طرابلس – أحمد شوقي فى يناير 2014، وخلال مهرجان كليرمون فيران بفرنسا، المهرجان الأكبر فى عالم الأفلام القصيرة، تعرفت على رجل مهذب، عرّف نفسه بأنه مؤسس مهرجان طرابلس للأفلام الذى

57192bff07909

طرابلس – أحمد شوقي

فى يناير 2014، وخلال مهرجان كليرمون فيران بفرنسا، المهرجان الأكبر فى عالم الأفلام القصيرة، تعرفت على رجل مهذب، عرّف نفسه بأنه مؤسس مهرجان طرابلس للأفلام الذى لم تقم دورته الأولى بعد. وقتها كانت كل معلوماتى عن المدينة مستمدة من الصحف ونشرات الأخبار، التى لا تذكر المدينة اللبنانية الشمالية إلا فى أوقات الاقتتال والصراعات المسلحة. وعندما تغيب الكوارث، تخرج طرابلس من قائمة اهتمامات الإعلام. حينها بدا الأمر بعيدا، أشبه بطموح يرغب فيه مؤسس المهرجان إلياس خلاط، وبين الرغبة وتحقيقها فارق كبير.

اليوم صار الحلم واقعا، وصار الحدث الذى كان مجرد فكرة فى ذهن الرجل العاشق لمدينته موعدا سنويا فى الأجندة السينمائية العربية. بل ويمكن لمن يراقب المهرجان عن كثب أن يلاحظ الخطوات التى يأخذها فى سبيل التوسع على كل المستويات، وهو ما أتيح لى رصده باعتبارى أحضر فعاليات المهرجان للمرة الثانية على التوالي، وأحاول نقله فى هذا المقال.

تحكيم دولى وانفتاح على السينما المصرية

خلال أول دورتين كانت لجنة تحكيم المهرجان محلية، تضم مجموعة ثابتة من المثقفين الطرابلسيين. أمر كان لابد أن يتطور فى ظل رغبة الإدارة فى منح المهرجان صبغة دولية. لذا قام المهرجان للمرة الأولى باختيار لجنة تحكيم دولية يرأسها الناقد ومنظم المهرجانات الفرنسى فيليب جالادو، ومعه كل من الروائية والممثلة الفرنسية اللبنانية ياسمين خلاط، المخرج المصرى أمير رمسيس، وثلاثة أعضاء لبنانيين هم الناقد نديم جرجورة والمخرجة ميشال تيان والمنتج محمود القرق.

مشاركة أمير رمسيس فى التحكيم ليست هى التواجد المصرى الوحيد، فالمهرجان أخذ خطوة ناحية الانفتاح على السينما المصرية بإقامة عرض خاص لفيلم رمسيس «بتوقيت القاهرة»، بحضور المخرج والمنتج وثلاثة من نجوم الفيلم هم سمير صبرى ودرة رزوق وشريف رمزي. اهتمام أبناء المدينة الواضح بحضور الفيلم وتفاعلهم الإيجابى مع أحداثه يكشف قيمة برمجته داخل المهرجان، لاسيما أنها المرة الأولى التى يُعرض فيها فى لبنان، وبالتحديد فى مدينة كان لها تاريخ طويل مع السينما المصرية فى عصرها الذهبي، واليوم تكاد أواصر هذه الصلة تنقطع فى ظل غياب شبه كامل لقاعات العرض التجارية من المدينة، حتى جاء المهرجان ليمهد طريق العودة.

منتدى غير معتاد

خطوة أخرى بالغة الطموح يقدم عليها مهرجان طرابلس للأفلام للمرة الأولى بتنظيم منتدى للصناعة. أقول إنها خطوة طموحة بسبب غرابة الفكرة قياسا على حجم المهرجان الوليد، بينما ترتبط المنتديات عادة بالمهرجانات الضخمة ذات الأسواق. لكن المنتدى فى طرابلس يشبه حلقة نقاشية مفتوحة، جاء إليها متخصصون محترفون، من الأردن ومصر وسوريا ولبنان بالتأكيد، ليُفتح على مدار يومين نقاش بينهم وبين مجموعة من دارسى السينما فى المدينة والمهتمين بالعمل فيها.

النقاش تطرق لطرق تطوير السيناريو وجهات الدعم المهتمة بالأفلام الآتية من المنطقة، كيف ينهى المخرج الشاب فيلمه وكيف يتصرف فى الفيلم فور إنهائه؟ بالطبع الحديث لم يتطرق لكل أوجه الموضوعات المطروحة، لكنه بالتأكيد شكّل إضافة للحضور الراغب فى معرفة المزيد عن كيفية سير الأمور فى عالم السينما الاحترافية.

نضال مستمر لتشكيل الوعي

إذا كان ما سبق جديدا يضاف للمهرجان، فإن الحدث يواصل دوره النضالى السنوى فى مواجهة التعصب بالسينما، عبر عروض الهواء الطلق التى ينظمها على خطوط التماس فى منطقتى باب التبانة وجبل محسن، اللتين شهدتا الكثير من المواجهات الدموية المؤسفة، ويحاول المهرجان أن يقوم تدريجيا بزرع ثقافة السينما فى سكان المنطقتين عبر اختيار أفلام يمكنها التواصل مع من لا يملك خبرة طويلة بالسينما، وعلى رأسها هذا العام فيلم «بتوقيت القاهرة» الذى قابله السكان أيضا بشكل إيجابى واضح.

يذكر أن جهد منظمى المهرجان بهذا الصدد لا يقتصر فقط على أسبوع المهرجان، بل يمتد على مدار العام عبر برنامج «سينما على الدرج» الذى صار تقليدا ثابتا فى المناطق المذكورة. ضمن مجموعة من الأنشطة الثقافية من بينها توثيق تراث المدينة فى سلسلة أفلام وثائقية صدر منها بالفعل «بحر المدينة» و«قهوة المدينة» وفى الطريق «سينما المدينة»، وكلها من إخراج إلياس خلاط.

من الأحداث المستمرة أيضا عروض ومناقشات تحمل عنوان «الشباب والصراعات»، تستضيفها فى كل عام جامعة بيروت فرع طرابلس، فى برنامج يرتبط بهموم الحياة اليومية فى المدينة، يقام هذا العام على مدار اليوم الثلاثاء 26 إبريل.

مهرجان طرابلس للأفلام تخطى مرحلة البدايات وعثراتها، وبدأ يرسخ لبقائه حدثا مهما وفعالا فى تنمية ثقافة السينما فى المدينة من جهة، وفى تصدير صورة مختلفة عن مدينة جميلة ظلمتها الأحداث السياسية من جهة أخرى.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 825 الثلاثاء 26 إبريل 2016