شغف بالعدل وشوق للمعرفة قراءة فى رواية شوق المستهام لـ«سلوى بكر» د. شاكر عبد الحميد   تتبع سلوى بكر فى هذه الرواية ولادة بطلها، الذى ولد فى أسرة مصرية

97b8ba5e-1f0b-476e-961d-a77e96e3ca5288

 

شغف بالعدل وشوق للمعرفة

قراءة فى رواية شوق المستهام

لـ«سلوى بكر»

د. شاكر عبد الحميد

 

تتبع سلوى بكر فى هذه الرواية ولادة بطلها، الذى ولد فى أسرة مصرية قبطية بسيطة، وقد كان والده يعمل فلاحًا وأمه امرأة بسيطة مات لها عشرة مواليد قبل أن تلده «عاش لها اثنان فقط» فنذره والده للبيعة أى للرهبنة، هكذا فإنه «وفى سن العاشرة ألبسه الوالد قميصًا من الحرير والكتان المخلوط وسروالا معصفرًا، ثم قام بزفه على أتان أبيض حتى باب بيعة بلدتنا التى هى قربيط الواقعة عند أسفل الأرض، ثم سلمنى لكاهنها مع هبة وتقدمة كانت جديًا مسمنًا، وجرة زيت كبيرة وأخرى من النبيذ الجيد المعتق، منذ ذلك الوقت ارتبطت حياة السارد الرئيسى «أمونيوس» فى الرواية بخدمة الرب واستمر فى ذلك حتى أصبح راهبًا مطببًا بدير مريوط».

تحضر فى هذه الرواية أسماء الشهور القبطية وكذلك الملابس والأطعمة والأشربة وأَسماء الشخصيات والأدوية وغيرها، وهى تشير كلها إلى ذالك التاريخ القديم الذى ربما كان ينتمى إلى القرن الثامن الميلادى حين وقعت ثورة البشمورى التى كتبت عنها سلوى بكر إحدى رواياتها المعروفة وهى «البشموري».

ينقطع الراهب أمونيوس لخدمة الدير ويترك كل ما هو جسدانى مخلصًا لديانته وطقوسه وعباداته حتى يبلغ الرابعة والعشرين من عمره تستمر حياته فى دير مريوط وتنقطع زياراته إلى بلدته قربيط لفترة تصل إلى ست سنوات، بعدها تجىء رسالة إليه تخبره بمرض والدته الشديد وضرورة أن يذهب إليها لعيادتها أو رؤيتها قبل وفاتها. وتكون هذه البداية الحقيقية لتطورات عدة مهمة تهيمن على مسار الأحداث وحتى نهاية الرواية.

عندما يصل أمونيوس إلى بلدته يعرف أن والدته قد ماتت وأن أخته قد فقدت بصرها وتشوه وجهها بفعل ذلك الوباء، الجدرى الذى أصاب الجميع وترك البلاد غارقة فى أحوالها السيئة، فقد كان ذلك الوباء عجيبًا يصيب الكبار والصغار بعد أن تقعدهم حمته الشديدة أيامًا، فإن شفوا بعد تراجع الحمى وكتبت لهم الحياة، فإن الفقاقيع والبثور الكثيرة المنتشرة على الوجوه، تترك حفرًا بغيضة مشوهة للخلقة حتى ان أكثر الطلعات بهاء، تتحول وكأنها وجوه لشياطين مخوفة، وقد كان هذا الوباء يحصد فى اليوم الواحد عدة أنفس ويختص بالأطفال، وقد أصاب بعض الناس بالعمى وربما بالصمم، وقد يكون بالاثنين معًا.

