د. السيد أمين شلبي   فى كتابه الشهير «مستقبل الثقافة فى مصر» 1937، دعا طه حسين مصر والمصريين إلى أن يتبنوا الثقافة الغربية فى ضوء الاتصالات التاريخية التى تربط العقل

طه حسين

د. السيد أمين شلبي

 

فى كتابه الشهير «مستقبل الثقافة فى مصر» 1937، دعا طه حسين مصر والمصريين إلى أن يتبنوا الثقافة الغربية فى ضوء الاتصالات التاريخية التى تربط العقل المصرى بالعقل الأوروبى وتربط مصر بأوروبا، هذه العلاقة التى جعلته ينتهى إلى دعوة المصريين وأن يمحو من قلوبهم «الوهم الشنيع الذى يصور لهم أنهم خلقوا من طينة غير طينة الأوروبى وفطروا على أمزجة غير الأمزجة الأوروبية ومنحوا عقولا غير العقول الأوروبية»، بل انتهى إلى الدعوة إلى «أن نتعلم كما يتعلم الأوروبيون ونشعر كما يشعر الأوروبى ونصرف حياتنا كما يصرفها»، وبعد أكثر من عشر سنوات من كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» يتخذ طه حسين كل بحثه عن علاقة مصر بفرنسا نموذجا تطبيقيا لعلاقة مصر بأوروبا وتجسيدا لـ«ثقافة البحر المتوسط» التى رآها حوارا متكاملا عريق الجذور بين مجموعة من الثقافات خاصة بين ثقافتين رئيسيتين ممتازتين تمركزت إحداهما فى مصر بينما تركزت الأخرى فى أوروبا.

وفى تتبعه للعلاقة المصرية الفرنسية وجد أنها كانت وتطورت كعلاقة أخذ وعطاء، ولم تقتصر هذه العلاقة التبادلية على البلدين وحدهما، بل تعدت إلى غيرهما من الشعوب بل للبشرية كلها. وقد سجل طه حسين بداية هذه العلاقة بالحملة الفرنسية على مصر «حين طرقت باب فرنسا»، وهو الطريق الذى «رغم عنفه» قد أيقظ مصر وكان بداية دخولها العصر الحديث بعد ثلاثة قرون من الظلام الذى فرضه عليها حكم المماليك والأتراك، وعلى هذا فإن فرنسا التى جاءت إلى بلد كان نائما قد تركته «بلدا آخر يفيق من سباته، وقد أحسن الإفاقة» ورد طه حسين ذلك إلى خاصية فرنسية تميزها عن غيرها.. فهم لا يعتقدون بالاستعمار أو الاحتلال العسكرى ولكنهم دائما أصحاب عقل متفتح يريدون دائما أن يتعلموا هم أنفسهم وأن يعلموا من يحتلون. لذلك أعتقد طه حسين أن العامين اللذين قضاهما الفرنسيون فى مصر لم يكونا مجرد احتلال عسكرى وإنما كانا عامين تميزا بخصوبة رائعة بالنسبة للعلم والعقل.

ويعدد طه حسين مظاهر هذه الخصوبة فيشير إلى إنشاء المجمع العلمى المصري، مجموعات العلماء التى مكنت شمبليون فيما بعد من اكتشاف مصر القديمة وإذا كانت نهضة مصر الحديثة ترتبط بمحمد على وعصره، فإن طه حسين يربط مشروع النهضة كما تصور محمد على بـ«الذكاء الفرنسي» والذى كان محمد على لجأ إليه لبناء هذا المشروع والذى «لم تكن مصر فى ظل محمد على أن تحقق شيئا دونه»، الأمر الذى جعل طه حسين يجعل من فرنسا محمد على مقصدا للبعثات الطلابية المصرية التى أرسلها إلى فرنسا والتى بدأت مع عام 1826-1827، والعلماء الفرنسيين الذين ذهبوا إلى مصر أثناء محمد على والذين عملوا كمستشارين للمصريين «فى كل ما يتعلق بالذكاء الفرنسي» وإنما امتد إلى ما هو أبعد من ذلك «فمصر إذا أرادت أن تنشئ مدارس أو تنشئ جامعة وهيئة علمية اتجهت لفرنسا، ومصر إذا أرادت أن تجدد حياتها فى أى فرع من الفروع فكرت فى فرنسا».

