حوار: أحمد أبو الحسن   تتكفل مقطوعات الموسيقار عبده داغر بحمل كل موروث النغم الذى تراكم فى مصر منذ حفلات القصور الفرعونية القديمة وحتى الآن، جملته عتيقة وخاطفة برغم أنها

عبده داغر

حوار: أحمد أبو الحسن

 

تتكفل مقطوعات الموسيقار عبده داغر بحمل كل موروث النغم الذى تراكم فى مصر منذ حفلات القصور الفرعونية القديمة وحتى الآن، جملته عتيقة وخاطفة برغم أنها ممتدة وذات نفَس طويل، لا يكف الموسيقار الكبير عن التمارين اليومية، يبدأ بها يومه وينهيه، لم يتطلع إلى شهرة أو مال طيلة مشواره الممتد لـ65 عاما، عزف مؤلفاته فى كل العالم وفوق كبرى مسارح الدنيا، بيته مدرسة لتعليم الموسيقيين طرق التأليف والتمكن فى الآلة الموسيقية، وفطرته مصرية بحتة، لا يمكن للأذن التى تسمعه أن تتوقع جملته المقبلة، قوسه مجدد، وكمانه ملهم لغيره من العازفين، حكاياته مع رموز الغناء العربى منذ الأربعينات لا تنضب، وجهده مع النغم المصرى يدرس الآن فى مناهج دولية ويملأ عشرات رسائل الدكتوراة والماجستير العربية والعالمية، ولد بطنطا فى التاسع من نوفمبر عام 1936، وعمل فى ورش صناعة الآلات الموسيقية منذ صغره ثم أتقن عزف الكمان، والف أول مقطوعة وعمره 13 عاما.

* ما الذى ساهمت به الدولة فى مشوار عبده داغر؟

– الدولة لم تفعل لى شيئا أذكره طيلة عمرى الممتد، ولم يحركها أن الأوروبيين صنعوا لى الى جوار بتهوفن تمثالا فى متحف الموسيقى، أو كونى صائغ أول منهج للموسيقى الشرقية يتم تدريسه فى كبرى جامعات العالم فى الشرق والغرب وأظن ذلك أفادنى كثيرا فلم أجد نفسى إلا غائصا فى إنشاء مدرستى الخاصة هنا فى المنزل، كل العازفين الآن المنتشرين فى أسواق الموسيقى من مختلف العالم أغلبهم لازمنى لشهور وسنوات تاركا بلده، مقيما فى القاهرة كى يواظب على زيارتى يوميا، ويحفظ المقطوعات التى أؤلفها، إسرائيل تكتب اسمى على كل جملة ألفتها حتى وإن جاءت مقطوعاتى عابرة فى «برومو» أو فواصل بين الفقرات والبرامج، وهذا أمر يقلقنى جدا، ويعزز داخلى إحساسا لطالما راودنى طيلة حياتى وأستشعر قرب حلوله، إذ انه ومنذ سنوات ألاحظ عملا يجرى على قدم وساق لجمع كل المقطوعات والأغانى الشرقية المصرية فى كتالوج يملكه منتج واحدصاحب رءوس أموال ضخمة، مصير هذه المواد المجموعة معروف بالنسبة إلىّ واعتبره مقدمة لإعادة تدوين الموسيقى الشرقية ومؤلفاتها واغانيها على هوى «شرق أوسطي»، الآن فى معظم المحافل الموسيقية تقدم الأنغام الاسرائيلية على أنها صوت النغم الشرقى الأصيل اسأل المسئولين الحكوميين فى الفن والثقافة أين مصر من تلك الخطة؟ وما الذى فعله موسيقيوها أو منتجوها للمواجهة، للأسف معظم الموسيقيين والمنتجين صاروا سماسرة أغان ومقطوعات قديمة، يسرقون منها أجمل الجمل الموسيقية أو يبيعون ما يملكون لمن يدفع أكثر، هذا أقسى شىء أراقبه الآن فى المشهد الموسيقى العربى، معظم الناس لا تعرف قدر الموسيقى المصرية، ولا ما فعلته فى الوجدان العربى بكامله ويتعاملون مع الأمر بشكل تجارى بحت انتهى بالجميع إلى كارثة فى الاذان أنستنا الذوق المصرى – الذى هو فى الأصل أساس الموسيقى العربية ومنبعها – وللحق كان للسياسة دخل كبير فى ذلك وهى التى حركت الأحداث الموسيقية فى اتجاهات تخدم الاستراتيجية المفسدة للذوق الموسيقى المصرى لكن عتاقته واستحكام أنغامه فى الوجدان الشعبى حالا دون أن يتنازل السميعة عنه، على الأقل طيلة العقود السبعة الأخيرة، لقد عاصرت كل الأحداث الجسام منذ أيام الملكية، وهنا ملمح بسيط يجب أن أسوقه لأدلل على ما أقول، فالملك سلم أصحاب ثورة 52 أقوى كتيبة موسيقات عسكرية فى العالم، ظلت 7 سنوات تحصل هذه الكتيبة على كأس الموسيقى العسكرية من إيطاليا طيلة السنوات السبعة الأولى من حكم عبد الناصر حتى تدنى المستوى الآن ووصل إلى حد أن حكى لى صديق يعمل ضمن فرقة الموسيقى العسكرية الحالية أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين انزعج من عزف النشيد الوطنى الروسى فى الزيارة الأخيرة، وبلغ الإزعاج به حدا ألح عليه طيلة الزيارة ودفعه إلى الجلوس على بيانو يتوسط بهو قصر القبة وعزف النشيد صحيحا دون نشاز، لابد أن تعود الموسيقى إلى مكانها الأصلى فى الوجدان المصرى، لابد أن يلعب الجميع دوره فى ذلك دون تراخ أو تواكل، لقد ظللت أؤلف المقطوعات وأعلّم يوميا عشرات الموسيقيين فى جلسات منزلية لم ولن تنتهى طيلة 60 عاما، وأفعل ذلك ولا أنتظر ثناءا أو تصفيقا من الدولة أو مؤسساتها أو حتى نجوم الغناء، فقط أقوم بواجبى نحو آذان تربت آلاف السنوات على نغم بمذاق خاص، يراكم الحضارة القديمة وموجات انكسارها ونهوضها وخبراتها الاحتفالية والطقسية، حتى تكونت للأمة المصرية ذاكرة سمعية شديدة الخصوصية وغاية فى الإحكام والدقة، أين كتب اقليدس معادلاته الرياضية ورتب بناء عليها السلالم الموسيقية، فى هليوبليس تعلمها وحفظها، هو الذى قال ذلك بنفسه حين كان يقنن للنغمات وأماكنها فى السلم الموسيقى، لا أريد أن أبدو مثل أصحاب نظرية مصر أصل كل شىء، وإنما أريد أن ألفت الأنظار إلى مكاننا الأصلى ومكانتنا الموسيقية بين سائر الأمم الأخرى، رويدا تم إبعاد الناس عن الموسيقى، واستخدم فى ذلك كل الأسلحة حتى الدين، هناك دعاة مشاهير يقولون بعلانية أن الموسيقى حرام، وهؤلاء سفهاء وجهل، فلو صدق قولهم لصارت تلاوة القرآن حرام أيضا، الموسيقى من القرآن وإليه، لأنه نزل منغما ومرتَّما، عبد الوهاب من شدة عشقه لتلاوات المشايخ وحرفتهم فى المقامات الصوتية كان يقف على حروف بعينها فى سياق بعض الآيات وينغمها ويقطعها للعازفين منغمة وملحنة ليشرح لهم كيف يكون التعبير بالعذاب أو النعيم بحروف النغم، المشايخ هم أصل النغم وحناجرهم هى مصدره الوحيد والأساسى، فمهما بلغ اعجاز الآلة الموسيقية فلن يصل أبدا إلى إعجاز الحنجرة البشرية.