فشلت العلاجات التقليدية فى التعامل مع ذلك الوباء ذلك الذى أفنى الكثير من البشر، حتى صارت الحقول خاوية لا تجد من يزرعها أو من يحصد نباتاتها، مات من مات وهاجر من هاجر، حتى سيرين، رفيقة صبا الراوى والتى عشقها ذات يوم، لم تسلم من يد الوباء والردى، ماتت الحوامل والأجنة فى أرحامها وكان الفقر باديا على الجميع، فالمرض قد أطاح بأفراحهم وأحزانهم وأصابهم بالعمى والصمم والسل والجرب، ولم تعد الأدعية ولا الأدوية نافعة أو شافية، يتذكر الراهب أمونيوس ما قد سمعه عند مغادرته الدير كى يعود إلى بلدته بعد أن عرف بمرض أمه، يتذكر مكان ما يترنم به العابد «مانتيوس» وينشده بقبطيته المعهودة ويقول: «كنوزك يا مصر لا هى فضة ولا ذهب…. كنوزك مدفونة فى كتب من مضى ومن ذهب».

ثم إنه يسمع غامضًا يقول له: «اذهب على تكلا من أجل تكلا» وتكلا هو اسم أخته التى أصابها الجدرى بالعمى، هكذا تبدأ رحلة البحث عن كتب، عن برديات، عن لفائف، عن وثائق، عن كتابات تنتمى إلى الماضي، كتب تحوى كنوزًا والكنوز ليست من ذهب أو فضة هنا، الكنوز من حكمة وعلم وثقافة ومعرفة، والمعرفة هنا تحوى علاجات للعلل والأمراض ووصفات للصحة والبقاء، هكذا بدأت الرحلة التى أخذ الراهب أمونيوس من الإسكندرية حتى جنوب صعيد مصر، أى حتى أخميم ودندرة، خلال رحلته مر أمونيوس على الجيزة والأهرامات، رأى النيل والحقول، تفاعل مع الناس، وعقد صداقات وعالج مرضى خلال رحلته عرفنا حكايات كثيرة عن مصر والمصريين، عن تاريخ الطب والفن والعمارة والتصوير والحروب، عن الحكماء والاشراقيين الهرامسة واتباع فيثاغورث وأفلاطون وأرسطو وكل من جاءوا إلى مصر كى يتعلموا الحكمة والعلم من أهلها.

عبر رحلة أمونيوس عبر السفوح والجبال والبراري، وكان كلما خطا خطوة وانتقل من بلدة إلى أخرى ازداد معرفة وحكمة وإدراكًا وفهمًا، وأصبح أكثر وعيًا بالتاريخ القديم لمصر وبتاريخها الذى كان يعيش فيه.

فى الرواية أسماء أشخاص وأدوية وملابس، وأحداث وأماكن وطقوس ونصوص مسيحية وضعتها كى تشكل من خلالها إضافة إلى اللغة المهجنة التى استخدمتها ما بين عربية قديمة وعربية حديثة، وكذلك مفردات مستمدة من العهد الجديد خاصة ومصطلحات خاصة بالثقافة المسيحية «البيعة، الكلالي، الفنون، الأيقونة، أسماء القديسين والقديسات وطقوس العباد… إلخ».

وتستمر رحلة البحث عن الكتب القديمة التى ربما التى تحوى العلاج الشافى للوباء الذى كان جاثمًا على الأرض والبشر وربما أمراض أخرى، وتأخذ الرحلة هذا الراهب حتى غايته ومنتهاه.

وخلال ذلك كله تزخر هذه الرواية بجانب معلوماتى توثيقى معرفى أشارت الكاتبة إلى مصادره فى نهاية روايتها، حيث نعرف الكثير من المعلومات من تاريخ اللغات الهيروغليفية واليونانية والقبطية والعربية، وكذلك عن الهجمات التى كانت تتوالى على مصر من الشمال والجنوب ومن الشرق والغرب، عن المعابد التى خربت والتماثيل والأوانى واللفائف والكنوز التى نهبت عن الماضي، ذلك الذى اعتقد البعض أن يد النسيان قد طالته وأن الإهمال قد طواه لكن الرواية تؤكد لنا صراحة وخفية، تلمحيًا وتصريحًا، أن الماضى لا يمكن أن يموت، إنه يظل مطمورًا مثل كنز مخفي، كنز موجود فى أعماق اللاوعى الجمعي، يعتقد الجميع فى وجوده ويجدونه مثيرًا لأحلامهم باعثًا على آمالهم، واهبًا لطاقة خاصة لديهم يتعلق بالفضول وحب الاستطلاع وكذلك الرغبة القوية فى الاستكشاف والكشف لأعماق ذلك الكنز المدفون، الكنز مدفون فى كتب ولفائف وبرديات الأقدمين، الكنز متعلق بالماضى والماضى موجود دائمًا معنا، أبدًا لن يغادرنا لن يموت.

