الأستاذ حاضر ومصر غائبة شريف صالح     الأستاذ! الأستاذ حاضر أسمعه بصوته الفخيم يتنحنح.. أراه من بعيد وهو يتحرك بالقلم والمسطرة فى فيلم بالأبيض والأسود. لا يبدو مقنعًا

الأستاذ حاضر و مصر غائبة

 

الأستاذ حاضر ومصر غائبة

شريف صالح

 

 

الأستاذ!

الأستاذ حاضر أسمعه بصوته الفخيم يتنحنح.. أراه من بعيد وهو يتحرك بالقلم والمسطرة فى فيلم بالأبيض والأسود. لا يبدو مقنعًا وهو يضبط إيقاع ضحكته.. ولا مقنعًا وهو يرتدى طربوشه المائل.

الأستاذ!

«كل يوم يغنى لروحي.. فيحلو معه طعم الحياة.. مريت على بيت الحبايب.. اجرى يا نيل.. يا مسافر وحدك.. لئن طال عمري.. رأيت خياله فى المنام.. عندما يأتى المساء.. جفنه علم الغزل.. كليوباترا.. الجندول.. عاشق الروح.. مضناك جفاه مرقده.. يا وردة الحب الصافي.. كان أجمل يوم.. كل دا كان ليه.. محلاها عيشة الفلاح.. بفكر فى اللى ناسيني.. قولى عمل لك إيه قلبي.

«بيضافون كومباني.. الأستاذ محمد عبد الوهاب».. جملة عتيقة كانت تتصدر تسجيلاته.. لها وقع الفرح والخلود فى قلبي.

وموسيقى الأستاذ ما زالت تصدح فى قلوب الملايين عبر أصوات أم كلثوم وفيروز وليلى مراد وعبد المطلب وعبد الحليم ونجاة وفايزة وشادية وصباح ووديع الصافى ووردة.. أغدًا ألقاك.. ست الحبايب.. أهواك.. عقبالك يوم ميلادك.. أيظن.. لا تكذبي.. يا جارة الوادي.. الحب جميل.. شكل تاني.. نبتدى منين الحكاية.. ساكن قصادي.. لولا الملامة.. ع الضيعة.. عندك بحرية يا ريس.

الأستاذ حاضر.. لكن مصر نفسها غائبة.. البلد الذى لحن له «وطنى حبيبي» و«صوت بلادي» لم يعد اليوم يحتمل أغنية.

الأستاذ حاضر لكن مصر غائبة فى جمعة قندهار وجمع أخرى لا يعلمها إلا الله.. مصر غائبة وراء الإرهاب والفساد والكباب وقوائم الاختفاء القسري! والناس تسير مسرنمة.. خائفة.. فأى معتوه يجرؤ على أن يحدثهم عن موسيقار الأجيال العاشق الولهان فى غمرة الأسى؟!

قبل أشهر طبعت كولومبيا صورة أديبها الأشهر جابرييل جارسيا ماركيز على العملة النقدية.. بينما عملتنا المنهارة لا تحتمل صورة الأستاذ محتضنًا عوده!

قبل أيام أيضًا احتفلت بريطانيا بمرور أربعمائة عام على ولادة كاتبها الأشهر وليم شكسبير أكثر من اهتمامها بعيد ميلاد الملكة التسعين.

شعوب تحتفل بالكلمة والموسيقى أما نحن فى مصر فنحتفل بالموت والخراب والنسيان! فكم جريدة تفضل شبشب سما المصرى على ألا تتذكر عبد الوهاب بسطر؟!

كم برنامجًا مستعدًا لساعات من تزغيط البط وحروب الجيل الرابع وترهات الخبراء لأنها تجلب إعلانات؟ لكن لا وقت لصوت عبد الوهاب وهو يصدح «أحب عيشة الحرية زى الطيور على الأغصان»! و«الساقية ويا الأرغول.. والشاغل ويا المشغول» و«كلما ضمنا للهوى مكان.. أشعلوا النار حولنا»! و«القلب لو طال الأجل إيه راح ينوبه وياكي؟» و«شقت جيوب الغزل وانبح صوت القبل».

مصر غائبة فى الخواء والهراء ووكلاء العصور الوسطى فأين لها أن تجد الوقت كى تغتسل وتسمع «نهرها الخالد»؟!

فى عصر زكمت فيه القمامة الشوارع وقلوب الناس لن ينتبه أحد إلى مطرب الملوك والأمراء.. الابن الروحى لأمير الشعراء أحمد شوقي.. الصوت الأزهى والأبهى فى تاريخ الغناء العربي.. والمجدد الأمجد لموسيقانا والشاهد الأول على تاريخنا العاطفي.

فما الذى جرى لنا؟ ما الذى جرى فى مصر؟ كيف اختفى الورد والموسيقى من حياتنا؟ كيف امتد كل هذا البؤس إلى داخل أرواحنا وفى شوارعنا وبرامجنا وصحفنا بينما غاب عنا اللطف والجمال وخفة الظل؟

أما كانت أغانى عبد الوهاب أنجع فى محاربة الإرهاب من ألف بندقية.. وألف سجن؟ أما كانت مدارسنا بحال أفضل لو تفتحت نوافذها وحواس تلاميذها على موسيقاه؟

ربع قرن وعبد الوهاب يزداد حضورًا.. بينما مصر تمعن فى غياب وانتحار بطىء!

تموت الدول حين تغيب عن موسيقاها.. لكن الموسيقى حية لا تموت أبدًا.