قديما كان عازفو الموسيقى العسكرية يأتون من الملاجئ التى كانت منتشرة فى كل محافظات ومراكز مصر، الموسيقى كانت تعزف فى قصور الملوك، لذلك كانوا يقنون دورة حياتها ويرعونها رعاية حكومية، كانت التقاليد البرجوزاية تقضى أن لا يكتمل تعليم الأبناء والبنات دون إتقان عزف مقطوعات موتزارت وبتهوفن على ألا آلة، القصور يتوسطها البيانو وفى كل ركن آلة أخرى، التنافسية الموسيقية كانت فى قلب التقاليد والعادات، المؤلفون الكبار كانو قدوة حقيقية، ماهرينعلى آلاتهم المتنوعة، متفرغين للتمارين والتعليم والتأليف، لم تكن الموسيقى قاصرة على الأغنياء والملوك فقط، دولة الخمسينات ورثت من محمد على وأولاده ملاجئ فى كل محافظة من محافظات مصر، تجمع الأيتام وتصنع منهم أمهر العازفين، كان أبى يعمل فى احد هذه الملاجئ يعلم ويصنع الآلات الموسيقية فى ورشة صغيرة بمدينة طنطا، يعرف المقرئين والمبتهلين عن قرب، ما شاهدته فى طفولتى مع الموسيقى المصرية كفيل أن يجعلنى طيلة حياتى أصدق فى الذوق الشعبى وأشك فى تلفه، دائما ما أقول ذلك لنفسى وأنا أراقب تدهور النغم وتجريف الأذن المصرية لصالح موسيقات أخرى، حالة المسخ التى تبدو الآن سائدة فى كل الموسيقى سواء الحكومية منها أو المستقلة، ستؤتى ثمارا عكسية على الاذان التى سيشفع لها النغم المصرى بتراكماته المحكمة العتيقة، ويعيد الذوق إلى مساره الذى كان يجب أن يكون عليه الآن، ألمح الآن فى تجارب بعض التلامذة روح هذا النغم المصرى المعتق، هو يملأ أصوات الآلات التى يعزف عليها الجيل الحالى، وتلك حقيقة يجب الاعتراف بها الآن، فبين تلامذتى الحاليين الذين يزورننى كل يوم ليحفظوا مقطوعاتى التى ألفتها ويعيدوها على أذنى كى ينقلوها عنى كما أعزفها، أرى بين أصابعهم ميلاد صوت مصرى فيه من كل التراكمات العتيقة منذ حفلات الملوك فى قصور الدولة الفرعونية القديمة ومرورا بالقبط فى الكنائس، والمبتهلين والمداحين فى الموالد.

