فى معرض البريدى وأسعد لوحات من العرائس.. وخيامية بروح فنان الشعب حجازى صلاح بيصار   هم فنانون يبدعون فى اوقات الفراغ بعيدا عن الاضواء.. يفرزون احاسيسهم بحب وصدق فى ظلال

502

فى معرض البريدى وأسعد

لوحات من العرائس.. وخيامية بروح فنان الشعب حجازى

صلاح بيصار

 

هم فنانون يبدعون فى اوقات الفراغ بعيدا عن الاضواء.. يفرزون احاسيسهم بحب وصدق فى ظلال وخطوط منغمة والوان صداحة.. وبلا ضجيج وفى صمت شديد ينساب فنهم اصيلا نابعا من اعماق شفافة.

هم بدائيو العصر الحديث بتعبير الشاعر الكبير ابو لينيير «1880-1918» اصحاب مدرسة الفن الفطرى.. اعتمدوا فى فنهم على دوافع اصيلة.. بعيدا عن تعاليم معاهد الفنون الجميلة وبعيدا عن ملامسة المدارس الفنية المعاصرة.. يطلق على فنهم «الفن الخام».

لذا يعد الفن الفطرى فن القلوب البيضاء اصحاب اللمسة التلقائية البريئة فن لا يكذب ولا يتجمل.. وكان بيكاسو تربطه صداقة كبيرة بـ«أبو الفطريين» هنرى روسو تقديرا لفنه.

والعجيب انهم يبدأون الابداع فى سن متأخرة.. حيث يتركون احلامهم وتفسيراتهم الغرائزية للظهور والانطلاق.. فهم يفصحون عن مشاعرهم بلغة تلقائية فطرية لا تشوبها التعليمات المدرسية ولا المهارات المحفوظة فتتميز اعمالهم بالطلاقة والبراءة وعدم المواراة حيث يهفون الى الجنة العذراء والفردوس المفقود.

وقد ظهرت اسماء كثيرة من الفنانين الفطريين المصريين امتدت اعمالهم بين النحت والتصوير بدءا من محمود اللبان بائع اللبن ومحمد على ضابط الايقاع ومبروك اسماعيل مبروك صانع الفخار الى رمضان سويلم الفلاح والخيال الذى يروض الحصان على دقات الطبول وحسن الشرق البقال ولويس توفيق الترزى.. وبينهم اسماء اخرى كثيرة.

فى ساقية الصاوى بالزمالك اقيم بقاعة «الارض» معرضا لاثنين من نجوم الفن الفطرى: الفنان ابراهيم البريدى الموظف بالتربية والتعليم الذى شكل عرائسه المصرية على سطوح صداحة باللون وخامات من البيئة الشعبية فى توليفات من الحصير وورق الكوريشة الملون والورود مع قصاقيص القماش وقد اضاف فى هذا المعرض قماش الخيامية بالوانه وزخارفه الاسلامية.. اما الفنان محمود اسعد «بشركة المطروقات» فقد قدم لوحات من الخيامية ابدعها من وحى رسوم فنان الشعب «حجازى» رائد المدرسة المصرية الحديثة فى فن الكاريكاتير مع صلاح جاهين.. فأضاف بعدا آخر بحسه التلقائى الى رسوم الفنان الكبير.

أبو الفن الفطرى

وإذا كنا بصدد الحديث عن اثنين من الفنانين الفطريين فمن المهم ذكر الفنان هنرى روسو ابو الفطريين فى العالم.. وهو من اعظم رواد الفن الحديث على حد تعبير هربرت ريد فى كتابه «معنى الفن» ومن اكثر الشخصيات اهمية فى تاريخ الفن المعاصر وذلك بعد سيزان وفان جوخ وجوجان.