يبلغ طه حسين من الثقة وحسن النية فى دوافع فرنسا حدا يجعله يجرد دورها فى مصر من أى مطمع سياسى أو استعمارى وأنها لم تعد تفكر إلا فى شىء واحد بسيط فهى لا تريد إلا العمل على تقدم المعارف البشرية وإثراء العقل الإنسانى ولم يكن هذا العطاء الفرنسى مقصورا على مصر وحدها وإنما شكل العالم الذى حصل علم المصريات من خلال هذا التعاون الذى كان هدية «قدمتها فرنسا إلى العالم لأنها ذهبت إلى مصر، ولأنها ذهبت إلى هناك لا لشىء للتعلم والتعليم وإنما العمل على تقدم العلوم والمعارف البشرية».

غير أن هذا التعاون الذى تصوره طه حسين بين فرنسا ومصر لم يكن فقط ذا طريق واحد أفاد مصر وغيرها فحسب، وإنما قدمت فيه مصر وأعطت لفرنسا «شيئا من مجدها العلمى ومجدها الأدبى وأن فرنسا تعتز بهذا المجد من وجهة النظر العلمية عندما تتذكر أنها هى التى منحت العالم علم المصريات».. الأمر الذى لم يكن ممكنا «لولا تمكن العلماء الكبار مثل شامبليون وماسبيرو وماريت وغيرهم أن يعلموا وما استطاعوا أن يقدموا للعالم هذه الهدية الفرنسية الجميلة التى هى علم المصريات»، وفى نطاق عطاء مصر لفرنسا يذكر طه حسين إسهامات الكتاب الفرنسيين الذين كانت مصر مصدر إلهاماتهم فإن أبحاث جيرار وترفال أو رسائل فلوبير أو مؤلفات ماكسيم دون كامب أو روايات تيوفيل جوتيه وادموند بو، والمتعة التى قدمتها قراءتها للفرنسيين لم تكن من الممكن «إلا لأن مصر قد أوحت إليهم بها» وأن قراء هذه الأعمال لابد أن يدركوا «أن جميع هذه الكتب ما كانت لتوجد لو لم يذهب الفرنسيون إلى مصر وما لم يجدوا فيها من حسن الاستقبال ما يسمح لهم بالعيش فيها».. ولم يقتصر الأمر فيما قدمته مصر لفرنسا على علم المصريات والأعمال الأدبية وإنما يمتد لكى يشمل مدرسة الاستشراق الفرنسى شديد الازدهار والروعة والذى بفضله تألق أساتذة فرنسيون فى السربون والكوليج دى فرانس ومدرسة اللغات الشرقية وعدد من الجامعات الفرنسية فى الأقاليم، وازدهار هذه المدرسة عند طه حسين قد أسهمت فيها المكتبات المصرية والمدارس والجامعات المصرية. نجد أن ثمة بعدا كافيا فيما قدمته فرنسا لمصر، وما قدمته مصر لفرنسا خاصة فى مجالات العلم والثقافة والمعرفة بحيث لم تقتصر مائدته على المصريين والفرنسيين فحسب بل امتد ليشمل جميع الجنسيات الأخرى التى تستمع إلى دروس اللغة العربية فى السربون والكوليج دى فرانس ومدرسة اللغات الشرقية.. ونفس الشىء ينطبق على مصر التى لم تستفد وحدها مما قدمته لها فرنسا وأنها تفيد كل الشرق العربى وكل الشرق الإسلامى وعلى ذلك فإن تعاون مصر وفرنسا ليس مفيدا لهما فحسب وإنما هو مفيد للإنسانية جمعاء. ويستخلص طه حسين من هذا كله أن ما نشأ بين فرنسا ومصر من تعاون إنما هو «متكافئ تماما وأنه يقوم على التفاهم والتوافق وعلى الصداقة بل يقوم على شىء يفوق الصداقة».