عمل أبى فى ملجأين من هذه الملاجئ أحدهما بدمياط والثانى فى طنطا، وأنا بدأت العزف وسنى 11 عاما تقريبا فى العام 47، وأول ما عزفت عزفت العود، وأبى كان يرفض أن أصبح موسيقيا، كان يريدنى أن أتعلم وأحصل على وظيفة مرموقة وأكون أنا من يجلب الموسيقيين لا واحدا منهم، هذه الملاجئ لم تكن قاصرة على الأيتام، هى بمثابة مدارس الموسيقى، تعلم فيها محمد فوزي الذى لم يكن يتيما وبليغ حمدى مثلما تعلم فيها اليتيمان عبد الحليم وأحمد فؤاد حسن، جدى كان صانع آلات موسيقية، ولديه ورشة تصنع الأعواد والكمنجات، هو الذى جلب محمد الحفناوى الجد الأكبر لأشهر عائلة موسيقية فى مصر ليعمل معه فى هذه الورشة – أحد أبنائه كان عازف الكمان الأول فى فرقة أم كلثوم – وزوّجه امرأة من طنطا وشاركه فى أشهر محل لبيع الآلات الموسيقية فى الدلتا، حين كنت طفلا أذهب إلى محل جدى وشريكه أجلب الآلات وأذهب بها لأبى فى الملجأ وبعد أن ينهى بها العمل، نعيدها مرة أخرى إلى المحل، نصلح ما تلف ونجدد الأوتار ونجهزها لتصدر الصوت الذى نريده لدروس الغد، وكان خريجو الملاجئ يقسمون إلى 3 فئات، الأوائل يتم تعيينهم فى الجيش والموسيقات العسكرية مثل المايسترو أحمد عبيد الذى كان زوج رتيبة الحفنى، أبى هو الذى جلبه إلى الملجأ فى طنطا وعلمه الموسيقى، والفئة الثانية تذهب إلى ما يسمى آنذاك بكشك الموسيقى الذى كان إداريا يتبع إدارات المطافئ والبلدية فى المحافظات، ويعمل طوال الصيف ويتحرك فى كل المناطق والمصايف المليئة بالمصطافين يعزف ويغنى على الشواطئ مثلما كان يحدث فى أيام طفولتى ويسمى بمسرح المنتزه، والفئة الثالثة تتجه إلى المدارس الحكومية كمدرسين للموسيقى والعمل الحر فى السوق مع المشايخ والعوالم والمطربات، أعظم الموسيقيين خرجوا من تلك الملاجئ وأرشيفها ملىء بأسماء لا تخطر على البال، على اسماعيل وأحمد فؤاد حسن، ومن ملجأ الاسكندرية عطية شرارة. حين ضبطنى أبى فى الطفولة أتعلم الموسيقى بجد ضربنى ضربا مبرحا آثاره ما زالت على جسدى حتى الآن، لأن أبى كانت لديه عقدة من أن يصبح أولاده موسيقيين بحكم عمله مع الأيتام، هذا بخلاف أنه قبل أن يتزوج بوالدتى تقدم لخطبة كثيرات وكلما كشف لعائلتهن عن عمله كانوا يرفضون، لم تكن المهنة آنذاك معروفة أو مرموقة، اضطررت للهرب من المدرسة كل يوم لأذهب إلى عازف عرفته عن طريق أبى لأخذ منه دروس النغم، وأبى بدأ يتتبعنى، كلما هربت يعيدنى إلى المدرسة بعد علقة ساخنة، تورم جسدى طيلة الطفولة من كثرة الضرب عقابا على اصرارى نحو تعلم النغم، إخوتى أيضا كانوا مثلى وكلهم احترفوا الموسيقى صناعة وعزفا، أخى عيسوى كان عازف عود، وخضر كان يملك محلا لبيع الآلات الموسيقية فى شارع محمد على أمام قهوة التجارة الشهيرة بقهوة الآلاتية.

