بابا سارتر! إبراهيم فرغلى   تابعت حوارا متلفزا أجراه الشاعر والكاتب المغربى ياسين عدنان مع الكاتب الروائى العراقى الموهوب على بدر فى برنامج “مشارف” وانتبهت لملاحظة تتعلق بتوضيح بدر لجوهر

بابا سارتر!

بابا سارتر!

إبراهيم فرغلى

 

تابعت حوارا متلفزا أجراه الشاعر والكاتب المغربى ياسين عدنان مع الكاتب الروائى العراقى الموهوب على بدر فى برنامج “مشارف” وانتبهت لملاحظة تتعلق بتوضيح بدر لجوهر المفارقة فى روايته الجميلة “بابا سارتر” باعتمادها على السخرية من الجدية والتجهم اللذين عرف بهما جيل الستينات.

يقول على بدر إن السخرية وسيلة من وسائل هدم السلطة، التى تتسم عادة بالتجهم للتدليل على الجدية وإن هذا الجيل الثقافى حاول أن يقدم سلطته الثقافية بهذا الشكل. وقدم تجربتين ثقافيتين إحداهما تقليدية تعتمد على إعادة إحياء الثقافة العربية، والأخرى تتعلق بالتجديد عبر استحضار الثقافة الغربية وبناء ثقافة عربية جديدة بناء على المنجز الثقافى الغربي. ويرى بدر أن التجربتين لم تخرجا عن إطار التقليد وليس التجديد. وفى محاولة لنقد هذا التجهم السلطوي والذى انسحب على الوسط الثقافى العربى الذى اهتم بالشكليات على حساب الجوهر، قرر أن يتوسل السخرية كطريقة نقدية.

بشكل شخصى أعتقد أن استيعاب على بدر الفكرة التى أراد التعبير عنها ونقدها بوسيلة مختلفة حققا نصا مميزا ومختلفا فى السرد العربى المعاصر.

لكنى حاولت تأمل الفكرة فى شكلها المباشر اليوم عبر فكرة السخرية السياسية كوسيلة للاستهزاء بالسلطة، وفضح تجهمها فى مصر وفى أكثر من دولة عربية أخرى وتبين لى أن عدم استيعاب من يستخدمون هذه الوسيلة جوهرها الحقيقى كوسيلة نقد فى الأساس وربما محاولة لقتل الأب السياسى والاجتماعي، قد يحولها من وسيلة نقدية ناجعة إلى مجرد مسلسلات هزلية تذكرنا بدور “مهرج” السلطة، لكنه هنا فى الحقيقة يسلى جمهور المعارضة “الهزلية” التى تلجأ للسخرية ليس كوسيلة نقدية تبتغى تحقيق تغيير، بقدر ما تعتبرها وسيلة لتفريغ شحنة غضبها من إحساسها بالضعف وافتقاد الوسائل والقدرة على التغيير.

على سبيل المثال حين أتأمل التجهم النبيل للدكتور مجدى يعقوب، وهو يقدم ما ينبغى أن يقوم به من عمل متواصل يتعلق فقط بإنقاذ حياة البشر، يوميا، كبارا وأطفالا، مقاوما كل قوى القتل والدمار والتعذيب والجنون البشرى من حوله. ففى تجهمه النبيل لا يمكن سوى أن نتعاطف مع رسالته شديدة الإنسانية.

ثم ننتقل إلى صورة عالم آخر، كما يقول تعريفه، مثل الدكتور عصام حجي، عالم الفضاء، الذى تخلى عن صورة “العالم” وعن المعمل وعن دوره العلمي، لكى يقبل بدور هزلى غريب، بالظهور مع الإعلامى الذى يصف نفسه بالأراجوز؛ باسم يوسف وهما يجلسان معا يتأففان ويتأملان ساعتى يديهما فى انتظار انتهاء جهاز علاج الإيدز المزعوم المعروف فى مصر باسم “جهاز الكفتة”.

ما الرسالة التى يقدمها لنا العالم المرموق؟ ولماذا يتخلى عن دوره العلمى لكى يضع نفسه فى صورة كهذه؟ وهل يمكن لنا من صورة كهذه أن نفهم أنه يقدم نقدا للجهات التى ادعت قدرتها على تصنيع ذلك الجهاز ؟

ما وصلنى هو اهتزاز صورة العالم نفسه وليس العكس، لأن موضوع الجهاز ثبت فشله وأصبح أضحوكة العالم، ربما لو كان هناك أراجوز آخر يجاور باسم يوسف لكانت الصورة طبيعية. لكن المزاح من قبل من يقتضى دورهم الجدية فى الحقيقة قد يتحول من السخرية إلى المسخرة وهذا فارق كبير تماما كما الفارق بين العالم والمتعالم.