بعد ما قدم أوركسترا مارينسكى الروسى حفلا على مسرح تدمر الأثري الحرب والفن ومغزى رسالة بوتين/جيرجييف للعالم محمد صالح   حينما تتعامل مع سياسى محنك بحجم الرئيس الروسى فلاديمير

تدمر

 

2200

بعد ما قدم أوركسترا مارينسكى الروسى حفلا على مسرح تدمر الأثري

الحرب والفن ومغزى رسالة بوتين/جيرجييف للعالم

محمد صالح

 

حينما تتعامل مع سياسى محنك بحجم الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، فعليك أن تدرك تماما أنك بصدد شخص موهبته الأساسية هى السياسة. السياسة بكل ألاعيبها ومرونتها ومنطقيتها وقذارتها وقسوتها، بل فسادها وقدرتها الدائمة على البيع والشراء وإعلاء المصلحة الوطنية/الحزبية/الشخصية على أى قيم ومبادئ أخرى. لا يستطيع أحدا إنكار ضحايا الحرب الشيشانية الثانية من الطرفين، لا ينكر أحد النزعة الشوفينية الروسية بعد سنوات من حكم القيصر الروسي/ بوتين، لكن أحدا على الجانب الآخر لا يستطيع أن ينكر الحالة الروسية المتماسكة داخليا عقب انهيارات يلتسين الاقتصادية والسياسية والسعى طوال الوقت إلى إرضاء الشريك الغربي/الأمريكي/الأوروبي، رغم كل الحصار ضد روسيا يقف بوتين حائطا منيعا أمام الناتو المتمدد نحو الشرق بعد سنوات من التهاون وغض الطرف عن التمدد الغربى ليصل تأثيره وتوابع تأثيره لكل أوروبا الشرقية ثم جيورجيا ومولدافيا ومؤخرا أوكرانيا، يحظى بوتين بتأييد شعبى كاسح (وصلت شعبية بوتين أثناء عملية ضم شبه جزيرة القرم فى ٢٠١٤ إلى ٨٤٪، الأمر الذى جعل مسألة ضم شبه جزيرة القرم مسألة محسومة داخليا) كذلك فالتدخل الروسى فى جنوب أوسيتيا والحرب مع جيورجيا فى ٢٠٠٨، ومؤخرا التدخل فى سوريا أثبت للعالم أن روسيا قادرة على الفعل وتغيير المعادلات الإقليمية دون رد فعل دولى سوى الشجب والإدانة والترقّب والقلق. إنها لغة القوة التى يملكها بوتين على الرغم من أن إسهام الاقتصاد الروسى فى الاقتصاد العالمى محدود للغاية (تشغل روسيا المركز الثانى عشر على العالم) لكنها ليست قوة السلاح فحسب، وإنما قوة برنامج الفضاء واتساع انتشار المعرفة والبحث العلمى والفنون والثقافة، وهى بلا شك أسلحة تغيّر معادلات الاقتصاد لصالح روسيا. لا يفوت بوتين بين الحين والآخر أن يرسل برسائل لـ”شركائه” فى الغرب كما يحب دائما أن يسميهم فى أحاديثه.

إحدى تلك الرسائل كانت رسالته أثناء المؤتمر الصحفى بأيرلندا مع رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون صيف ٢٠١٣ حينما قال إجابة على أحد الصحفيين البريطانيين: “أعتقد أنك توافقنى على أن الدم يلطخ جانبى الصراع، ودائما ما يطرح السؤال: من المذنب؟ لا أظن أنك ستعترض على إدانة من لا يكتفى بقتل أعدائه، وإنما يشقون بطونهم ويأكلون أحشاءهم على مرأى ومسمع من الجمهور وأمام الكاميرات. هل هؤلاء من تريدون دعمهم؟ هل هؤلاء من تريدون دعمهم بالسلاح؟ ذلك يتناقض مع القيم الإنسانية التى تعرفها أوروبا لمئات السنين، على الأقل فى روسيا نحن لا نستطيع أن نتصوّر ذلك”. كذلك إجابة بشأن إدوارد سنودن (الموظف السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذى طلب اللجوء إلى روسيا) عام ٢٠١٤ قال بوتين: “بذلك وجدنا السيد سنودن على أراضينا فى منطقة الترانزيت، ماذا عسانا أن نفعل؟ إن روسيا ليست الدولة التى تسلّم أحد المناضلين المدافعين عن حقوق الإنسان.”

فى سوريا الخميس الماضى ٥ مايو ٢٠١٦ قدم أوركسترا مسرح مارينسكى بقيادة فاليرى جيرجييف سيمفونية بروكوفييف الأولى، وأعمال لباخ وشيدرين على المسرح الرومانى فى مدينة تدمر عقب ما اعلنه الجيش النظامى السورى عن “تحريرها” بالتعاون مع القوات المسلحة الروسية.