ترصد سلوى بكر فى هذه الرواية تلك الحالة من الشك والحيرة وفقدان اليقين التى انتابت الأب أمونيوس خلال بحثه وسعيه عن ذلك الكنز المفقود، وترصد كذلك أحلامه وكوابيسه التى رأى فى أحدها أنه يخوض فى مخاضة ماء لا نهاية له، «إذ كنت كلما اتجهت لأسير طالبًا الخروج منها لا أجد حوالى غاير الماء، بينما السماء فوقى رماية مضببة بضبابات داكنة لا تستبين منها زرقة أو بياضا»

والماء رمز للحياة والموت، للسديم، والمجهول والغامض والمتجدد أيضًا، يكثر أمونيوس من أدعيته وتراتيله وصلواته ويواصل رحلته ومعه أبانوب، الذى يقوده فى رحلته «رجل من أطيب الناس، وأكرمهم خلقًا، كما أنه واسع المعرفة بصنوف البشر، حتى انه يتعرف على بعض ما بدواخلهم» ويحكى أبانوب لأمونيوس تاريخ مصر من خلال كلامه عن المعابد، هرمس مثلث العظمات، أول من تكلم فى الجواهر العلوية والحركات النجومية، وبنى الهياكل ومجد الرب لها، الإغارات والغزوات على مصر على مر الأيام والسنين ووصولا إلى دخول عمرو بن العاص إلى مصر وحصار بابليون، ومدينة عون أو «أون» الزاخرة بالناس وبساتين الفاكهة والمعابد، معاصر النبيذ والزيت الطيب، هجوم الفرس على مصر قبل أن يدخلها العرب بسنوات، وما قام به قمبيز من تهديم للمعابد «واقتياده للكهنة العارفين بالطب والعلوم الفلكية وفنون السحر معه عند خروجه من البلاد» إنها حلقة ضمن حلقات من تاريخ يعيد نفسه ويكررها، ربما تمثلت حلقة أخرى تالية منها فى اقتياد الغازى العثمانى سليم الأول معه الفنانون والصناع المصريون المهرة عند مغادرته البلاد بعد غزوها، وكذلك هذا الهدر الذى حدث خلال العقود الأخيرة للعقول والمهارات المصرية شرقًا وغربًا بفعل ممارسات سياسية واقتصادية تفتقر للحكمة ولا تفتقر للحماقة.

فى الرواية رصد لتاريخ مصر القديم، للحضارة الفرعونية، التماثيل والتصاوير والمسلات والمعابد وكذلك للحضارتين القبطية والإسلامية بكل تجلياتهما ولحظات انتصاراتهما أو انكساراتهما هكذا يتحرك الأب أمونيوس عبر طبقات من الوعى والفهم والإنجاز والتاريخ، وعبر طبقات أيضًا من الأحداث والذكريات والآثار والمعرفة بالثقافات والديانات واللغات التى ظهرت على هذه الأرض فسادت ثم بادت ولم تبق منها إلا كتبها، كنوزها، تدل عليها، وهاهو أمونيوس يحاول من خلال رحلته أن يرفع الغطاء عنها.

يجتاز أمونيوس ومعه أبانوب، ثم وبعد ذلك ومعه ابن وحشية النبطى دروب قرى صغيرة وغيطانًا مزروعة، وصحراوات فاصلة وأنهارًا جارية، يصل إلى شبرا والجيزة والحرانية وأخميم ودندرة حيث الغاية والمصير.

