لبنى إسماعيل فى «بولاق أبو العلا» الصادرة عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع ( 90 صفحة من القطع الصغير – 2015) يعبر فتحى سليمان عن عشقه للمكان وولعه برسم منمنمات إنسانية

فتحي سليمان

لبنى إسماعيل

فى «بولاق أبو العلا» الصادرة عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع ( 90 صفحة من القطع الصغير – 2015) يعبر فتحى سليمان عن عشقه للمكان وولعه برسم منمنمات إنسانية شديدة الخصوصية والدفء تسجل طقوس وشعائر ساكنى حى «البحيرة الجميلة»، Beaux Lake، الذى وصفه مجيد طوبيا – فى تعريفه بالنص على الغلاف الخلفى للكتاب – بالحى الذى «يتنفس» و«يُدَرّس» الجدعنة. تلك المنطقة الشعبية «العشرية» كما رسمها سليمان، حيث الجيران «أقرب الى الأخوات.. ستر وغطا.. ضهرك اللى تتسند عليه.. وكأنهم من بطن أمك. فلاحين وصعايدة.. نوبيين وواحية.. أفندية وجعيدية.. أهلاوية وزملكاوية» (8). يستولد سليمان كل هؤلاء من رحم الأربعينات والخمسينات عندما كان «الششم»، و«التشريط المية وحداشر»، و«عصافير الوشم»، و«تعصيبة المفتاح»، و«المية أم ملح» فى ودن المضروب بالشمس تفاصيل الصور الشخصية فى جوازات المرور للقادمين الجدد لقلب بولاق. تبقى منهم فقط – على الصفحات الأولى التى يدخل من خلالها القارئ لعالم الرواى – روائح بخور يوم الجمعة، وزيارة ضريح السلطان أبو العلا وسيدى العدوى وسيدى موفق، وشكشكة العروسة لدرء الحسد، ومساحات خصبة من خزعبلات المناطق الشعبية التى «لم تستطع الثورة ولا مجانية التعليم محوها بسهولة» (12)

تبدو سردية «بولاق أبو العلا» – بعد غواية الصفحات الأولى التى تجذب القارئ لتاريخ وخصوصية الحي، وتدلف بنا إلى مشاهد التكوين فى كُتاب الشيخ طه، حيث «يسرسع» فتحى الطفل: «الف.. باء.. تاء» – بناءً متشابكا من المشاهد أو الأبواب التى ينفتح كل باب فيها على حجرات مليئة بالشخوص والأحداث تؤدى بدورها لأبواب أخرى تفتح هى أيضا على حجرات مثيلة من الوجوه والدراما الإنسانية. وهى دراما لا تخلو من النوادر والطرائف، تقدم لأجيال الستينات وما بعدها جرعة من الذكريات المشتركة التى لن يدرك – بشكل كامل – متعة استدعائها واستكشافها فى حواديت فتحى سليمان إلا من تشكل وجدانه فى الصغر وسنوات النضج بحفلة الأسماء و«التناتيف» الاجتماعية والسياسية والرياضية والفنية والاقتصادية المذكورة. الباعة السريحة، الكورة الشراب، عربات الحرنكش، سكر جلاب، حب العزيز، خطب ناصرالحماسية، إنجازات ثروت عكاشة الثقافية، نداء «طفى النور يا ولية إحنا عساكر دورية»، النكسة، قصة السلطانية، صرخة الجماهير المكلومة «أحا أحا لا تتنحى»، رحيل اليهود عن مصر ومعهم الطليان والملطاوية، البث التليفزيونى للبيت المصري، الشريك والفايش والبمبوزيا، طقوس الطهور، «الديسكو الشعبي» لمبيض النحاس، حرب أكتوبر، فيلم عماشة فى الأدغال وعملية أبيدجيان، مربى خرز البقر، حملات المخدرات والانتخابات، مباريات الأهلى والزمالك الأسطورية، صوانى القلل القناوى على الشبابيك، زفة العجل فى العيد لترويج اللحمة «من ده بكرة بقرشين»، التروماى ابو سنجة، مجلة ميكي، مسلسل سمارة، شعارات «أحيه أحيه كيلو اللحمة بقى بجنيه»، وانتفاضة الحرامية، القبض على بابا شندودة، صفقات الأغذية منتهية الصلاحية والانفتاح، مسلسل عائلة مرزوق، وبرنامج كلمتين وبس، غناء ربابة متقال «الفراولة بتاع الفراولة»، دواء الراوند السحرى لكل الأمراض، نجيب سرور، أفلام المقاولات، اغتيال السادات. الممتع فى الأمر أن من جاء لتلك الحجرات خالى الوفاض، لا يحمل معه من مخزون الصورالستينية أو السبعينية أو التمانينية أى تفاصيل، سوف يقف مشدوها، ليس فقط أمام المشاهد المرسومة بخفة قلم متناهية، بل محاطا بـ«سلوفان» الدفء الإنسانى الذى يغلف هذه المشاهد المصرية «الصِرف» حتى فى أحلك الأوقات وأكثرها إيلاما، ويُخلف وراءه حالة من ولع الاستدعاء وعشق نحت التفاصيل – وهى محصلة وجدان وهوية الراوى – فى صفحات أمشاج يرصع فيها سليمان ذاكرة القارئ المشارك، بلا هوادة أو رحمة، فى عملية الحفر على البارد والحامى على صينية النص المكتوب والوعى المخلق فى مهارة حرفيى خان الخليل «العتاولة» .