عبده داغر صورة غلاف العدد تصوير عماد عبد الهادي

عبده داغر.. صورة غلاف العدد تصوير عماد عبد الهادي

* ما مدى تأثير الموسيقى التركية فى المصرية؟

– حين بدأت أتعلم النغم فى نهاية الأربعينات، كان هناك نوعان من التعليم، الأول يسمى بين المدرسين بـ«تعليم تركى» والثانى «تعليم مصري»، ولأن الأتراك هم الذين كانوا يحكمون آخر سنوات الرفاهية المصرية حيث كانت تنتشر الموسيقى، والعازفون كثر ومن كل الطبقات، فمن الطبيعى أن نجد طريقة الغناء والعزف التركى هى الغالبة، المقامات الموسيقية والسلالم الشرقية أغلبها باللغة التركية، أو الفارسية – لا يوجد مقام فى الموسيقى أو نغمة باسم عربى، دو، رى مى كلمات ليست عربية وكذلك أسماء المقامات الكورد والعجم والرصد، لكن فى نهاية الأمر الموسيقى لغة يفهمها الجميع، وتستجيب لها الاذان كلها مهما اختلفت بيئاتها أو لغاتها، أول مرة صعدت فيها على مسرح أوروبى فى أكبر مسارح الموسيقى بمدينة النمسا شعرت بذلك، حين وجدت صورى تملأ أرجاء المدينة تعلن عن الحفل، ذهلت من معرفة الناس لى وترحابهم بى، صفق لى الجمهور لربع ساعة متواصلة بعد أن عزفت أول مقطوعة، وبعد الثانية شعرت أن المصرية التى غرقت فيها طيلة حياتى وصلت غير منقوصة إلى اذان أفضل جمهور يسمع الموسيقى فى العالم، الحفل حضره كبار موسيقيى ألمانيا والنمسا، وكان جزءا من مهرجان موسيقى تقتصر بعض حفلاته على جمهور معظمهم مؤلفون موسيقيون وعازفون، كنت مدعوا بإسمى لأقدم مؤلفاتى التى ذاع صيتها فى مكتبة جامعة برلين بين الطلبة الدارسين للموسيقى، وأنا بالفعل فى هذه الأيام كنت أستهدف فى المقطوعات التى أؤلفها جملا موسيقية موجهة للعازفين، تقوى من مهارتهم فى العزف والتأليف، ما ان يحفظها أى عازف ستلين له الآلة وتخضع لأصابعه، عزفت يومها مقطوعة لونجا نهاوند، ونداء، والنيل، ومقطوعات أخرى، وكنت أعزف ومعى 3: اثنين منهم مصرين، بالإضافة إلى عازف العود الألمانى رومان بونكا، وهو بالمناسبة فاجأنى حين قابلته مرة وأسمعنى مقطوعات كاملة لى يعزفها على عود اشتراه من ورشتى التى كنت أصنع فيها الآلات الموسيقية وأغلقتها منذ سنوات قريبة لظروف السن.

