خطايا الواقع ومجون الحقيقة فى مسرحية «إن بوكس» د. وفاء كمالو   تفجرت فى جسدها انهار الشبق، قررت الهروب إلى جحيم قبلات الهوى أرادت أن تمتلك معنى الانبهار فى نشوة،

2016-04-29_04-05-23_4

خطايا الواقع ومجون الحقيقة فى مسرحية «إن بوكس»

د. وفاء كمالو

 

تفجرت فى جسدها انهار الشبق، قررت الهروب إلى جحيم قبلات الهوى أرادت أن تمتلك معنى الانبهار فى نشوة، والانتصار فى رعشة، وفى ليلتها الأولى ليلة زفافها كانت ترى الأشياء متقدة، اتحد بالكون وبالماء وبالنار وظل حلمها الذهبى حاضرا فى الروح وجاثما فى الجسد، يستفزها بأسئلة عن الحب والحرية، وحين ظهر شبح الحنين المؤجل، ظلت عيناها معلقتين ببريق غامض، فقد أدركت أن فارسها مهزوم مكسور لن تتسلق معه جبال اللهفة، وأن المسافة بين ممكنها واحتمالها لن تتهيأ أبدا لاكتمالها.

كان الزوج رجلا ستينيا ثريا، يفتقد الروح والمعنى والمشاعر مهووس بالرغبة والجنس، لكنه لم يلمس امرأة فى حياته، اكتفى بالكاميرا والشات، وظل يخترق حسابات النساء ليعيش ليالى الوهم والافتراض، ويصبح الوجود زيفا وسقوطا وغيابا، ورغم زواجه بتلك الأنثى العشرينية الجميلة، إلا أنه يعلن بكل وقاحة عن عجزه المخيف ويخبرها أن علاقتهما ستظل الكترونية.

يأتى هذا المشهد العبثى الشرس ضمن أحداث مسرحية «إن بوكس» التى يقدمها مسرح الغد ليهدى الواقع الثقافى المصرى عرضا مبهرا رفيع المستوى يمثل تيارا فنيا جديدا ويطرح قضايا إنسانية عالمية اللغة والدلالة، فقد اتجه المؤلف المتميز د. سامح مهران إلى مغامرته الجريئة المدهشة، فكانت المواجهة ساخنة صادمة تحمل فى أعماقها بكارة فنية مراوغة لامست خطايا الواقع ومجون الحقيقة وانطلقت لترسم أبعادا مفارقة درامية لوجود مستحيل يندفع بقسوة نحو السقوط، وتظل الحالة المسرحية تموج بالوعى والفن وايقاعات الجمال، وتنطلق إلى آفاق مغايرة لتكشف عن لغة إبداعية تمتلك سحرها الغامض الذى اشتبك بقوة مع ملامح زمننا الوحشى المسكون بالقسوة الداعرة والشرور الآثمة وآهات الأحلام الهاربة إلى حضيض الحياة.

فى هذا السياق تكشف كتابة د. سامح مهران عن كيان ثقافى مسكون بالطموح والتمرد والجموح يمتلك وعيا مبهرا بمفهوم الفن، ينطلق من خلاله إلى عالم مسرحى مثير يموج بالاشتباكات الدالة مع الزمان والمكان والأشواق والأحلام، فهو ينتمى إلى تيار إبداعى مختلف يتبنى الكشف وتحرير المعرفة ويتباعد عن مفاهيم الترويض الثقافى لذلك تأتى إبداعاته مشاغبة مسكونة بتلك الجمرات النارية التى تمزق كل الأقنعة، ويذكر أن المؤلف سامح مهران قد درس أساليب الكتابة المسرحية الحديثة فى ورشة عمل بالولايات المتحدة الأمريكية، ودخل غرفة المسرحى الأمريكى الشهير «أوجين أونيل»، وجلس إلى مكتبه واشتبك مع إيديولوجيا هذا المكان الذى شهد إبداعات غيرت مسار المسرح العالمى، وهذا التقليد يأتى كجزء من أسلوب الدراسة فى الورشة، وأعتقد أن هذا التفاعل قد منح المؤلف وعيا جدليا ومقدرة على كشف عذابات الإنسان وطرحها فى إطار فنى يموج بالدفقات الشعورية الصادمة التى تضع المتلقى فى إطار زوايا الوجود الحرجة وترصد تفاعلاته المتوترة مع التاريخ والسياسة والمجتمع.