لكن راوى فتحى سليمان فى «بولاق أبو العلا» – كما يكشف لنا النص – يبدو فى «النظرة الثانية» للجدارية السردية مثل نعيمة فى مسرحية نجيب سرور «منين أجيب ناس» المقتبس منها حوار نهايات السردية: «قالت الحورية رقم 2: انتى وحسن واحد/ انتى وحسن نصين/ جسدين بروح واحد/ ولا جسد بروحين» (87)، ومثل إيزيس الرمز والمعنى فى نفس المسرحية، فإن راوى سليمان يبحث عن حسن أو عن أوزوريس الحَسن، عن نفسه الجميلة الطيبة البريئة، عن مصر بولاق أبو العلا، قبل ان تصبح مصر «بهية» المنتهكة؛ مصر «أبو خالد» قبل ان تتحول لمصر النداهة، أو مصر «أمنا الغولة» (87). راوى سليمان هو نعيمة وحسن فى نفس الوقت، جسد بروحين: فتحى الكاتب وفتحى المكتوب، فتحى الظل المستدعى وفتحى الحاضر، الموجود فقط عندما ينطق من خلال كل الظلال المستدعاة التى مثلت على مسرح بولاق الحياة أدوار الحب والحرب ثم تحللت وزالت. وهو نفس المعنى المؤطر للسردية عبر كلمات نيكوس كازانتزاكس فى صفحة الاقتباس قبل مفتتح النص: «نحن ظلال ونتوارث الظلال.. نتجمع معا لفترة وجيزة من الزمن ثم نتحلل ونزول ونختفي. لأجل من إذن.. نمثل أدوار الحرب والحب على هذه الأرض؟» فقط حين يسدل ستار النص، يتجسد فتحى الكاتب المسحور، ويتجسد المعنى المراد من إهداء السردية لروح الصحفى فتحى عبد الفتاح محرر جريدة المساء الذى نكل به النظام السياسى فى حملة محمومة ضد اليسار المصري: «ابن بولاق الوطنى الشريف الذى علمنى كيف يكون حب مصر. وكيف يكون التنازل عن المبادئ نوعا من الخيانة» (3)، فتحى عبد الفتاح – كما وصفه فتحى سليمان – حياة حافلة فى الدفاع عن الحقيقة والحرية ومشاركة الجماهير فى مجتمع تسوده الكفاية والعدل، ثم لا شىء غير الظلال. هو نفس المعنى الذى يسدل به الستار فى نهاية السردية مع وصول الراوى لمنتهى الجسر الذى بدأ من خمسينات القرن الماضى وحتى السنة الأولى من ثمانينات نفس القرن وبالتحديد حادث اغتيال السادات الذى أنهى وبشكل نهائى ومأساوى فصل الثورة المصرية الأولى وكل جداريات الحرب والحب المرتبطة بها، وأورثنا الظلال. وما بين بداية الجسر ونهايته يسجل سليمان رحلة مصر بولاق أبو العلا من قلب «ورور»، بوصفها «حلقة الوصل بين الدفا والبرد، حلاوة الجيزة وجدعنة ولاد البلد مربع الصبا وحنفية المية أم بلاش» إلى قلب مهموم مشحون: «مال الميزان يبقى لازم كالحمل يميل، والقاضى ميل ومال.. فاصل فى دم قتيل» (86).