المسرحيات الغنائية لسلامة حجازى وسيد درويش، والدور الذى كان أشطر من صنعه هو الشيخ محمد عثمان وبالمناسبة ابنه المطرب عزيز عثمان الذى كان يغنى فى فيلم تحية كاريوكا هو من أقوى الحناجر الغنائية التى عرفتها مصر، وبعد ذلك ظهرت الفرديات عبد الوهاب وام كلثوم واكلوا السوق تماما ونجحوا نجاحا منقطع النظير، كنت أيامها قد بلغت الـ17 عاما، وقررت أن أترك طنطا واذهب إلى القاهرة لأكون مستقبلى، أول ما وصلت سكنت فى بيت الشيخ عبد الفتاح الشعشاعى، الذى كان صديق عائلتنا ولديه منزل فى شبرا البلد، هو ابن خالة والدى، أخرج يوميا من شبرا إلى شارع محمد على أجلس على قهوة الآلاتية فى انتظار أى فرح أو ليلة، كنت أستحى أن أقول للموسيقيين فى تلك المقاهى اننى عازف كمان، لأدبر مصاريفى اليومية كنت أعمل صبى صنعة عود فى فرع ورشة صناعة العود التى كان يملكها الحفناوى شريك جدى وأبى فى محل وورشة طنطا، وايامها كان الحفناوى قرر الاستقرار فى القاهرة ومشاركة صانع الاعواد الشهير جميل كوردى فى ورشة كبيرة لتصنيع الآلات الموسيقية فى شارع محمد على، وفى يوم كان هناك مطرب اسمه سلامة زكى، وانا كنت جالسا على قهوة التجارة بشارع محمد على، اقترب منى سلامة وسألنى عن بلدى فقلت له طنطا، سألنى تعرف واحد اسمه مصطفى داغر؟ قولت له آه ده أبويا، رحب بى بشدة، وقال ان لديه محلا فى شارع محمد على ويريدنى أن أجلس فيه بدلا منه لأنه لا يملك الوقت، كان محل سلامة بجوار القهوة مباشرة، وكل عازف كان يجرب آلته داخل المحل قبل شرائها يسمعه الموسيقيون الجالسون على قهوة التجارة، كان لهذه القهوة نحو 5 أبواب دخول وخروج، وافقت على العمل مع سلامة كصبى وروحت إلى محل سلامة أبيع له البضاعة، كان المحل يعمل بشكل جيد، وفى أحد اوقات الفراغ اشتقت إلى عزف الكمان، فانزلت واحدا من المعروض وضبطته جيدا وبدأت العزف، وبعد ما أفقت من ربع ساعة عزف وجدت كل رواد قهوة التجارة حولى كانوا يستمعون للعزف، ومن هذه اللحظة ذاع اسمى بين العازفين، على أننى بتاع طنطا، ذلك المقهى مثلا كان من رواده محمد الكحلاوى والجيزاوى، واسماعيل ياسين وفنانو المونولوجات حين يبحثون عن موسيقيين لمسارحهم ولياليهم فى عروض الكباريهات، بدأت أحترف العمل كعازف فى القاهرة حتى حرب سنة 52 عدت مرة أخرى إلى طنطا، حيث توقفت المسارح والكباريهات بسبب ضراوة العدوان الثلاثى وبشاعة الأخبار التى تجىء من الجبهة، ولما هدأت الحرب عدت مرة أخرى، أجّرت غرفة على سطوح فى شارع محمد على خلف قهوة التجارة وكان يسكن معى سامى نصير عازف القانون الشهير وكان ما زال فى بداياته، وفاروق سلامة وسمير سرور عازف الساكس هؤلاء جميعا تلامذتى، لكن سرور ترك الإقامة معى واتجه إلى حفلات العوالم وما كان يسمى أيامها وبعدها برقصات «التت» فى هذه الأيام قابلت نجيب السلحدار الذى كان مسئول التعاقد مع موسيقيين لحفلات الجيش التى أغرق بها عبد الحكيم عامر الكتائب فى مختلف محافظات القناة المنتصرة بعد 56، طلب منى السلحدار أن أجهز لحفلة منها فى مدينة السويس، وأعطانى عربونا اشتريت ببعضه بدلة جديدة، هذه الحفلة كانت من أهم جفلات حياتى واذكر أننى عزفت مع المطربة الشهيرة آنذاك نادية فهمى صاحبة أغنية آه يا سلام على الهوى، حفلات كانت للعساكر والضباط، وكان فى هذه الأغنية صولو كمان طويل، من أجله السلحدار كان يحاول أن يستبدل عازف كمان فرقة نادية فهمى بعازف ملتزم فى العمل لا يتأخر عن البروفات أو الحفلات، أخذ السلحدار المطربة فى سيارته وطوال الطريق ظل يقنعها باستبدال عازف الكمان الكسول، وهى مصرة على عدم استبداله مهما كان فاقنعها كذبا ألا تقلق وانه يعرف اصرارها على دقة العمل لذلك سيلحق الكمنجاتى الكسول بهما فى سيارة أخرى متأخرة عنا لأنها ذهبت تجلبه من بيته، ولما وصلنا السويس، أدخلنى لها فى غرفة ملابسها، وفاجأها بأنى أنا الكمنجاتى الذى سيعزف الليلة، ولما رأتنى ضحكت من سنى الصغيرة فتقدمت نحوها أسألها أن تجربنى وسأحفظ الصولو كما كان يقوله العازف القديم وافضل، إن عقدنا معا بروفة سريعة على الأغنية هنا فى غرفة الملابس، أذكر أنها ردت عليّ قائلة «امشي.. امشي»، حينها كان السلحدار يدخل الموسيقيين لعمل البروفة فى غرفة الملابس، وقلت الصولو صحيحا وأضفت إليه بعضا من لمستى فانبهرت الفرقة بالكامل وقامت إلىّ نادية فهمى تحتضنى، ومنذ تلك الحفلة ذاع صيتى وصرت معروفا باسمى بين الموسيقيين لأبدأ رحلة جديدة من العمل، أسجل فى السينما والاستعراضات الراقصة فى المسرحيات الموسيقية، وبرامج الإذاعة ومونولوجاتها.

