“اللى اختشوا ماتوا”.. فيلم عن أم ضد النساء؟! محمد سيد عبد الرحيم   تملؤنى السعادة دائما حينما يصنع فيلما يتناول مشكلات النساء فى مجتمعنا. فنادرة هى الأفلام التى تهتم بقضايا

585

“اللى اختشوا ماتوا”.. فيلم عن أم ضد النساء؟!

محمد سيد عبد الرحيم

 

تملؤنى السعادة دائما حينما يصنع فيلما يتناول مشكلات النساء فى مجتمعنا. فنادرة هى الأفلام التى تهتم بقضايا المرأة فى سينمانا المصرية. وأقل منها هى الأفلام التى تناولت مشكلات المرأة بعمق كـ”أريد حلا” 1975 للمخرج سعيد مرزوق و”ليلة القبض على فاطمة” 1984 للمخرج هنرى بركات عن قصة للكاتبة سكينة فؤاد و”أحلى الأوقات” 2004 للمخرجة هالة خليل. إلا أن أغلب الأفلام التى تتناول قضايا المرأة تتناولها بشكل سطحى وفج مثلما فعل صناع فيلم “اللى اختشوا ماتوا” تأليف محمد عبد الخالق وإخراج إسماعيل فاروق.

الفيلم يدور حول سبعة نساء (غادة عبد الرازق وعبير صبرى وسلوى خطاب ومروة عبد المنعم وهيدى كرم ومروى وأميرة شريف) واللاتى يعشن فى بنسيون يدعى “شيشة” بالقاهرة. ولكل واحدة منهن حكايتها ومشكلاتها إلا أن المعضلة التى تعوقهن وتنغص عليهن حياتهن هى الرجال. الرجال الذين يحاولون استغلالهم بكل الطرق عبر الطمع فى أجسادهن أو مدخراتهن أو حتى مشاعرهن بلا مقابل لهذه المشاعر.

هى حكاية كل النساء المصريات بشكل خاص ونساء العالم بشكل عام. فنحن ورغم اندلاع ثلاث موجات عالمية تنادى بحرية المرأة وتحسين أحوالها فى المجتمعات الذكورية ومساواتها بالرجل، إلا أن النساء يعشن فى حالة أسوأ مما يمكن السكوت عليه أو الرضوخ له ولنتائجه. حالة تحتاج إلى 100 ثورة و100 حرب ضد الرجال حتى يحصلن على حقوقهن التى يهضمها الرجال بأرجاء الأرض كل يوم وكل ليلة.

الفيلم كقصة مستوحى من فيلم “ملف فى الآداب” 1985 تأليف وحيد حامد وإخراج الراحل عاطف الطيب وبطولة مديحة كامل وفريد شوقي. إلا أن القصة يبدو أنها لم تعجب صناع فيلم “اللى اختشوا ماتوا” فقرروا أن يضيفوا إليها الكثير من تحابيش الإثارة والجريمة والقباحة اللفظية والحركية كى يجذبوا أكبر نسبة من المتفرجين والذين خذلوهم أشد الخذلان فامتنع الكثيرون عن دخول الفيلم وفضلوا أفلاما أخرى.

بشكل عام، سيناريو الفيلم يمتلئ بالثغرات وبالمواقف والمصادفات التى لا يصدقها طفل يبلغ من العمر خمسة اعوام وربما يكون أغربها هو فكرة دخول إحدى البطلات (عبير صبري) على النساء ووضع أيديهن على السكين وهن نائمات حتى تقبض عليهن الشرطة بتهمة القتل عبر دليل إدانة هذا وهو السكين. ومن ناحية أخرى، شهد التمثيل مبالغة فى الأداء خاصة من الممثلة سلوى خطاب التى استنسخت دورها فى فيلم “فتاة المصنع” حتى أنها كررت بعض اللزمات إلا أن مبالغتها فى الأداء مسخت محاولتها لأداء دور راقصة معتزلة إلى إنسانة آلية تتحدث برنين وبصوت مرتفع ثابت لا يتأثر بتغير الموقف أو الأحداث وذلك بالتأكيد يرجع إلى تمثيلها فى فيلم “فتاة المصنع” تحت إدارة مخرج كبير مثل محمد خان وتمثيلها فى “اللى اختشوا ماتوا” تحت إدارة مخرج لا يستطيع التحكم فى الممثلين العاملين معه وهو المخرج إسماعيل فاروق.

المرأة عدوة لنفسها

كمضمون.. نجد أن الفيلم يدين إحدى البطلات (عبير صبري) التى تحيك المكائد حول رفيقاتها فى البنسيون فتودى بإحداهن إلى حبل المشنقة والأخرى بالسجن والثالثة بالموت من أجل حقيبة متخمة بالمال. والفيلم بذلك يجعل الجانى والمجنى عليه هن النساء والرجال هم مجرد دوافع دفعت بالمرأة لخيانة بنى جنسها على الرغم من أن الفيلم يؤكد منذ البداية أن الخيانات تأتى من الرجال لا النساء وأن النساء هن اللاتى يقفن بجانب بعضهن بعضا دائما فى السراء والضراء.

وكشكل.. تفنن صناع الفيلم فى إبراز مفاتن النساء السبع لأغراض دعائية وجماهيرية عبر زوايا التصوير المنخفضة أو المرتفعة لإظهار أجسادهن أو التصوير البطيء بينما تتحرك الممثلة بسرعة ليهتز جسدها أو اختيار الملابس التى تثير المشاهدين أو مشاهد التحرش اللفظى والجسدى عبر أداء محمد محمود عبد العزيز الشهوانى أو عبر مشهد الرقص الذى كان من الممكن أن يكون معبرا عن محاولة بطلات الفيلم للتحرر من الحياة البائسة التى يعيشنها إلا أن صناع الفيلم حولوه إلى مشهد لعبودية المرأة لنظرة الرجل/ المشاهد الذى يشتهى جسد المرأة ويريد امتلاكه وأسره. وكل هذا يؤكد أن الفيلم هو من أكثر الأفلام المصرية إدعاء فى نقطة تناول مشكلات النساء المصريات.

فيلم “اللى اختشوا ماتوا” لا يساعد أبدا على إظهار ونشر قضية المرأة فما بالك فى المساعدة على حلها والإعلاء من شأنها فى مجتمعنا. بل أزعم أن هذا الفيلم يقول عكس ما تريد تأكيده كل الحركات التحررية فى تاريخ الحركة النسوية. فهو ينطلق من مفاهيم ذكورية بحتة (مضامين وأشكال) لتناول مشكلات المرأة ليخلص فى النهاية إلى أن المرأة هى عدوة نفسها وأنه لا فارق بين الرجل والمرأة فى استغلال المرأة. فكلنا فى الهوا سوا. وبالتالى فالفيلم يحاول بذلك تقويض واحد من أهم أسس حركة تحرير المرأة على مدار التاريخ وهو أن الرجل هو المسئول الأول والأساسى عما لحق بالمرأة من هدر وهضم لحقوقها وحرياتها.