يؤطر زمن سرد الأحلام الوجود الطاغى لناصر فى زركشات وردية تملأ الباب الأول حبا وعشقا لـ«أبو خالد» الملهم والقائد. وحول القلب مشاهد رحلة فتحى الصغير للكُتاب والمدرسة التى تسجل نوادر الحرب بين الشيخ طه والشيخ عبد الشافي، رحلاته الاسبوعية كل يوم جمعة لميدان الألفى لشراء الجبنة البيضاء دون ملح من محل «أوبتى سويس» باربعة صاغ، وميكى من سور الأزبكية، وحواديت الجدة عن شفيقة ومتولى وريا وسكينة والبطل أدهم الشرقاوي، ومشاوير روض الفرج السنوية لإحضار شوال البلح من وكالة الحج ركابى المليئة بما طاب من الشريك والفايش والملوخية الناشفة وأكياس البمبوزيا والدوم والأعشاب الطبية، وصحبة الأب يوم دفع الإيجار ثم انتظاره حتى يفرغ من عمله فى شركة «بيوكيمي» لتوزيع الأدوية ومجتمع الشركة وأصحابها اليهود وموظفوها الأقباط وموزعوها المسلمين، واكتشاف عالم السينما السحري. لكن ما تلبس المشاهد الملبدة بانكسار الهزيمة أن تحتل عين الراوى الطفل الذى تأتيه أصوات حرب 67 وأغانيها وتهاوى طائراتها وغاراتها وذبحها لكرامة الحالمين: «و تدب كل مرة عركة كلامية بين ناس تقول ناصر وناس تشيل عبد الحكيم الطين. وما بين عوف الأصيل وعواد اللى باع أرضه والسلطانية.. تتسلل تحية كاريوكا وهى بترد على شاويش الدرك.. سماااارة» (25). ومثل الأحداث السياسية المؤطرة للمشاهد السردية، تسجل لوحة الخواجة المنسية على بسطة السلم، والتى يسلمها الراوى ومنعم البواب لقسم بولاق بمحضر رقم 7/ 112 مفقودات لعام، 1968 بداية مسلسل عبثية الحق والعدل فى زمن انهيار الحلم، حيث تتراكم المفقودات والمظالم واغتيالات القانون فى القسم/ الرمز/ المكان الذى يعود مرة تلو الأخرى، مثل رجع الصدى، فى مشاهد متكررة تدخل فيها الشخصيات القسم وتخرج منه وقد زاد الميزان ميلا وانكسارا. يقابل الترميز الذكى للوحة الخواجة شخصيتان متلازمتان منذ بداية السرد لنهايته تعبران عن مراحل التغيرات الاجتماعية المختلفة لحى بولاق/ المحروسة: نبوية علما «بياعة الفجل»، وزوجها إمام صانع الربابة: «لوح التلج فى سربنتيه علما مابقاش يكفى تخزين فراخ الجمعية واللحمة المستوردة.. اللى مش حيعمل فلوس أيام السادات مش حيعمل فلوس أبدا» (60).

وبين كل لقطة وأخرى يفتح الراوى بابا يطل بنا على شروخ سرطانية مستولدة فى المنظومة الاجتماعية لمصر بهية. من هذه الشروخ حكاية «الولد الغلس» حسن البكرى وغناؤه «وقفت ذبابة على زجاجة» وحديثه عن كرامات جناح الذبابة، والتى يستخدمها سليمان كرمز للمأساة الفكرية التى صاحبت الزحف القادم من الجزيرة لصغار العقول والنفوس والقلوب. ويبدو الشيخ الأزهرى الوسطى طه- فى الحكاية – آخر فرسان الحرب القائمة ضد مخدرات التفكير الحر فى إشارة واضحة لمفهوم الدين التجارى أو السياسى كأفيون الشعوب. ويفتح هذا الباب على مشاهد حرب المخدرات الحقيقية فى صفحة واقعية من تاريخ بولاق وحملات القبض على تجار الصنف فى شوارعها وحواريها. وللحملات فى بولاق وجه آخر يكشف مسرحا من المظالم الاجتماعية التى يعاقب فيه القانون الضعفاء ويعجز عن ملاحقة أصحاب الظهور، مثل حكاية القبض الموجعة على فرج الممرض وزوجته الست ضاربة الودع أثناء حملة مكافحة التسول التى أصدر جمال عبد الناصر قرار بإنشائها، وتابلوه حرب الانتخابات التى تنتهى دائما بعركة الكراسى وحماية المأمور للمرشح التقيل. وهناك أيضا حدوتة الأب المغترب من أجل لقمة العيش، العائد بعد غياب ليجد زوجته وابنته فى براثن المزاج والخطيئة فيروى رمال وادى حوف بدماء ابنته ذات السبعة عشر ربيعا ويرحل لصعيده الأول مع ولديه الصغار تاركا بقايا الزوجة والمدينة التى اغترب عنهما سنوات، ومشاهد انتفاضة الحرامية 1977 وصرخات المتظاهرين التى تنتهى بسرقة إسماعيل ابو هواية صندوق النذور ثم إخلاء سبيله – فى صفقة أمنية يتعهد فيها اسماعيل للمأمور بسرقة «صناديق تانية خالص» – وتلفيق تهمة للشيخ طه يرحل بعدها للمعتقل بتهمة الانضمام لتنظيم شيوعى والتسبب فى إحداث فوضى وشغب وإخلال بالأمن العام.