* ماذا عن النساء فى حياتك؟

– لدى قصة حب هى التى تقريبا جاءت بى إلى القاهرة، لأنى حين كنت فى أول حياتى بطنطا كنت أعمل فى الدلتا أكثر مما كنت أعمل فى القاهرة، أتحرك يوميا بين الموالد وقصور الأغنياء فى أبو حماد والزقازيق وكفر الشيخ، كنت معروفا جدافى الدلتا، وعندى عمل ثابت فى حفلات وجلسات عائلة كبيرة اسمها الجميل، تبنونى فور أن سمعونى وخصصوا لى راتبا شهريا فى مقابل أن أذهب إلى قصرهم كل خميس وأعزف ما أشاء لساعتين، والموالد فى الماضى كانت هى وسيلة الاعلام للمقرئ والمطرب والعازف والعالمة، القمار والبكش والالعاب كلها كانت تقدم بصحبة الموسيقى أو إلى جوار حلقات الاستماع لها، وفى إحدى ليالى مولد سيدى أحمد البدوى، قابلت فتاتين تقفان على خشبة مسرح أمام بوابة الدخول إلى صالة العرض تقدمان بعضا من الفقرات التشويقية التى ستقدم فى الداخل على سبيل حث زائرى المولد على شراء تذاكر، على هذه الخشبة بنتان من بلد اسمها مشتول السوق وكانت هذه القرية مشهورة بالجمال، كانتا تغنيان، وانا كنت لم اشاهد طيلة حياتى أى نساء وخبرتى محدودة جدا، ومن شدة انجذابى أخذت أدعو الله أن تحبنى تلك الفتاة وأن اصبح أشهر عازف كمان فى العالم لاتخلص من ضرب أبى ومعاناتى معه، عدت من المولد، ووصلت طنطا وكانت فى هذه اللحظة جميلة لا يمكن وصفها، خصوصا بعد المطر، كنا نقيم فيها مع الأجانب فى منتهى التحضر والنظافة، البقال كان يونانيا ومصلح الراديو كان ايطاليا اسمه ماركو، أجرت إلى جوار دكانه غرفة وقررت البحث عن فتاة مشتول السوق باجتهاد، اخترت أشهر راقصتين فى الدلتا سميحة القرشى ونور الصباح، ذهبت إليهما وقلت لهما اننى عبده داغر وأريد العمل معكما، وافقتا على الفور وصرت هائما معهما من مولد إلى آخر علّنى اصطدم بالفتاة، قابلت شاعرا فى احد هذه الموالد معه «فيولة» وهى آلة تشبه الكمان بالضبط لكنها أكبر قليلا، كان الشاعر يلقى 5 أبيات ويعزف بعدها من الفيولة، صوته كان يشبه صوت عبد الحليم حافظ لكن حنجرة الشاعر أعرض، ذلك الرجل أذهلنى، وجعلنى أهيم وراءه تاركا عملى مع العوالم، كان اسمه عم كامل، رفض أن أعمل معه، حين قلت له فى مولد الدسوقى أنا عايز اشتغل معاك يا عم كامل، أذكر أنه حينها رد علىّ بما نصه: يا بنى أنا ما ينفعش حد يشتغل معايا، أنا والفيولة بنأكل بعض بالعافية ومش معايا أجرة أديهالك بعد ما تعرق معايا فى الشغل، فقلت له انى لا أريد أجرة وسأتجول معك فى الموالد على حسابى، ظللت معه نحو عام ونصف العام، حتى أصبحت كمنجتى فى حنجرته، أعطانى أجرة وزادها، وبعد أن أنقضت هذه المدة الطويلة، صارحته بأنى سأمضى واذهب للتعلم فى سوق أخرى، عملت بعدها مع المشايخ وقابلت السيدة آنيات شعبان من بلد كان اسمه «أللين» محافظة كفر الشيخ، مبتهلة لا تقل فى قامتها عن كبار المشايخ والطرب فى الحقيقة والنغم مع هؤلاء، كنت أعمل مع آنيات بالعود والكمان، وصادفت مبتهلة أخرى اسمها منيرة ابراهيم من قرية اسمها ديرب نجم كانت كفيفة ولديها قبول مهول على التطوير دفعنى إلى جلب عواد اسمه كامل عبد الجيد وعازف رق وصنعت للسيدة منيرة تختا كاملا خلفها وبدأت من عندنا فكرة التخت هذه خلف المبتهل تنتشر وحدث بعض التطوير فى شكل الابتهال، حيث اختفت البطانة واستبدلت بمقطوعات موسيقية وصولوهات وردود من نفس المقام الذى يبتهل منه الشيخ.

12124_10151300387268254_1626840542_n

* أعتقد أنه من هنا ولدت فكرة التقاسيم التى تميز مؤلفاتك كلها.

– بالضبط، وأنا دائما أقول انى تعلمت النغم والتأليف من المشايخ وطريقتهم فى سرد الجمل الملحنة وتنغيم المفردات، السيدة منيرة وفرت ما تدفعه لبطانتها لاجل أن تستمع إلى الموسيقى والعزف أثناء الغناء وتتسلطن فيحلو غناؤها، لذلك جلبتها معى إلى القاهرة وعرفتها على الشيخ الشعشاعى فاعجب بها، وعرضنا عليه فكرة تطوير الابتهال إلى غناء تستبدل فيه البطانة بالآلات الموسيقية فشجعنا على أن نخوض التجربة ونصنع أغنية، وبالفعل لحن لها أحمد صدقى قصيدة عنوانها «يا أهل البيت يا سندي» والسيد بدير الذى كان رئيسا لهيئة الموسيقى والمسرح، فى هذه الأيام ألفت أول مقطوعاتى عنوانها الشباب، بعد أن مات جدى مباشرة، كانت الكنائس أيامها ذات تقليد ثابت فى أعياد الميلاد سنويا تصنع حفلا وتجلب له مشاهير العازفين على الآلات الموسيقية المختلفة، دعيت إلى حفلة من تلك بعد أن ذاع اسمى كعازف صغير، حيث كان الحفل مخصصا للاستماع إلى عازف كمان شهير اسمه «ديفيد أوسرا» ولما ذهبت وشاهدت ذلك الرجل جننت وأثر عزفه فيّ لدرجة أنى قررت أن أغير كامل فكرى الموسيقى، لم أسمع صوتا مثله، حاولت استرجاع حركة قوسه التى ثبتت فى خيالى واخذت أحاول تقليدها، وكذلك السلالم الموسيقية التى كان يعزف منها، كنت أيامها أحاول إنضاج فكرة «التقاسيم» لسنوات ظللت أعمل فتح طرق فى مخيلتى تجعل التقاسيم سريعة بتنوع ودهشة تجعل الأذن المستمعة فى حالة من النشوى لا تنقطع، سألت الموسيقيين لماذا لا يكون هناك منهج موسيقى مصرى، له طرق عزف وتقنيات واضحة تمكن العازفين المصريين من ارضاء الأذن المصرية بدلا من أن تظل مترددة بين التخت التركى أو الأجنبى اللذين كانا سائدين فى ذلك الوقت؟ اجتهدت فى محاولات التأليف واكتشفت أنى فى حاجة لتحضير مادة موسيقية حية من الموالد والمبتهلين والشعبيين لأجهز طبختى واجرب نجاحها أكثر من مرة، واعتقد أن الطبخة أتت ثمارها بعد سنوات وبنجاح شعبى منقطع النظير لم يحدث مثله من قبل فى مصر، حيث تجربة أحمد عدوية التى مزجت الغناء بالتقاسيم والموال، وتجارب أخرى شبيهة مع روح الفؤاد وسيدة غريب وغيرهما من أرتست السبعينات والثمانينات.