وخلال ذلك كله تتوالى عمليات الكشف والفهم والمعرفة والإدراك وتعرف معلومات وتصورات ورؤى كثيرة عن المعادن والكواكب والأماكن والبخور والعطور والأطعمة والعلاجات الشعبية وأسماء الأماكن والبشر والديانات القديمة والكيمياء القديمة والعمارة الإسلامية والقبطية وقبلهما عمارة الأهرام، الأيقونات التى فى الكنائس ووجوه الفيوم، الموت والحياة والنحت والنقوش التى على الجدران الكتابة وعلم الحروف والتصوف والهرمسية والجسد الذى هو «قميص الروح».

لقد كانت خليقة الفضول هى المحرك الأول للتقدم العلمى كما يقول جورج سارتون «وإنه لفضول عميق الغرس حتى إنه لا يقف عند مجرد الاستمتاع بالأشياء العادية، أو يكون موصوفًا بالإناة والتبصر».

هناك فى الرواية إشارات مهمة أيضًا إلى علوم الألوان والامتناع والتحنيط ونبش القبور عندما يلتقى أمونيوس ابن وحشية النبطي، المسلم المحب لعلوم وفنون الأقدمين، النبطى الكلدانى الأصل، تنشأ بينهما صداقة نادرة خلال صعودهما بالمركب عبر النيل إلى دندرة، بينهما مودة روحية رغم اختلاف عقائدهما، هكذا يقول أبانوب عنه: «كلما تعرفت عليه أكثر، أدركت أن الرب شاء أن يختلف ابن الإنسان عن أخيه فى جملة من الأمور، كالهيئة واللون والأصل، لكن ما يجمعهما دومًا هو حب الخير وصفاء السريرة، واللين فى المعاملة، وحسن المسلك والطريقة وكل ما يدفع بعمران الكون، ومواجهة صعاب الحياة كان ابن وحشية النبطى مولعًا بالكيمياء وكذلك السحر وفنون السيمياء، فنون تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، مولعًا أيضًا مثل أبانوب بالبحث عن كل ما اندثر وضاع وانضمر منذ وقت بعيد، لكنه كان مؤمنًا مثله بأن ما انطمر لابد وأن يتم الكشف عنه يومًا وأن المكبوت لابد له من عودة وأن هذه العودة لابد واقعة بين جدران معبد أو «برية» قديمة موجودة فى دندرة كانت مخصصة لعلوم الصنعة الشريفة، الكيمياء القديمة، فى تلك البرية، كان يعيش متصوف قديم يدعى ذو النون المصري، وقد أخبر ابن وحشية أن كل ما كان موجودًا فيها من علوم وفنون قد ضاع أو نهبه الفرس والإغريق خلال إغاراتهما على البلاد، لكن التقى أيضًا بعض القساوسة الذين أخبروه بأن فنون السحر والكيمياء لا تزال موجودة.

ترصد سلوى بكر فى هذه الرواية ثقافة منقسمة بين ثقافتين: ترصد الثقافة القبطية التى ظلت منقسمة بين تراثها وكتابها وكتبها وبين دخول الثقافة العربية الإسلامية عليها، حيث بدأ اللسان العربى «يشيع وينتشر ويتخلط مع اللسان القبطى فى البداية، لكن العربية قويت واشتدت حتى ان بعض آباء الكنيسة خشوا من أن ينسى الناس الديانة وتغيب عن عقولهم أسباب فهمها واستيعابها، فعزموا على تعريب الصلاة وإن كانت بعض الكنائس بالإسكندرية قد ظلت الصلاة تتلى فيها بلسان الجريك حتى وقتنا هذا بعد ثمانية قرون ونيف من ميلاد السيد المسيح بتواريخ الروم ومواقيتهم، بينما كنائس أخرى فى أعلى الأرض والنوبة ما زالت صلاتها بلساننا القبطى المعتاد».

