمل بحث حقيقي، والأحداث كلها تطورت فى أثناء الكتابة.

p26_20160305_pic1

 كيف كانت أهمية أن يقرأ مسودة العمل عدد ليس بقليل من المقربين منك؟ وكيف تعاملت مع ملاحظات متشعبة تأتى من كل هؤلاء؟ وهل الأمر فعلا ضرورة أن تُقرأ مسودة العمل من قبل آخرين أم على اى شيء يعتمد هذا القرار؟

هذا مهم جدًا، فى النهاية العمل لن يُحفظ فى درج المكتب، لكن سيكون متاحًا للناس ليقرءوه، ولا أظن أنى أستطيع السيطرة على ما أكتب بشكل كامل الآن، أعنى أن هناك شطحات كثيرة تحدث فى أثناء الكتابة، ولا يمكن لى تهذيبها لذلك أستعين بالأصدقاء. هؤلاء يقولون رأيهم بصراحة ويشيرون لمواضع «الرغى» بلا طائل، وبالطبع يشيرون إلى الأخطاء الصغيرة المتكررة هنا وهناك، فى اللغة أو حتى فى منطق تسلسل الأحداث. قد تأتى ردود متناقضة، هذه المرة أتانى ردان من كاتبين من جيل أكبر، هما على صلة وثيقة ببعضهما بحكم الانتماء لجيل واحد، وأيضًا لأنهما يكتبان الشعر، لكن كانت هناك ملاحظتان من كليهما متناقضتين تمامًا، وهو ما لم يكن متوقعًا بالنسبة لي. هناك أيضًا ملاحظات يجمع الكثيرون على الإشارة إليها، على سبيل المثال، اعترض الكثيرون على الفصل المعنون 455 هـ، وطلبوا إلغاءه تمامًا، لكنى لم أفعل ذلك لأسباب لا أعلمها! لم يكن هناك إلا حدس بأن وجود الفصل ضروري، ولا يمكن حذفه. ما أود أن أقوله إن كل شيء قابل للكتابة قابل للتغيير أيضًا.

روايتك استشرافية عن واقع محلى شديد القتامة، أى الأحداث التى مررنا بها فى الخمس سنوات الماضية تشعر أنها أثّرت فيك بشكل «غائر» وجعلتك ترى الأمور بهذه الكابوسية؟

ما حدث له تأثير واضح على الرواية وعليَّ؛ المسيرات وتعامل الشرطة معها، الطريقة التى تعاملت بها الدولة مع الاحتجاجات والمحتجين، تعامل الإعلام مع الثوار، وبذرة التخوين الاولى التى صدرت من مذيعين تلفزيون مشهورين، لكن هناك حادث يؤثر عليَّ حتى هذه اللحظة، كنا نصلى صلاة الجنازة على أحد الشهداء، بعد العثور على جثمانه فى أحد المشارح مصادفة، كان ذلك بعد مقتله بثلاثة شهور تقريبا، شاركت فى إدخال الصندوق إلى الجامع، وأذهلنى الجثمان الصغير جدا، بدا وهو يهتز فى فراغ الصندوق وكأنه لطفل فى العاشرة. وما زال المشهد طازجًا فى رأسي، كل ما فكرت به كان الانتقام، وخرجنا بعد الصلاة والجميع يهتف متوعدًا حسنى مبارك بالقصاص. كان ذلك فى الشهور الاولى التالية ليناير 2011، وأنت تعلم الباقى بالطبع.

عطارد

تجربتك كروائى ومن ثم عملك كمحرر فى دار نشر هامة مثل التنوير ثم عودتك للكتابة الروائية بالتوازى مع ممارستك لعملك كمحرر، هذه العلاقة الديالكتيكية بين طرفيّ شخصيتك، هل تؤثر بشكل أو آخر عليك، أن يطبع الروائى روحه على تحريره للنصوص أو أن تجفّ روح الأديب تحت سطوة المحرر بداخلك؟ كيف يسير الأمر أو كيف تديره؟