يعج النص بوصف العديد من الشخصيات المصرية الجميلة التى تسجل من ناحية بقايا الحلم/ حسن/ أوزوريس، ومن ناحية أخرى القشة التى يتعلق بها الراوى ليؤكد لنفسه قبل القارئ أن فى الحياة ما يستحق الحياة. من هذه الشخصيات سليمان الأب، المنبع الجميل لمصرية خالصة متسامحة صوفية الملمح بولاقية الجدعنة والرضا والأصالة؛ وأحمد ابو عبية، مدرس اللغة الانجليزية، «عمرك قابلت مدرس إنجليزى يقول لك لو محتاج شرح زيادة.. ابقى عدى عليا فى 6 شارع عماد الدين.. وتروح تلاقيه جالس بين ممثلين مساعدين «كومبارس» وريجيسيراتو مساعدين إنتاج والحوار.. كل الحوار عن الأفلام وسحرالشاشة وسينما سكوب» (68)؛ وبكر حسان، قريب الأب، الأسمر القادم من أسوان، الذى حفر لنفسه مكانا على خريطة الحياة وصعد للثراء بذكائه واجتهاده، فبنى سينما بكر بالاس، وكازينو وفندق فى حضن موطنه الساحر؛ وكذلك حزمة من الأصدقاء: فهمى نبيل أو «فهمى الحلاق»، القارئ المخلص لفتحى عبد الفتاح، والذى عرفت قدماه هو أيضا طريق لاظوغلى بسبب ترديده لآراء عبد الفتاح، و«سيد المخرج» عاشق السينما الذى أكل التروماى رجله ورفضته لجنة المعهد العالى للسينما بسبب جسده المبتور فانتهى به الحال كتاجر خضار وفاكهة.

وتنتهى الجدارية المليئة بالوجوه والأماكن – التى حاولنا إلقاء الضوء على بعض معالمها – بلحظات الذهول الصادم لأهل بولاق وهم يستمعون لصوت المذيع «أحمد سعيد وهو يقول: هيا بنا يا عرب.. أجهزوا عليهم.. الشيوعيون الملاحدة.. طهروا التراب والتراث.. اقتلوهم حيث وجدتموهم» (81)، ثم وهم يستسلمون لأسر الحيرة: «فيه حاجة غلط… معقول الاشتراكى النزيه محمد عبد المجيد صالح «محمد هجين» يطلع من أعداء الثورة.. الشباب اللى بيتكلم عن الاشتراكية والعدالة وتوفير حياة انسانية للفلاحين.. يترموا فى البوكس زيهم زى صبيان المخدرات» (81). وتنتهى الجدارية بتتويج انهيار المنظومة الأخلاقية والاجتماعية المتسامحة لشعب تم خداعه وتجاهل أحلامه مع سبق الإصرار والترصد بلقطات سريعة لاهثة تسجل مشاهد تتابعية لحادث اغتيال السادات، تسيطر عليها أصوات متداخلة تعلن عن حالة ما بعد «فيه حاجة غلط»، والتى اختار فتحى سليمان أن يتوقف فى مربعها تاركا للقارئ فى أركانها مساحات من حرية التأمل والتساؤل… والحيرة.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 825 الثلاثاء 26 إبريل 2016