هنا ثقافة كانت منقسمة بين إرثها الخاص وتقاليد ولغتها وصلاتها وطقوسها الأصلية وبين ثقافة أخرى جديدة وافدة توشك أن تهيمن عليها، وفى الرواية رصد للقبائل العربية (مثل قبيلة جذام) التى كانت تجىء إلى قربيط برجالها ونسائها وأبنائها فتحط بالبلدة لإطعام دوابها وخيولها فترعى وتشبع من زروع الأرض، وتمكث جذام بأراضينا وقتًا قد يكون شهور كانت القبائل تأتى وتذهب وتعيش بين أهالى البلدة فى مودة وسلام وكان «وجود هؤلاء الغرباء بعاداتهم وملابسهم الغربية عنا وغنائهم ورقصهم» يشيع جوًا من البهجة والمرح بين أهالى البلدة كانوا يتبادلون السلع معهم وكانت خالة أمونيوس قد التقت خلال عملية بيعها «حصرًا لأجل الصلاة» أحد هؤلاء العرب وتزوجته، بعدها تتطور الصراعات بين الثقافتين على نحو ربما كانت قراءة رواية البشمورى لسلوى بكر هى الأفضل حتى تكتمل الإطاحة الخاصة بهذا العالم من أجل الوعى والمعرفة وتلك الكنوز، يخشون الكشف عنها حتى لا يتم نهبها مرة أخرى من جانب الغرباء.

كان ابن وحشية متبحرًا فى العلم، ضليعًا فى المعرفة باللغات، وقد زادت مصنفاته على الثلاثين مصنفًا فى السحر والكيمياء، كما كان واسع التمكن فى الفلك وأسراره عارفًا بالحروف القديمة والرسومات والخطوط، ثم إنه هو الذى ينجح فى النهاية فى كشف أسرار اللسان القديم، اللسان الذى كتبت به اللفائف والبرديات والمخطوطات الطبية وغير الطبية، وهو أيضًا الذى فك طلسمات الصور والرسوم واللغات المصورة القديمة فانفتحت أمامه بوابات المعرفة القديمة وكنوزها، وكان مبعد دندرة ملاذًا، ككثير من معابد مصر العليا، لعشرات من المؤمنين المسيحيين فى أزمنة اضطهاد أباطرة الروم لهم ومنذ زمن الشهداء المبجلين عندما تحكم الإمبراطور الوثنى ودقلديانوس، صحيح أن الآلهة القديمة ما زالت تعبد بهذا المكان، لكن المؤمنين الفارين من التعذيب والاضطهاد، عندما حكوا لكهان المعابد، ومنهم كهان هذا المعبد من قطاع أمثال الرومان معهم رحبوا بهم وأخفوهم داخل سراديب المكان السرية، كانت دندرة الملجأ والملاذ لكثيرين من المضطهدين الفارين ومنها اجتمعت علوم وفنون ولغات وأمم شتى، وفى تداخلت اللغات والفنون والأفكار، والطقوس وكأنها هى الجامعة الملاذ لروح مصرية معذبة مؤرقة قلقة مستطلعة راغبة فى التعبير عن ذاتها ووجودها الذى كان يتجلى هناك على أنحاء شتى، بعضها فرعونى وبعضها قبطى والآخر إسلامي.

عندما يصبح ابن وحشية النبطى قادرًا على قراءة اللغة المصرية القديمة، أو القلم القديم المصور، يصبح قادرًا على فهم دلالات الرموز المصورة الكثيرة الخاصة بالبشر والحيوانات والطيور والكواكب والنجوم، يعرف أسرار الزودياك اليونانية المتعلقة بالوقت وبروجه والتى أخذها اليونانيون ضمن ما أخذوه من قدماء المصريين. ثم إنه ينقل هذه المعرفة وغيرها إلى الراهب أمونيوس، ذلك الذى تتسع محبته للعلم والمعرفة فلا تصبح متعلقة فقط بالرغبة عن علاج ناجح للجدري، بل برغبة قارة مهيمنة فى اكتشاف الذات وتحقيقها والوصول إلى مراتب الكمال، هكذا يقرر أن يبقى فى الدير، لقد أراد أن يهيمن على نوع ما من المعرفة، فوجد أن محبة المعرفة فى كليتها وإجمالها قد هيمنت عليه.

