الوعى الشعبي في قصص «سأحكى لكم» د. هويدا صالح   توظيف بنيات وتقنيات التراث الشعبى فى القصة والرواية بات من أهم أشكال السرد التى يحاول فيها الكتاب أن تخرج على

20300

الوعى الشعبي في قصص «سأحكى لكم»

د. هويدا صالح

 

توظيف بنيات وتقنيات التراث الشعبى فى القصة والرواية بات من أهم أشكال السرد التى يحاول فيها الكتاب أن تخرج على نمطية أشكال السرد فى القصة والرواية. وربما هذا ما فعله الكاتب حسين منصور فى مجموعته القصصية «سأحكى لكم» التى صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة مؤخرا. فمنذ العنوان يفيد الكاتب من تقنيات التراث الشعبي «سأحكي» التى هى مفردة بنت الوعى الشعبي، فالسرد الحداثى تخطى مرحلة الحكى التى تنسب للوعى الشفهى إلى فكرة السرد والتشكيل عبر اللغة والصورة، لكن بعض الكتاب يفيدون من الموروث الشعبى الشفهى فى تشكيل عوالمهم السردية، وهذا ما فعله حسين منصور حين وظَّف كثيرا من الصيغ والأنماط والتقنيات الفنية الشعبية بوصفها إمكانات لزحزحة تمركز الشكل الغربى فى اتجاه تشييد ما يسميه هومى بابا فى كتاب (موقع الثقافة) بالفضاء الثالث الذى يضيق فجوة الضدية والتعارض بين السرد الحداثى والحكاية الشعبية، فمن هذا الموقع الثقافى الهجين – بالمعنى الايجابى للكلمة – الذى يفيد من الوعى الشعبى فى تشكيل العوالم السردية الحداثية يمكن الكتاب من إنجاز قراءة مغايرة للنصوص بعيدا عن التقسيم الثقافى المتقابل والمتناقض.

فى النص الأول «تعالوا أحكى لكم» السارد فى حالة من الألم الجسدى الشديد، فيقاوم هذه الآلام بالحكي، يحكى لابنه حكايات شعبية، فيشعر بتحسن، وحين ينام ابنه يواصل الحكى لمن؟ للقراء الافتراضيين الذين خاطبهم بفعل الأمر «تعالوا» يواصل الحكى الشفاهى ويمازج ما بين حالته الجسدية المتألمة والحالة النفسية المتعبة، وفى الخلفية صوت فيروز بمثابة محطات التقاط الأنفاس، وكأنه يتمثل الراوى الشعبى الذى يلتقط أنفاسه حين يسمح للشاعر المصاحب بعزف الربابة ويشدو بما تتضمنه السيرة الشعبية من أشعار. يأتى صوت فيروز فرصة للتوقف عن الحكى لالتقاط الأنفاس مستغلا صوت الربابة الذى يعوض الجمهور عن لحظات الصمت هذه، وينهى القصة بحديثه عن دور الحكايات، ويتبادل هو وابنه الأدوار، فقد رجع لطفولته، وصار يستمع إلى ذات الحكايات من الأم: «الله! الحكايات تنسينى الألم. احكى لى حدوته أخرى يا أمي». يتبادل السارد المواقع مع الراوى المفترض، فيصير هو الجمهور، وتصير الأم التى تحتل بؤرة السرد عبر الفلاش باك فى موقع الراوي.

فى النص الثانى «لم يعطها البحر» يفيد الكاتب من الموتيفات الشعبية فبطلة النص «دهبية» التى تلعب بالعرائس القطنية وتردد مقولات تنتمى لذات الوعى الشعبى مثل «البحر غدار» و«جنيات البحر يقمن فزعات على صوت ملء الجرار» وغير ذلك من الموتيفات التى حشدها الكاتب بكثرة فى نص طويل قطعه إلى ثلاثة عشر مقطعا سرديا، يقول: «دهبية لا تعرف من أين يأتى البحر، أو إلى أين يذهب بعد دار عمتها، لا يربطها بالبحر غير ذلك الهاتف الذى يناديها، فتترك الحجلة وعرائس القطن، وعجين الأم، وتروح، تبقى جالسة وإذا البنت لا تخاف إذا سمعت (الجنية) تذهب مع أمها وتعود، الجرة على رأس الأم والبنت فى يدها. قدماها فى اتجاه الدار، وعيناها تلقيان نظرة إلى البحر».