* حدثنا أكثر عن نضج هذه الطبخة وكيف تم ترويجها بين الاذان الشعبية.

– عملت مع شفيق جلال على محاولة نشر الجملة الموسيقية الشعبية التى أتخيلها لكنه لم يركز فى الطرب بالطريقة التى تسمح له بالنجومية فى الاتجاه الذى أنويه كان ذلك فى منتصف الستينات، ربما أيضا لم تكن الفكرة نضجت فى ذهنى بعد لكنى كنت أراقب ما يفعله محمد عبد المطلب، الذى كنت أعمل معه فى بعض التسجيلات، وبعده كارم محمود وفرقا استعراضية انتشرت فى بداية السبعينات إلى منتصفها مثل فرقة رضا، تزوجت وقتها وعينت فى مسرح البالون وكان يديره وقتها شفيق أبوعيف، عملنا 5 أوبريتات كبيرة أذكر منها «بنت بحرى» وحمدان وبهانة مع هدى سلطان والليلة العظيمة، قابلت سليمان جميل أخا فايدة كامل وكان يقدم برنامج «من الشرق والغرب»، خصص لى فقرة فيه لأعلم فيها النغمات والتدريبات الصوتية، وهى الفكرة التى اكملها عمار الشريعى بعدى وفرغ لها جزءا من وقته، وبعد نجاح بعض الحلقات من البرنامج سألنى عما أود فعله للموسيقى المصرية وارى أنه سيؤثر فى تطويرها فقلت أنى أتمنى كثيرا إنشاء فرقة للموسيقى العربية، حتى لا تضيع الأعمال القديمة والمؤلفات الشعبية القديمة وغنى المشايخ والمداحين وهذه أشياء لو لم يتم جمعها وحفظها وتدويرها بشكل جديد ستدحرج فى أيدى الطامعين الذين دائما ما يحاولون طمس القديم بغرض اعادة تدويره لصالحهم، كنت أشير إلى خوفى من الاستراتيجية الإسرائيلية التى كنت منتبها لتحركاتها فى السوق ومحاولات جمعها للأرشيف الشعبى المصرى، ولا أعرف كيف وصل كلامى هذا إلى وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة، فوجئت أنه يرسل لى أنا وشفيق أبوعوف فى البالون ويخبرنى أنه متحمس جدا لإنشاء فرقة الموسيقى العربية وسيدعمها من جهد الدولة وأموالها، تركنا البالون أنا وشفيق وبدأنا العمل فى فرقة الموسيقى العربية فى المعهد الموجود بمنطقة الإسعاف، واختلفنا وقتها حول أعضاء الفرقة والأسماء المرشحة، هو كان يريد عبد الحليم على لينضم إلينا وانا قلت ان عبد الحليم نويرة أفضل، أعدنا الموشحات وبعضا من الموروث التركى المصرى وقمنا بإعادة الأدوار القديمة مع إعادة تطويرها بشكل يسمح لها بتجاوز الجمود القديم الذى كانت محاطة به، كان معى الفطاحل أعضاء فى تلك الفرقة محمد عبده صالح أمهر عازف قانون عرفته مصر، وعبد المنعم الحريرى، ومحمود القصبجى، ومحمد نصر الدين وجميعهم يعزفون الكمان، وفهمى عوض عازف القانون، وجمعة محمد على عازف العود الشهير، وبعد عامين من العمل شعرت أنى مع الفرقة الحكومية لن أحقق ما أنويه، فرجعت لشغل السوق مرة أخرى وركزت مع نوعية معينة من المطربين، واشتدت صداقتى مع المطرب محمد رشدى وقتها، وأصبحت أتحرك معه فى معظم الحفلات والأفراح، كنت أعمل معه انا وعازف عود يقيم بجوارى فى شارع محمد على، وفى ليلة حصلت خناقة كبيرة فى الشارع بين صديقى هذا وراقصة كانت تمر بالصدفة أمام المقهى، أكلت الراقصة على العواد أجر فرح فى الأسبوع الماضى واختفت حتى أمسك بها العواد، وذهبا إلى قسم الدرب الأحمر فذهبت إليه ومكثت إلى جواره حتى انقضى الليل وضاع على فرح فى محافظة قريبة مع محمد رشدى كنت ساحصل فى مقابله على مبلغ، فى الصباح