ترمز الرحلة فى هذه الرواية هنا إلى عبور بحر الحياة، إلى مواجهة المشكلات وكل جوانب الجهل والمرض والغموض وفقر الروح والتغلب عليها من أجل الوصول إلى الكمال، والرحلة أيضًا رمز للتحولات والتحولات تحدث عبر الرواية من خلال أمونيوس وابن وحشية النبطي، وتحدث أيضًا من خلال تلك الإشارات المتكررة إلى الفلسفة الهرمسية القديمة، حيث كان الهرامسة الآباء الحقيقيين لرياضيات الأحلام ورموز الأعداد، وهرمز كلمة سريانية معناها العالم (بكسر اللام) وقد صنفت برديات هرمس كما يشير سيد كريم فى مقال له بعنوان: الأحلام عند قدماء المصريين نشر بمجلة الهلال (عدد أكتوبر 1975) الأحلام بأنها لغة لها حروفها ورموزها التصويرية، كما أن لها خطوطها المختلفة، كما هو الحال فى اللغة المصرية القديمة، بخطوطها الهيروغليفية والهيراطيقية، والديموطيقية، وأشكال حروف كل منها وطريقة قراءتها.

والهرمسية فلسفة عرفانية ترجع بجذورها إلى مصر القديمة، وقد عرفت بالتركيز على عمليات تحول المعادن وعلى الأحلام وقد وصفت برديات هرمس الأحلام بأنها لغة لها حروفها ورموزها التصويرية، كما أن لها خطوطها المختلفة، كما هو الحال فى اللغة المصرية القديمة، بخطوطها الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية وأشكال حروف كل منها، وطريقة قراءتها، وكى تتعرف الأحلام وتفسرها لابد لك من أن تغادر عالم البدن، تخلع قميص الجسد كى تتحرر روحك، فالبدن وعالم المحسوسات لدى الهرامة كالسجن بالنسبة للروح أو النفس، تلك التى تتوق للاتحاد مع المبدأ الأعلى الخاص بالاكتمال والخلود، وقد سمى «أنبادوقليس» الفيلسوف السفسطائى الذى عاش فى القرن الرابع قبل الميلاد – على الرغم من أنه ليس من العرفانيين – الجسد بالصدأ، وسماه أفلاطمون بالقبر، ورفضه فيثاغورث وطالب بالرجوع إلى العالم الأول الحق، والإشارات إلى خلع قميص الجسد متكررة لدى الهرامسة الأوائل، وكذلك لدى أصحاب نظرية الفيض، خاصة لدى أفلوطين فى كتابه «أثولوجيا» وذلك لدى فلاسفة التصوف الإسلامى من الإشراقيين أمثال السهروردى وابن عربى وموجودة أيضًا فى نصوص الغنوصية المسيحية والقبالة اليهودية وغيرها أيضًا.

جاء من أقصى البسيطة رجلان يسعيان أحدهما من بلاد الرافدين كى يؤلف كتاب، والآخر من أطراف الإسكندرية كى يكتشف دواءً. رجلان يدفعهما شوقهما المستهام بالمعرفة والعلم وولعهما بالكمال واليقين والكشف لإسرار المجهول، فإذا بهما يلتقيان وتنشأ بينهما مودة وصداقة ثم إنهما يتحدان فى رغبتهما التى هيمنت عليهما فى أن يصلا إلى أعماق المعرفة وأن يتسنما قمة الحكمة تلك التى كانت، ولا تزال، لا حدود لها ولا قمم.