للمحرر سلطة حقًا على النصوص، لكن هناك درجات عديدة من التحرير، وقد تجد محررًا لديه القدرة على تحويل نص سخيف جدًا إلى نص ممتاز، وقد تجد المحرر نفسه عاجزًا عن العمل على نص متوسط. عملية التحرير لا مقياس أو معايير لها، هى موهبة فى الأصل، ويتم صقلها بمرور الوقت وكثرة العمل وتنوعه. قيل لى أن العمل كمحرر فى التنوير جعل جملى أكثر انضباطًا هذه المرة. من خلال العمل كمحرر اكتشفت أن الأعمال الجيدة هى المكتوبة بمهارة وحرفية عالية، نجيب محفوظ صاحب لغة عبقرية حقًا، سلسة جدًا ولا يمكن الإمساك بتعطل أو توقف أو أدنى مقدار من الركاكة فى كل ما كتب، وانظر إلى لغة طه حسين أيضًا، ثمة أناقة غير مسبوقة فى كل ما كتب، هو يربت على القارئ ويتعامل معه كصديق حميم، على الرغم من الفارق الكبير بين الرجلين، إلا أن أعمالهما ممتازة وستستمر حية بيننا لفترات طويلة، وأظن أن جودة اللغة لها تأثير حاسم على ذلك، إذا نحينا أهمية أفكارهما جانبًا.

 أخبرنا عن الأصوات الأدبية الشابة التى تلفت نظرك سواء من جيلك أو الجيل الأصغر، وأخبرنا أيضا عن عناوين أعمال روائية أو قصصية أحببتها فى الفترة الاخيرة

نائل الطوخى ويوسف رخا هما أفضل من يكتب الآن بالنسبة لي، وأعمال أحمد عبد اللطيف وطارق إمام ممتازة وأتابعهما باستمرار. للأسف لا أشعر بأى حماسة لقراءة أعمال من الجيل اللاحق، هناك الكثير من الأعمال الأدبية الصادرة خلال العامين الماضيين، وللأسف أصابنى الإحباط حينما قرأت بعض الأعمال ووجدتها سيئة جدا. لا يبقى للقارئ سوى الأعمال الفائزة بجوائز مثل ساويرس والبوكر، والأعمال المشار إليها فى مقالات نقدية، أو الأعمال التى يرشحها الأصدقاء. منذ سنوات كنت حريصا على قراءة كل ما يمكننى الحصول عليه، أيا كان اسم كاتبه، فى ذلك الوقت أيضًا لم يكن هناك الكثير من الناشرين كما هو حاصل اليوم، وكان الواحد واثقًا أنه لن يشترى كتابًا رديئًا إلا فيما ندر. الآن لا أستطيع القراءة على المنوال نفسه، وقت القراءة أصبح قليلًا جدًا، وبالطبع هناك دائمًا الملل.

 كونك كاتبا روائيا، ومحررا بدار نشر، ولك زاوية ثابتة بمجلة شهرية، يجعلك هذا فى حالة تماس إن لم تكن تقاطع أو تنغمس مع الوضع الثقافى الحالي، سؤالا تلقيديا لكنه مهم، كيف ترى المشهد الثقافى العربى اليوم مع كل ما أثّر فيه من أحداث اجتماعية وسياسية؟

لست قريبًا كما تظن، أنا بعيد جدًا عن كل ما يحدث من تحالفات ومعارك، ولا «مصالح» لى مع هذا أو ذاك. وبالتالى لا أستطيع وصف أو نقد المشهد الثقافى العربي، أو حتى المصري. لكن أكثر ما أزعجنى هو انبطاح مجموعة من المثقفين المصريين أمام السلطة الحالية فى مصر، ما حدث جعلنى أعيد التفكير فى كل ما كتبه بعضهم وأثر عليَّ تأثيرًا كبيرًا، بالطبع علينا أن نفصل موقف الكاتب السياسى عن إبداعه، لكن ماذا إذا كان الكاتب ينتقد الطغيان طوال الوقت، ثم نجده فجأة يؤيد الطغيان بكل جوارحه؟ بل ويحاول أن يقنعنا بفائدة الطغيان فى الوقت الحالي! بالنسبة لى لا أقل من فقدان الثقة بالكاتب أو المثقف، والتعامل باستهتار معه ومع ما كتب ومع ما سيكتب. هذا أمر محزن جدًا، ويظهر لك مدى كذب ونفاق هؤلاء، وأيضًا مقدار تأثر البعض بالإعلام الموجه الذى حذرونا منه دائمًا، ودرجة استعداد الكثيرين للتغاضى عن كل الهذيان المحيط بنا الآن، وتحويله إلى فعل إصلاحى عبقري، وقدرة البعض على ادعاء وجود الجمال بل وتأمله، بينما لا نرى حولنا سوى القبح.

شاهد.. محمد ربيع يتحدث عن روايته