سمعت أنه وقع حادث للفرقة على الطريق الزراعى وهم عائدون من هذا الفرح، أصيب فيه محمد رشدى وماتت فيه المطربة نادية فهمى، كانت حادثة معروفة فى مصر، وقفت إلى جوار رشدى بعدها لعامين كى يسترد نجاحه وجماهيريته اللذين صنعناهما معا من قبل، وبالفعل نجحنا فى ذلك، حتى حدث بيننا خلاف حول الأجر الذى ظل بينى وبينه ثابتا لسنوات لا يزداد، فقررت أن أترك العمل معه وقلت له ساخرا أمام شفيق جلال: انى سأتحداه فى السوق بمطرب شعبى جديد «هينيمك فى البيت من المغرب يا رشدى» وأشرت إلى أحمد عدوية، كان يعمل معنا فى الفرقة يهتم بالآلات أو يمسك الرق أحيانا وقت العزف، فرح عدوية بالإشارة إليه وجاءنى فى اليوم الثانى يقول لى ان هناك معلمين من بائعى الملابس فى سوق غزة بالعتبة وعدوه أن ينتجوا له اسطوانة جلد كالتى ينتجونها لمطربى السير الشعبية ومغنيي الصعيد، اسطوانة رخيصة وغير مكلفة ومشهورة جدا بين المعلمين والتجار، اعجبتنى الفكرة، واوعزت إلى شاعر كان دائما ما يجلس مع الموسيقيين لأنه يعزف على «المظهر»، وكان يسكن فى كلوت بيه وكنت سمعت وأنا أسير هناك نداء من بائع يبيع العصافير المقلية فى كلوت بيه يقول وهو يقلب العصافير فى الزيت: «السح الدح امبوا، إدى الواد لابوه»، قلت له أن يكمل على هذا البيت أغنية فرايحى والجمهور الشعبى فى حاجة لبعض الفرفشة بعد النكتة، وأعطيته 50 قرشا، وصعد هذا الشاعر معى إلى البيت تعشينا وفى الصباح كان أنجز الأغنية التى تقول: عمى يا صاحب الجمال ارحمنى ده أنا ليلى طال»، بعدها جلست مع عدوية بالكمنجة أدرب له صوته على ما تعلمته من غنى الموالد والعوالم، والحقيقة أن عدوية كان مجتهدا، أخذ شهورا يدور حول الموالد يجمع المواويل وطرق غناها فى أكثر من منطقة مصرية، خلال هذه الفترة قابلت عاطف منتصر شريك الشاعر مأمون الشناوى فى شركة صوت الحب، هو كان صديق طفولة، بالصدفة عرفت أن لديه شركة انتاج وهى التى تنتج لنجاة، عرضت عليه فكرة إنتاج شريط شعبى خفيف، رفض رفضا قاطعا وقال ان هذه مجاز فة لا يمكن القيام بها فى السنين الصعبة التى تلت النكتة، تركته شهورا بعدها لم أكلمه لكنى فوجئت به يتصل ويخبرنى أنه يود تنفيذ النمرة الشعبية التى حدثته عنها، ذهبت إليه وأخذت منه 15 جنيها هى كلفة الشريط كله، أعطيت 5 جنيهات منها للشاعر عمر بطيشة ليحجز استديو فى الإذاعة وذهبنا لتسجيل الأغنية أنا وسعد العريان والشيخ طه عازف الأكورديون، الناى محمد صالح، وسامى البابلى كان قادما من الفيوم لتوه، وبعد التسجيل ذهب عدوية إلى ليبيا مع مطربة فى الموالد اسمها وجنات، ونزلت اسطوانة جلد فيها الموال والسح الدح امبو، لحن الشيخ طه وضربت الأغنية وتسلم عدوية النجومية فور أن عاد من ليبيا، نزل لنمرة فى الأريزونا مباشرة وطلب منى تجهيز الفرقة التى سيعمل بها. انضم إلينا بعدها حسن أبوالسعود وخميس حنكش وحسن أنور وابوشفة، عملى مع عدوية سمح بأن تكون هناك أغنية شعبية تتخللها تقاسيم صولو من مختلف الآلات الموسيقية بصحبة الإيقاعات والمواويل المصرية.

 

الاسبوع القادم يواصل ملك الكمان سرد حكاياته ويعود لعبد الوهاب وأم كلثوم

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 825 الثلاثاء 26 إبريل 2016