أين بحثي؟ أمينة خيرى   تلقيت دعوة من الجامعة الأمريكية فى القاهرة لحضور المؤتمر السنوى الـ22 للأبحاث، والذى يعقد هذا العام تحت عنوان “تحديات الثقافة فى مصر فى القرن الـ21”.

أين بحثي؟

أين بحثي؟

أمينة خيرى

 

تلقيت دعوة من الجامعة الأمريكية فى القاهرة لحضور المؤتمر السنوى الـ22 للأبحاث، والذى يعقد هذا العام تحت عنوان “تحديات الثقافة فى مصر فى القرن الـ21”. وبغض النظر عن أهمية مثل هذا العنوان، لا سيما فى المرحلة المهمة والحساسة والخطيرة التى نعيشها، حيث شعور عام يجمع فئة مندثرة وربما منقرضة بأن مصر والمصريين باتوا فى مهب رياح ثقافية بعضها قبيح والبعض الآخر مشوه وجانب منها مهلهل، فإن سؤالا مهما لاح فى أفقى الفكرى المحدود: أين تذهب آلاف الأبحاث وما مصير المئات من أوراق السياسات والملايين من الدراسات والاستقصاءات وغيرها من الأعمال ذات الطابع العلمى والمعروف؟ إنها تقيس وتحلل وتعلل وأحيانا تكتب “روشتة” علاجية لآفة اجتماعية هنا أو فيروسات أخلاقية هناك أو مشكلات مجتمعية ومعضلات سياسية وغيرها كثير. هذه الكنوز البحثية التى لا تقدر بمال، أين تذهب؟ هل تنفق عليها الملايين وتعقد لها المؤتمرات الصحفية والحلقات النقاشية ثم يكون مصيرها قسم الأرشيف، أو تؤول بأوراقها وكامل عتادها إلى “مقلة السعادة” أو “مطعم الهنا” أو حتى تستخدمها مدام “فتحية” فى تنظيف زجاح النوافذ؟ أم أن جهة ما سرية أو هيئة ما غير معلن عنها تنقب فى هذه الكنوز وتبحر فى هذه الغياهب لتخرج بسياسات يتم سنها وخطوات يجرى اتخاذها لإصلاح الأوضاع وترميم الأحوال؟ وما الذى يمنع أن ننحاز إلى التفسير التآمرى حيث جهات عدائية وأجهزة استخباراتية تركض بحثا عن هذه الثروات لتستخدمها فى فرض أنواع جديدة من الاستعمار، إن لم يكن بسفن حربية ترسو عند شواطئنا، وأسراب جوية تقصف مدننا، وجيوش برية تجتاح أرضنا، فباختراقات عنكبوتية وتسللات لطيفة خفيفة ظريفة لا تمر عبر الطرقات العسكرية ولا تلجأ إلى الأساليب القتالية، بل تستقر رأسا فى شاشاتنا المثبتة أمام عيوننا على مدار الساعة دون أن ندرى؟ المؤكد أن المخ البشرى حين توصل إلى ضرورة إخضاع الظواهر للتحليل ووضع الأسس للفهم والتحليل واستخدام العلوم الإنسانية لفك اللوغاريتمات البشرية وحلحلة الألغاز الإنسانية، فعل ذلك ليستفيد منها من أجل تحسين الحياة على هذا الكوكب، أو بالأحرى فى بعض المناطق من هذا الكوكب. هذه المناطق هى تلك التى تنظر إلى العلم والدراسة والبحث باعتبارها سبلا لتحسين حياتنا والترقى بها من أجل مزيد من التحضر والتقدم. أما بالنسبة لمناطقنا، فنحن لا نقل عنهم فى شىء، باستثناء مصير الأبحاث والدراسات. فهم يبحثون ويدرسون من أجل التفعيل. أما نحن فنبحث وندرس من أجل نشر النتائج فى الإعلام وعقد المؤتمرات الصحفية والإدلاء بالإفتاءات الفضائية، ثم “بح”. مصر والمصريون فى أمس الحاجة إلى فهم ما ألم بنا من موبقات ثقافية وأخلاقية وتحليلها ووضع خطة علاجية أو جراحية سريعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ثقافة البلاد وأخلاق العباد. ثقافتنا المفتتة وأخلاقنا المشوهة لن تحلها مؤسسات دينية أو عسكرية بل ثقافية وبحثية.