على ما قُسم تجارة الكلام (2) محمد عبد النبي   فى فيلمه الساحر الأبدية ويوم (1997) يقدّم المخرج اليونانى العظيم ثيودوروس انجيلوبولوس مشهدًا طويلا للشاعر ديونيسيوس سولوموس (1798 -1857) وقد

تجارة الكلام (2)

على ما قُسم

تجارة الكلام (2)

محمد عبد النبي

 

فى فيلمه الساحر الأبدية ويوم (1997) يقدّم المخرج اليونانى العظيم ثيودوروس انجيلوبولوس مشهدًا طويلا للشاعر ديونيسيوس سولوموس (1798 -1857) وقد ترك إيطاليا، حيث وُلد وكتب بلغتها أولى قصائده وعاد إلى موطنه فى اليونان متحمسًا لقضية تحررها مِن العثمانيين ولكتابة شِعره بلغتها الشعبية، فى مشهد ناعم طويل من الفيلم، يصوّره أنجيلوبولوس شابا شاحبًا فى عباءة سوداء، يدور بين الأطلال هائمًا فى دنياه، متجوِّلا بين الفلاحين والبسطاء؛ ليشترى منهم بدلا مِن اللبن والبيض مفردات لغتهم. هنا الشاعر فى ثوب المشتري، يلتمسُ الخامات التى يحتاجها لنسيجه الحيّ، يجمع السيرة أو الحواديت أو الأقوال المأثورة مِن أفواه الناس، يشتريها بقطعه الذهبية كما فى هذه الحالة. فى فيلمٍ آخر أبسط وأنعم، (قبل الشروق، 1995) وهو الجزء الأول مِن ثلاثيةٍ بديعةٍ للسينمائى ريتشارد لينكلاتر، يتجوّل الفتى الأمريكى والفتاة الفرنسية، وقد تعارفا قبل قليلٍ على متن قطار، فى ليل شوارع أوروبا العجوز، حين ينادى عليهما شابٌّ جالسٌ على شاطئ نهر، بسيجارته وأوراقه وقلمه ويعقد معهما مقايضةً، فبدلا مِن أن يطلب منهما نقودًا، سيطلب منهما كلمةً، أيَّ كلمةٍ، وسيضعها هو فى قصيدةٍ، وإذا أعجبتهما يعطيانه مالًا. تقترح الفتاة كلمة (مِلك شيك) أو شراب مخفوق اللبن، ويتركان الشاعر المتسول دقيقةً أو اثنتين قبل أن يناديهما مِن جديد، ويقرأ عليهما قصيدته الجميلة التى تحتوى بين سطورها اللبن المخفوق. هنا الشاعر يبيع أو بالأحرى يتسوّل، بعد أن يحصل على الكلمة التى يُريده الزبون أن يكتب عنها. ما بين هذين الحدّين قد تنتعش تجارة شاعر، وقد تخسر. قد يصير أحدهم بالإنصات الرهيف إلى أصوات الناس كأنه ينسج ثقافتهم وتاريخهم فى سطوره، وقد يصير آخر فى لهاثه للحاق بهم مجرد كلبٍ يتبع سيده الذى يتغيّر مزاجه كل لحظةٍ. لا أخطرَ إذنْ مِن تجارة الكلام.

الشعراء أشهر الأمثلة فى هذه التجارة، لكن يكاد يكون مستحيلا حصر جميع المهن والأعمال التى يُعدُّ الكلام بضاعتها الوحيدة أو الرئيسية، مِن الفلاسفة إلى مندوبى المبيعات إلى المحامين، ومِن الدعاة والمبشرين إلى مُصمِّمى الكلمات المتقاطعة، إلى الزعماء ومحترفى النصب والمنوِّمين مغناطيسيا والمعلِّمين وضاربى الودع والمعلِّقين الرياضيين والقائمة بلا نهايةٍ. لكن يبقى الكُتَّاب على اختلاف طوائفهم واختصاصاتهم فى موضع الاتهام؛ ربما لأن اعتمادهم على الكلمات فى حرفتهم أوضح وأنقى، فهم لا يُوهمون الزبون ببيع أى شيءٍ آخر له غير الكلمات، وبعضهم يتجرأ على إعلان أنه لن يكون لسطوره أيّ غرضٍ خارجها، فهى لن تساعد القارئ على عيش حياةٍ أفضل، ولن تضع لقمةً فى فمه ومع ذلك يواصلون المسيرة ويجدون الزبائن فى كل موضعٍ؛ ربما لأنه مع الكلمات يبيعون كل شيءٍ آخر، يشعر القارئ فى لحظةٍ أنه امتلك التجربة والخبرة، بمجرد مرور عينيه على السطور، وهو وهمٌ رائعٌ، لكنه مِن المخاطر الجانبية للإيمان بتجارة الكلام وقديمًا حذّر سقراط تلميذه فيدروس قائلا: «إنَّ القارئ يكون ساذجًا للغاية عندما يظن أن الكلمات المكتوبة يمكنها أن تفعل أكثر مِن مجرد التذكير بما يعرفه المرء على أيِّ حالٍ».

لكن هذا كله بالاعتبار إلى جودة البضاعة، لكن مع مطالب السوق التى تمتد فى كل اتجاه تنشأ الحاجة إلى الكم والإنتاج الضخم، بصرف النظر عن الخامة والمغزى والطلاوة والحلاوة، فهذا الإعلامى لا بُدَّ أن يواصل كلامه على الهواء تعليقًا على مذبحةٍ أو مباراةٍ، لا يهم حتى ينتهى الوقت المحدد ولو استمر البث المباشر لساعاتٍ بلا نهايةٍ وعلى الروائى الذى يطمح لرضا النقاد والجوائز أن يكتب عملا (كعبًا) يملأ العين ويمكن بيعه بالشيء الفلانى وكاتب القصة القصيرة جدا سيُنظر إليه بابتسامة تسامح. فى هذا السيرك، ربما اعتبر الصمت ضعفًا وخيبة وقلة حيلة، فى ساحة مولد سيدنا الكلام سوف تسعى قصيدة هايكو مِن ثلاثة سطور وهى تمرح غير عابئةٍ بالضجيج، مثل كف رضيعٍ راحت تمزق صفحات موسوعات أبيه العلّامة وهو يقهقه.