حمل الحفل عنوان “الصلاة من أجل تدمر، الموسيقى تحيى الجدران العتيقة”. وأعرب بوتين عن تقديره الشديد لمبادرة جيرجييف، واعتبرها تضامنا من الفنانين فى محاربة الإرهاب، ووقوفا إلى جانب الشعوب فى دفاعها عن حضاراتها الإنسانية.

مسرح الدولة الأكاديمى للأوبرا والباليه الشهير بـ“مسرح مارينسكي” فى مدينة بطرسبرغ والحاصل على وسام لينين ووسام ثورة أكتوبر، والذى كان حتى عام ١٩٩٢ يحمل اسم مسرح كيروف (نسبة إلى سيرجى كيروف الثورى الشهير المنتمى للمكتب السياسى للجنة المركزية للحزب الشيوعى السوفييتى والذى كان حاصلا على وسام لينين لإسهاماته العظيمة فى إعادة بناء وهيكلة قطاع النفط فى الاتحاد السوفييتي، وتسبب مقتله فى الأول من ديسمبر عام ١٩٣٤بحدوث تغييرات جذرية فى القوانين والتشريعات الجنائية فى الاتحاد السوفييتى وبداية ما سمى فيما بعد بـ”عصر الإرهاب” وعصر التطهير الأعظم والقمع والاضطهاد السياسى التى نفذها ستالين منتصف الثلاثينات من القرن الماضي)

أنشأت هذا المسرح الامبراطورة يكاتيرينا العظمى قيصرة روسيا عام ١٧٨٣وسمى فيما بعد بمسرح مارينسكى نسبة إلى زوجة القيصر أليكساندر الثانى ماريا أليكساندروفنا ١٨٥٩. يشغل فاليرى جيرجييف منصب القائد الأساسى لمسرح مارينسكى للأوبرا والباليه منذ عام ١٩٨٨، وقد عاد اسم المسرح إلى الاسم الأصلى بعد انهيار الاتحاد السوفييتى ومواكبة مع عودة اسم مدينة بطرسبرغ لاسمها الأصلى (١٩٢٤-١٩٩١ سميت المدينة بـ”لينينجراد” نسبة إلى فلاديمير لينين)

على خشبة هذا المسرح قدمت العروض الأولى لأوبرات “بوريس جودونوف” موسورجسكي، “فتاة الثلج” ريمسكى كورساكوف، “الأمير إيجور” بورودين، “ملكة البستوني” تشايكوفسكي، وكذلك على هذا المسرح قدم مصمم الرقصات الشهير ماريوس بيتيبا باليهات “جيزيل” و”القرصان” ومع تشايكوفسكى قام الثنائى بتقديم باليهات “الجمال النائم”، ثم بالاشتراك مع مصمم الرقصات ليف إيفانوف باليه “كسارة البندق”، وكذلك عقب وفاة تشايكوفسكى حصل باليه “بحيرة البجع” على قبلة الحياة على خشبة مسرح المارينسكي. كذلك على خشبة ذلك المسرح عرضت السيمفونية السابعة لديمترى شوستاكوفيتش “لينينجراد” .

فاليرى جيرجييف قائد الأوركسترا يعد من الشخصيات الموسيقية المؤثرة فى المشهد الموسيقى الروسى والعالمي، فإلى جانب منصبه قائدا أساسيا لمسرح الأوبرا والباليه فى بطرسبرغ، يشغل جيرجييف منصب القائد الأساسى لفيلهارمونيا ميونيخ بألمانيا منذ عام ٢٠١٥، فى عام ٢٠١١ عُيّن مديرا لمسابقة تشايكوفسكي، واستطاع فتح آفاق جديدة للمسابقة بحيث أصبحت المسابقة تجرى فى مدينتى موسكو وبطرسبرغ على التوازي، ؛كما تعاقد مع شركة فرنسية لبث أحداث المسابقة على الهواء مباشرة ليشاهدها صيف العام الماضى ما يربو على ستة ملايين مشاهد فى ١٧٩ دولة عبر الإنترنت، كان فاليرى جيرجييف أحد ثمانى قادة فى بريطانيا عام ٢٠٠٧ يطلقون مانيفستو نشر الموسيقى الكلاسيكية بعنوان “البناء على الامتياز: أوركسترات القرن الواحد والعشرين” وهى حملة استهدفت طلبة المدارس البريطانية، والموسيقى الكلاسيكية فى بريطانيا. كان جريجييف ذو الأصول الأوسيتية (تعود أصوله إلى أوسيتيا الشمالية) من أولى الشخصيات العامة التى حاولت من تهدئة الموقف فى أزمة المحتجزين فى مدرسة بيسلان ٢٠٠٤، كما قدم العديد من الحفلات لإحياء ذكرى تلك المأساة، كذلك قاد جيرجييف أوركسترا مسرح مارينسكى فى مدينة تسخينفالى فى أوسيتيا الجنوبية لضحايا الحرب مع جورجيا عام ٢٠٠٨. فى مارس ٢٠١٤ شارك جيرجييف عددا من الشخصيات العامة للتوقيع على خطاب مفتوح لدعم التدخل العسكرى فى أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم..