مخرج مسرحية ابنوكس هو الفنان جلال عثمان الذى يمتلك حضورا إبداعيا لافتا بعث ثورة جمالية مبهرة تكشف عن خصوصية لغته وثراء مفرداته وعمق رؤاه، قرر مواجهة الزيف والغياب وبحث برشاقة عن المعنى والهدف، ليعلن العصيان على القهر والاستبداد ويدين انتهاكات الروح والجسد، ويأتى ذلك عبر لغة فنية مشاغبة تفتح مسارات للوعى والتفاعل واختراق التابوهات، لذلك تعددت الرؤى والأفكار والتصورات واندفع تيار الجدل الساخن فى ذلك الفضاء الرحب الساحر، ليعايش الملتقى أداء تمثيليا مختلفا، يتجاوز مفاهيم الإبهام والتوحد ويتجه إلىالرؤى النقيضة المسكونة بلغة المفارقة الساخنة والجروتسك الشرس واستطاع جلال عثمان أن يشاغب عقل المتلقى عبر حالة مسرحية تبدو شديدة الخصوصية، لكن أعماقها تموج بالثورة والجموح والغليان، ويذكر أن منظور الإخراج قد امتلك بصماته الفريدة المتميزة عبر هارمونية المزج الناعم بين الواقع والفانتازيا، العبث والخيال، الثورة والصمت والكوميديا والجروتسك.

تدور الأحداث الكبرى فى إطار جروتسكى الملامح، مأساوىالرؤية، بريختى الصياغة، يضع الملتقى فى مواجهة  مع وجود افتقد المعنى والهدف والدلالة، حيث تأتى المسرحية كمفارقة درامية تتصاعد بالجدل حول ما حدث فى مصر منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن، المستويات الزمنية تتداخل ببساطة مبهرة، والبناء الدرامى يتحرك عبر صياغة مركبة، ولا يمكن قراءة التجربة فى خلال علاقة الزواج بين العجوز الثرى والشابة الصغيرة المعذبة باعتبار أن التفاصيل الغزيرة تكشف الأبعاد الدالة للرؤى الأعمق، وفى هذا الإطار يأخذنا التشكيل السينوغرافى إلى شقة العروسين، الضوء يشاغب المرايا، وموجات اللون الأحمر تبعث إيحاءات غامضة، الخطوط التجريدية لأجساد البشر على البانوهات تثير شغفا وجوديا مخيفا، وإيقاعات الرمز والفانتازيا تفجر التساؤلات حول السرير الأنيق المعلق، بينما تشتبك المرجيحة الحمراء على اليمين مع الساعة الضخمة على اليسار، ليصبح المزمن عبثيا قاسيا، والوجود محكوما بالغياب والعدم.

فى هذا السياق الذى تمتد دلالاته إلى الجمهور نعايش دهشة اللقاء الأول ونتعرف على تفاصيل وملامح الشخصيات، فقد تزوجت أمل هذا الرجل دون أن تعرف عنه شيئا، دفعها الفقر والاحتياج إلى قبوله، والدلالات تشير إلى واقع اجتماعى واقتصادى شرس، وتظل الكوريوجرافيا تشاغب السرير،  بينما يتخذ الحوار مسارا جروتسكيا خشنا يموج بالإيحاءات والكوميديا، وعبر جماليات لغة الإخراج تندفع تيارات الأعماق وترتبط بسحر الفلاش باك، حين تتبلور عذابات أمل وانقسامات روحها ووعيها، فترى لنفسها فى المرآة صورا وأطيافا عديدة.. تؤكد أنها مكسورة مهزومة ومحطمة.. ثم يتردد ذلك الصوت الساحر الجميل عيش حرية.. عدالة، وفى بؤرة الضوء الكاشف يظهر الشاب القوى صلاح الحبيب الساكن فى عمق أعماق أمل، تطلب منه أن يرحل ويساعدها وينساها فيؤكد لها أنه قدرها ولن تهرب منه أبدا، رغم هزائم الثورة والميدان والحب الذى كان.