هذا المدى الذى ذهب إليه طه حسين فى تنبى الثقافة الغربية والفرنسية بوجه خاص والإيمان بتأثيرها الإيجابى على الثقافة المصرية وهو الإيمان الذى يعود إلى المرحلة المبكرة، من تطوره الفكرى الذى جعله ينهى رسالته التى قدمها للسربون عام 1927 عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية بقوله «أنا أعتقد أن ثقافة أوروبا، وفى مقدمتها فرنسا ستعيد إلى الذهن المصرى كل قوته وخصه» نقول إن هذه القوة التى دعا بها طه حسين إلى الارتباط بالثقافة والحضارة الغربية وجعلها نموذجا للنهضة المصرية التى عرضت لحملات من النقد والمراجعة، اعتبر طه حسين أن بعضها قد صدر عن «هؤلاء المتكلين المستضعفين الذى يكذبون على أنفسهم قبل أن يكذبوا على الناس ويوقظون الفتنة لأنهم لا ينعمون إلا بها»، وصدر البعض الآخر عن «إخلاص وصدق وعن حسن قصد وسلامة ضمير». وأيا كانت دوافع الحملة على طه حسين فإن اتجاهها العام كان يتصور أن ما يدعو إليه طه حسين يعنى الذوبان فى الغرب، بل ذهب البعض إلى اعتباره «عمود التغريب الأساسي» وركيزة الاغتراب عن تراثنا التاريخي.

وقد كان من الطبيعى أن يدرك طه حسين وهو يكتب «مستقبل الثقافة فى مصر» ويربط هذا المستقبل، ومستقبل مصر الحضارى ونهضتها، بارتباطها والثقافة الغربية وحضارتها ومؤسساتها ونظمها، أن يتوقع ما ستتعرض له دعوته من نقد، وأن يحرص على أن يوضح حدود دعوته ومقاصده منها، وان يوضح ارتباطا بذلك وبما يثير نقاده، أو سيثيرونه حول قضاياه عددا من الحقائق المتصلة بالحياة المادية والروحية للغرب فحسب بل فى مصر كذلك، ومن أول هذه الحقائق أن الحياة الأوروبية ليست كلها اثما وإلا لما تحقق لها من تقدم ورقي، فالإثم الخالص لا يمكن من الرقي، وفى المقابل فإن حياتنا ليست خيرا كلها وإنما فيها شر كثير لا لما شهدنا هذا القدر من الانحطاط. ويتوجه طه حسين إلى توضيح جوهر دعوته إلى الاتصال بالحياة الأوروبية ومجاراة الأوروبيين فى أساليبهم ونظمهم التى أدت إلى التفوق فإنه «لا يدعو فى ذلك لا إلى آثامهم وسيئاتهم إنما إلى خير ما عندهم وأنفع ما فى سيرتهم»، فإنه لا يتصور الدعوة إلى التمسك بموروثاتنا وتقاليدنا المستقرة أنها تدعو إلى التمسك بما فى هذه التقاليد منا وإنما الدعوة إلى أن نستمسك بما فى خير هذه التقاليد، كذلك يوضح طه حسين أنه «حين ندعو إلى الاتصال بأوروبا والأخذ بأساليب الرقى التى أخذوا بها لا ندعو أن نكون صورة طبق الأصل للأوروبيين، وإنما ندعو إلى أن تكون أسباب الحضارة الأوروبية هى أسباب الحضارة المصرية لأننا لا نستطيع أن نعيش بغير ذلك فضلا عن أن نرقى ونسود. ويناقش طه حسين قضية أتوقع أن تثيرها دعوته للاتصال بأوروبا وهى أثر ذلك على شخصية مصر القومية وعلى ما ورثته من ماضيها فيؤكد أنه حين دعا إلى الاتصال بأوروبا فإنه لم يدع إلى «أن ننكر أنفسنا ولا أن نجحد ماضينا ولا أن نفنى فى الأوروبيين إذ كيف يستقيم هذا وأنا أدعوا أن نثبت لأوروبا ونحفظ أنفسنا من عدوانها وطغيانها ونمنعها من أن تأكلنا»، ويتصور طه حسين أن هذا الخطر، خطر الفناء فى أوروبا، كان قائما حين كانت مصر ضعيفة مسرفة فى الضعف، أما وقد عرفت تاريخها وأحست نفسها واستشعرت العزة والكرامة واستيقنت أن ليس بينها وبين أوروبا فرق فى الجوهر ولا فى الطبع ولا فى المزاج، فإنه ليس ثمة خوف على المصريين أن يفنوا فى الأوروبيين، فمثلما لم تضع شخصية اليابانيين حين اتصلوا بالغرب وأخذوا بأساليبه، فكيف تضيع شخصية المصريين وهم أرسخ جذورا وأصولا من اليابانيين؟ وفى رده على منتقديه يحاول طه حسين أن يبدد وجها من التفكير السائد حول أوروبا وحضارتها وهو إسرافها فى ماديتها وابتعادها عن الروح.. ويقر طه حسين بأن الحضارة الأوروبية عظيمة الحظ من المادية «لكن من الكلام الفارغ والسخف الذى لا يقف عنده عاقل أن يقال إنها قليلة الحظ من هذه المعانى السامية التى تغدو الأرواح والقلوب، ومن الحق أن الحضارة الأوروبية مادية المظهر فقد وفقت إلى العلم الحديث وتطبيقاته ثم المخترعات التى غيرت وجه الأرض وحياة الإنسان، لكن من الجهل أيضا وأخطأ الخطأ أن يقال إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة، انها نتيجة الروح الخصب المنتج، نتيجة الروح الحى الذى يتصل بالعقل فيغزوه وينميه ويدفعه إلى التفكير ثم الإنتاج».