فى نفس الحفل كان صوليست التشيللو الذى يعزف أمام الأوركسترا هو سيرجيى رالدوجين، الأب الروحى لماريا ابنة ڤلاديمير بوتين الذى ظهر اسمه المشتبه بهم فى عملية التسريب الأخير لـ ١١ مليون وثيقة من شركة موساك فونسيكا للخدمات القانونية فى بنما، ويشتبه فى نقله لمليارى دولار من البنوك الروسية للخارج (شغل رالدوجين منصب عميد الكونسرفتوار بمدينة بطرسبرج (٢٠٠٢-٢٠٠٤) وأسس “بيت الموسيقى” بمدينة بطرسبرغ وكذلك فهو أحد المساهمين بحصة ٣.٣٪ فى بنك روسيا البنك الشخصى لأصدقاء بوتين المقربين، ومؤخرا يشغل منصب مدير المركز التعليمى للأطفال الموهوبين ١١-١٥ سنة فى مجالات الرياضة والعلوم الطبيعية والموسيقى والباليه الذى تعود فكرته لڤلاديمير بوتين شخصيا)

تبدو المبادرة الفنية/الثقافية رسالة مهمة وواضحة وحساسة موجهة لعالم تلقّفها بنفس درجة الأهمية التى أرسلت بها، فأوركسترا مسرح المارينسكى هو أحد الأوركسترات العريقة والمهمة فى روسيا الاتحادية، وجيرجييف قائد مرموق بارز فى أوروبا والعالم، وكذلك فالرسالة تتضمن ضمن معانيها العميقة ضرورة وحيوية الفن كرسالة إنسانية، لكن الفن المحمول على الطائرة والمدمرة والدبابة هو فن يحمل برودة الثلوج فى سيبيريا ورسالة سياسية تتسم بوضوح يصل إلى حد السذاجة. لقد أنقذنا الحضارة الإنسانية وهانحن نصلى من أجلها بأوركسترا سيمفونى لا علاقة بين ما يقدمه وبين المكان ولا الزمان ولا الإنسان، فلا الحضارة الرومانية هى حضارة أوروبا القرن الثامن عشر، ولا سوريا القرن الواحد والعشرين تشبه من قريب أو بعيد تشبه أجواء بتروجراد عام ١٩١٨ وقت تقديم السمفونية الأولى لبروكوفييف للمرة الأولى، ولا المستمعون من الشعب السورى قادرون على استيعاب موسيقى روديون شيدرين بينما تدور رحى الحرب على بعد كيلومترات من تدمر. على الرغم من ذلك فالرسالة مهمة، ومدعاة بحق للتفكير فى دور الفن والثقافة حتى أثناء الحروب والصراعات والثورات. إن روسيا متهمة بتدمير مستشفيات، وقتل مدنيين (شأنها فى ذلك شأن داعش والنصرة وجند الإسلام وأحرار الشام وكل التنظيمات والفصائل المنخرطة فى القتال فى سوريا) لكن روسيا فى الوقت نفسه أمنت عملية إخلاء المنطقة الأثرية فى تدمر من الألغام، وحررت إحدى درر تاريخ الحضارة الإنسانية فى تدمر (لقد امتلأت مواقع التواصل الاجتماعية بالحزن حينما دمرت بوابة معبد بعل شمين الشهيرة، لأن صورة تلك البوابة تزين كتاب التاريخ للصف الخامس الابتدائى فى المدارس الروسية وارتبطت الصورة فى أذهان الملايين من التلاميذ بتدمر وحضارتها) وقدمت حفلا هناك بأفضل موسيقييها، وفرقها السيمفونية.

إنه بوتين الزعيم الدموى القاتل المرعب يتدثر بعباءة الفن والثقافة ويمد يده ليحرر الحضارة الإنسانية من براثن الإرهاب الذى يتدثر هو الآخر بعباءة الإسلام ويطرح نفسه كدولة إسلامية تسعى لحكم العالم.

وتظل الأسئلة معلّقة:

هل بوتين وجيرجييف ورالدوجين ومن وراءهم بشار الأسد هم حقا قلعة الدفاع عن الثقافة والحضارة والفن والعلمانية؟

أم هل جبهة النصرة وجند الإسلام وأحرار الشام وغيرهم يدافعون حقا عن الثورة/الحرية؟

بل يبقى السؤال الأهم: هل الدولة الإسلامية حقا “دولة” و“إسلامية”؟

وفوق هذا وذاك يظل السؤال الوجودى الأزلي: هل تبرر الغاية الوسيلة؟