حتى فى النصوص التى يريد لها أن تكشف ما هو اجتماعى راهن، يفيد الكاتب أيضا من الحكايات الشعبية، بل يجعلها مفتتحا لنصوصه، وتحضر هذه الحكايات بمحمولها الثقافى والمعرفى والرمزى فى النص، فتمثل نصا موازيا للنص الأصلي، فى نص «حتى لا يستيقظ النيام» والذى يهديه إلى ثوار الخامس والعشرين من يناير يفتتحه بنص شعبي: «ذات يوم كان فى بلدتنا سقاء. كان شابا فتيا، ذا شعر كثيف، وشاربا مجدولا. كانت تعشقه النساء. تحايلن عليه، وسقن ماشطة البلدة كى توقع به، الشاب الفتى ذو الشعر الكثيف والشارب المجدول كان يسكن قرب النهر، يملأ أزيار البلدة، ويعود بقربته فارغة.. وفى المساء يشعل النار بجوار النهر وحيدا ويغني». إذن النص الشعبى يصير مفتاحا لقراءة النص المتن.

فى نص «الراعى الصغير» يعلن السارد مصدر حكاياته، وفى مفارقة دالة نكتشف أن مصدر حكاياته ليس الجدات وارثات شهرزاد فى السرد الشفهي، لكنه هو الأب الذى يعلم ابنه الحكايات، فأبوه رجل حكاء، بتشديد الكاف، إشارة إلى قدرته على الحكي، وقد تعلم منه الحكي، فالأب فى النص يستأثر بميراث شهرزاد، ويحكى لابنه فى ليالى الريف الهادئة الكثير من الحكايات: «أبى رجل حكاء، يحفظ تاريخ بلدتنا، ولا يدع فرصة الحكي، وقص ما جرى من أحداث رسخت فى ذاكرته، أن تفوت. وفى كل ليلة اسأله عن بلدتنا، فتأخذه الذكرى، فيحكى عن الشوارع ووابور الحليج.. ويحكى عن الخواجات الإجريج.. كل ذلك لاستعادة سعادته وأيام الصبا والشباب وليالى الذكر فى موالد الأولياء».

وهكذا يواصل الاشتغال على الموتيفات الشعبية، فيكتب عن عروس النيل، وعروس البحر، وطاسة الخضة، ووابور الطحين، يكتب سير المهمشين، وحكايا الفقراء. نرى من خلال نصوصه آلام البؤساء وأحلامهم، سعاداتهم وتعاساتهم. إنه يتمثل الوعى الشعبى سواء فى طرائقه السردية وموتيفاته أو فى موضوعاته التى تنتصر للمهمشين والمنسيين من ذاكرة المركز واهتمامه.

الكاتب ينفتح على فهم للسرد يقرنه بكل ما يروى وما يحمل خطابا مفتوحا لا يتقيد بثنائية الأدب الراقى والأدب الوضيع. لذلك نلحظ جدلا خصبا بين الشفوى والمكتوب فى القصص، جدلا يتشكل من طبقتين نصيتين هما :طبقة السرد الواقعى ممثلة فى تمثيل الأحداث ذات المنحى المرجعي، وطبقة السرد المتخيل ممثلة فى الأساطير الشعبية.

هوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ حسين منصور، يكتب القصة القصيرة والرواية، وأدب أطفال، له عدة إصدارات منها: رواية «ثم» ومجموعة «سأحكى لكم» وقصص أطفال «جحا والجبل المسحور» و»الرمانة الذهبية».

هومى بابا، أكاديمى من أصل هندى أستاذ الأدب الأمريكى والبريطانى فى جامعة هارفرد حيث يرأس مركز الدراسات الإنسانية هناك. برز اسم هومى بابا من خلال طرحه مفهوم «التهجين» لتفسير نشوء أشكال ثقافية جديدة فى عالم التعدد الثقافي. أبرز أعماله : أمم ومرويات، موقع الثقافة، حول الخيار الثقافى وحياة جامدة.