وفى مقال بعد صدور كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» لا يجد طه حسين جديدا فيما قدمه فى تفسيره للعلاقة بين الشرق والغرب، بل يجد أن العقل العربى حين ملا الأرض فى بعض التاريخ بالعلم والأدب والفلسفة قد لجأ إليه حين اتصلت الأمة العربية بعد الفتح بالأمم الأجنبية وحين أعطته وأخذ منها، قالعقل العربى نما وأثمر وأنتج حين اتصل بالعقل اليونانى حين امتزج به وأشاعه وتمثله، كان هذا فى عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية وأحد أسبابها حين انفتحت على الحياة الخارجية، أما حين حصر العقل العربى نفسه فى بعض المساجد والمدارس وقطع الأسباب بينه وبين الحياة الخارجية فقد انقطع نماؤه وإنتاجه ولم يعد ينتج إلا الآثار العقيمة التى لا تغنى ولا تفيد. وهكذا يستخلص طه حسين – فى قراءته لتاريخ الفكر والعقل العربى وفترات ازدهار وتراجع الحضارة العربية – أن المسلمين قد صنعوا عقلهم وصاغوا حضارتهم منذ القرن الأول للهجرة حتى القرن الرابع من امتزاج عنصرين أساسيين: التراث القديم، وما أخذوه عن الأمم الأجنبية. ويتصور طه حسين أن هذا بالفعل ما تفعله الأقطار العربية منذ بدء نهضتها الحديثة – وكان يتحدث فى الثلاثينات – بإحيائها القديم العربى الإسلامى ونقل الحديث الأوروبى بالترجمة والتعليم فى الوطنية والاختلاف فى معاهد التعليم فى أوروبا، ويستخلص طه حسين فى النهاية أنه فى الصراع القديم والحديث فإن الفوز دائما سيكون «لهذا المزاج يأتلف من خير ما فى القديم ومن خير ما فى الحديث يجعل القديم العربى الحديث شديد التأثر بالحضارة الأوروبية شديد المشاركة فيها، كما جعل العقل العربى القديم يعيد التأثر بالحضارة اليونانية شديد المشاركة فيها إضافة إليها أيضا».

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 825 الثلاثاء 26 إبريل 2016