يعود الزوج وتدق الساعة الضخمة ونرى تلك الفتاة الآلية الصغيرة ابنة الزمن والبرودة والوعى والصقيع، تقرأ جيدا رءوس الناس وأفكارهم وتفجر بقوة موجات التناقضات والكوميديا حيث يتم توظيفها دراميا وإخراجيا لتكثيف العديد من الدلالات السياسية، وكشف خواء الزوج واهترائه وعبر ايقاعات الوهج نعلم أن الثرى العجوز اختار «أمل» من الفيس بوك، دخل حسابها الخاص واخترق الإنبوكس وعرف أنها بلا خبايا ولا اسرار ولا علاقات لذلك قرر أن يتزوجها، لكن المفارقة الكبرى التى يكشفها امتداد الأحداث هى أن «أمل» تحمل فى احشائها طفل حبيبها الثائر صلاح، وفى سياق متصل يكشف الحوار أن ثراء الزوج يأتى من عمله كمتظاهر يهتف بقوة فىالمظاهرات ليس مع أحد ولا ضد أحد، هو مع الكل وكرم ربنا كبير، وذلك كما يشير هذا الكيان الفارغ الذى باع وجوده لشياطين الواقع وأصبح بلا روح ولا معنى.

تمتد ايقاعات الجمال وثورة الدلالات ويأخذنا الضوء والغناء والأدباء إلى تلك اللحظة الفاصلة حين يكشف الزوج بوضوح عن عجزه الجنسى والإنسانى وعن طبيعة سلوكه الشاذ مع الكاميرا والشات والنساء، ويقنع زوجته أن تمارس معه نفس لعبة السقوط، ليشهد المسرح حالة من التوتر الخلاب عبر أداء الزوجين للعديد من الشخصيات الباحثة عن وهم الحياة، تلك الحالة التى تشتبك وتتقاطع مع طيف «صلاح» الذى يطلب من «أمل» أن تحفظ فى قلبها حكايات الميدان، يحدثها عن بريخت والمهمشين والمثقفين ومن حركة التاريخ وحتمية التغيير، ويلمس المتلقى قسوة القهر والفقر، الذى حول كل أحلام «أمل» إلى كابوس مخيف ورغم أنها مارست على زوجها تسلطا عارما، إلا أنه يظل أسير عالمه الافتراضى عالم المهزومين والمكسورين، وحين انطلقت موجات الحياة وتردد صوت «صلاح» يدفعها إلى امتلاك ذاتها، أخذتنا لغة الإخراج إلى محاولات أمل أن تلملم شظايا الروح وتستعيد الوعى والوهج.. لكنها تفشل وتعجز، وترضخ لضحكات زوجها الهستيرية وهو يناديها ويهتز بعنف مع حركة المرجيحة.

هكذا تنتهى التجربة اللامعة التى شارك فيها النجم الفنان «عبدالرحيم حسن» الذى لعب دورا مركبا متعدد المستويات، فكان مشعا بالكاريزما والوهج وجماليات الأداء وحرارة التواصل مع الجمهور، أما الفنانة إيمان إمام فهى نجمة جميلة قادمة تمتلك الموهبة والنضج والحضور اللافت، ويذكر أن «نائل على» يمتلك طاقات الصعود والانطلاق وكذلك الجميلة المتميزة «وفاء السيد». كان الديكور للفنانة «رامة فاروق» والرؤية الموسيقية لـ«صلاح مصطفى».