ولد فى لافال بفرنسا عام 1844 واتسم رسمه بالبدائية والبساطة واشهر ما يعرف عنه أنه علم نفسه بنفسه حيث كان موظفا فى مصلحة الجمارك.. وكان يمارس الرسم حين يرجع من العمل وظل يمارسه فى دأب بعد عودته من العمل.. وكان ان اقام له بيكاسو حفل عشاء على شرفه فى الاستديو الخاص به بحى «مونمارتر» كما اخذت اعماله تثير اهتمام الفنانين الشبان فى ذلك الوقت مع بيكاسو مثل ديران وفلامنك وديلونى.. اشتهر روسو برسم مناظر الغابات وله الكثير من اللوحات المشهورة منها: الغجرى النائم وهى لوحة كبيرة ذات ألوان مشعة تعبر عن انسان اشبه بالبدوى نائم فى عرض الصحراء وقربه اسد يتشمم فيه رائحة الحياة.. كما صور المهرجون المرحون وساحر الثعابين.. على ان قمة عبقريته جاءت من مناظره الغريبة وهى تخيلات الغابة العذراء.. ومع تزايد الاهتمام بالفن الفطرى اقامت تشيكوسلوفاكيا فى مدينة براتسلافا معرضا دوليا فى المتحف الوطنى السلوفاكى ينظم كل 3 سنوات «ترينالى» بالتعاون مع اليونسكو وبدا اولى دوراته عام 1966 وسميت الجائزة الكبرى لهذا المعرض باسم «روسو الجمركى» اعترافا بريادته لتلك الملامح والسمات التى اتفق على تسميتها بالفن الفطرى.

 لوحات للعرائس

الفنان ابراهيم البريدى يعد واحدا من فنانينا الفطريين وقد شكل لنفسه مساحة متميزة بدأبه الشديد ووعيه البديهى واصراره على التفرد.. وهو يرسم مثلما يتنفس ويكتفى بمتعة الابداع دون النظر للنتائج وفى معرضه الذى اقيم بساقية الصاوى مع محمود اسعد قدم اكثر من عشرين لوحة تنوعت فى مساحاتها تعد حديقة لونية ودنيا من الانغام والالحان المرئية اهم ما يميزها البساطة والطلاقة والعفوية الشديدة والحس الفطرى الذى يقترب من رسوم الاطفال والعجيب ان ادواته لاكثر من معرض لم تكن الفرش والاقلام والالوان ولكن كانت وسيلته فى التعبير ابرة وشلالات الخيوط مع قطع ومزقات من القماش السادة والمنقوش والمشجر والمزخرف والمنمنم تشكلت بمثابة ايقاعات مسكونة بأناقة التشكيل وجمال التعبير.

وابراهيم البريدى بحكم مولده ونشأته باحدى قرى الغربية «قرية صرد» بالقرب من مدينة طنطا.. عاش طفولته مشبعا بكل الصور الشعبية التى تقام فى المناسبات العديدة من طقوس السبوع والميلاد وافراح الزواج مع مباهج الليلة الكبيرة «ليلة المولد» والتى تقام فى موعد وميقات ثابت من كل عام بمولد سيدى احمد البدوى وقد فتح عينيه على لعبة الونش وشجيع السيما والنيشان والاراجوز والفرق الموسيقية مع الراقصات الشعبيات و«الغوازى» وجسد كل هذا فى لوحات من قصاصات القماش على خلفيات من الخيش الملون جمع فيها بين التسطيح والتجسيم لكن فى هذا المعرض برزت عرائسه على سطوح لوحاته من المساحات والابعاد والمسافات.. والتشكيلات المجسمة لتلك العرائس التى برزت على السطح تذكرنا بما كانت تقدمه البنات اجمل الكائنات من عرائس الطفولة.. والجديد فى المعرض مزج العرائس بالاراجوز.. تلك الشخصية الشعبية المحببة والتى نجحت فى مداعبة خيال الاطفال والكبار بحواراتها الذكية اللماحة والتى تعكس للروح الشعبية كما امتدت الى مساحات من الخيال الفنتازى تتحاور فيه الاطفال مع الاسماك والاهلة وتبدو عرائسه طائرة فى الفضاء محلقة فى الافق.. عرائس من البهجة صور فيها الامومة والطفولة كما فى«ولد وبنت وزهرة» و«لعبة الحبل» و«ثلاث بنات» و«طفلة وعروسة وطائر» و«ست بنات» بدت فى نظم افقى وغيرها وكلها صور من الحياة ومرح الطفولة تتوهج بسحر الالوان المباشرة الصداحة من الاحمر النارى والكحلى والازرق البحرى والاخضر العشبى والاصفر الناعس والابيض البرىء جاءت كلها من قصاقيص النسيج باختيارات الفنان كما اضاف فى الخلفيات قماش الخيامية بنقوشه وزخارفه وتألقه.

حجازى وأسعد

يعد الفنان احمد حجازى «1936 -2011» بحق فنان الشعب وقد رحل بعد ان ابهج واضحك وامتع واوجع واحدث انقابا فى الكاريكاتير المصرى الحديث مع صلاح جاهين.. وشكل اسطورته من تلك البساطة المتناهية التى تعيد سيرة السهل بخطوطه التى كانت تنساب بريشة فصيحة ريشة فيلسوف تضىء على حياتنا السياسية والاجتماعية.

ولاشك ان هناك علاقة كبيرة بين بيرم التونسى وحجازى حتى ان اشعار بيرم نجدها فى خطوط حجازى وكأنها تتطابق بين نغم الكلمة ونغم التشكيل بالخطوط.. وكلاهما كان يستقى عالمه من معين واحد.. معين الابداع الشعبى. يقول حجازى : «لا اعرف بالضبط ماذا كنت احب ان اعمل لو لم اكن رساما.. ولقد تعلمت الرسم من كل من سبقونى وكل من جاءوا بعدى.. وتعلمت بطبيعة الحال من صلاح جاهين اكثر مما تعلمت.. فهو الذى أنشأ التحول الاساسى فى خط الكاريكاتير المصرى مغيرا اسلوب الخطوط بحيث تكون اكثر تعبيرا وعمقا ومباشرة».

صور حجازى الشخصية المصرية بكل ملامحها وتعرض الى ادق تفاصيل الحياة اليومية وتناول المرأة والزواج والحب والامية والمخدرات والريف والمدينة والمواصلات والطلاق والزواج ودنيا الموظفين وبنت الجامعة وسى السيد فى البيت وعالم الفن.

ومع مسلسل تنابلة الصبيان الذى قدمه بمجلة سمير فى الستينات رسم عشرات من كتب الاطفال الجميلة لدار المعارف ودار الهلال ومؤسسة روزاليوسف ودار الفتى العربى والدار المصرية اللبنانية كل هذا بريشة شديدة الخصوصية جعلت منه «ديك برونا» مصر فقيمته تتوازى مع الفنان الهولندى الشهير واقبال الاطفال والكبار على كتبه ليس له منافس.

ومن هنا انجذب فنان الخيامية محمود اسعد لعالم حجازى خاصة ابداعاته للاطفال وخطوطه البسيطة العميقة.. وهو يقول : حجازى جوهرة نعتز بها.. ويعتز به وبرسومه ابناء الشعب المصرى وقد بهرتنى رسومه للاطفال فهو يداعب خيال الكبار والصغار.

وقد تألقت الخيامية بألوانها الصداحة مع انسيابية الخطوط التى تشكلت من رسوم حجازى المدهشة: مثلما نرى اسدا وفوقه ارنب وحمامة محلقة وطفلا مسترخيا فى سلام تحت رجليه.. وخمسة دجاجات بشكل رأسى ودجاجة تقفز بطواعية فى مقلاة الزيت.. وولدا وبنتا.. الولد يحمل عظاما وفوقها كلب والبنت تحمل اسماكا وفوقها قط.. وعمود النور ينبت زهورا وطفلة تحمل اصيصا يانع الزهور وابن البلد يمسك ابنه بيد واخيه فوقه يمسكه بيد اخرى ناتئة من جنبه.. انه عالم خيالى عالم من الفنتازيا يقترب من السريالية.. والجميل ان جاء توقيع حجازى على يمين اللوحة واسعد على يسارها هكذا اراد محمود اسعد احتراما لحجازى فى معرض يحمل اسمه جاء بعنوان: «والله زمان يا حجازى »!

لذا نهدى معرض الفنانين البريدى واسعد لهيئة قصور الثقافة ورئيسها الدكتور ابو الفضل بدران.. ليطوف محافظات مصر.. فهو يمثل عمق العلاقة بين الفن والمجتمع.. وايضا يمثل المعنى الحقيقى للثقافة الجماهيرية او ثقافة الشعب فى وقت نبحث فيه عن الدور والوظيفة لهيئة قصور الثقافة وكيف تصل الثقافة بتنوعها من الفكر والفن الى ابناء الاقاليم وكيف يتواصلون مع سحر الابداع البديهى.. الذى يخاطب الوجدان.. والا فما معنى الثقافة الجماهيرية واهمية وجودها ودورها البحث والتنقيب عن مثل هؤلاء الفنانين ورعاية فنهم.

فى معرض ابراهيم البريدى ومحمود اسعد نعيش متعة الفرجة الشعبية والتى نسترجع خلالها طفولتنا وطفولة الاشياء من حولنا.. نعيش هذا الهدوء الحالم الذى ينبض بالحيوية والحركة والصدق الشديد.. تحية الى جنة الالوان فى نسيج من الانغام.