فى ذكرى الأربعين لرحيله تأملات عفو الخاطر والذاكرة فى بعض ملامح المشروع الفكرى لـ«على مبروك» ماجد يوسف   كان صالون «منير شريف» المثقف والمترجم والكاتب وهو فى الوقت نفسه «لواء

58

فى ذكرى الأربعين لرحيله

تأملات عفو الخاطر والذاكرة فى بعض ملامح المشروع الفكرى لـ«على مبروك»

ماجد يوسف

 

كان صالون «منير شريف» المثقف والمترجم والكاتب وهو فى الوقت نفسه «لواء الشرطة السابق» والذى وصل إلى مناصب عليا وحساسة فى وزارة الداخلية، فى وقت من الأوقات وحينما اقتضته طبيعة هذه المناصب فى لحظة ما «المس» – على الأقل- بالمثقفين والمعتقلين السياسيين وأصحاب الرأى على نحو أو آخر.. آثر – وبلا تردد لحظة واحدة- الانسحاب من منصبه تماما والاستقالة نهائيا رغم كل المضار المادية والمعنوية والترقوية التى من الممكن أن تعود عليه من هذا الموقف المستقيل فى مستحقاته ومعاش تقاعده واستكمال امتيازات ووجاهة وجوده بالخدمة حتى اللحظة الأخيرة، لكنه لم يتردد وهو الذى تخرج فى أثناء الخدمة فى قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب وكون علاقات واسعة وصداقات جمة بالعديد من المثقفين، وينتسب الآن لقسم الفلسفة عام «2013» ويعمل على انجاز رسالته للدكتوراه فى الفلسفة، هو الحاصل أيضا على جائزة الدولة التشجيعية فى ترجمة العلوم، حيث قام بترجمة أربعة من الكتب العلمية المهمة أغلبها للعالم الإنجليزى الشهير بول ديفيز وهى «الاقتراب من الله» و«كيف تبنى آلة زمن» و«أصل الحياة» والرابع «نسيج الحقيقة» لدافيد دويتس وقد صدرت تباعا عن المشروع القومى للترجمة واستحق عنها – وبها- الجائزة.

المهم كان هذا الصالون الشهير بشقة «منير شريف» بمنطقة العجوزة يقام على مدى سنوات اقتربت من العشر مرة فى كل اسبوعين وكان يتصدر نجومه الأساسيين الناقد والفنان التشكيلى عزالدين نجيب والعالم الفيزيائى الكبير وصاحب النظريات فى تطوير علم الصواريخ اللواء الدكتور المهندس «سمير والى» وطبيب الأسنان المتقاعد وصاحب الاهتمام الكبير والمتخصص بنظرية التطور الدكتور «سميح عيد»، والرأسمالى المستنير صاحب أو مدير واحد من أهم مصانع الزجاج بمدينة السادس من أكتوبر المهندس «محمد فتحى» والأستاذ الدكتور عالم الدواء والناشط والكاتب السياسى الكبير الدكتور «رؤوف حامد» واللواء المثقف «أحمد عمر» والذى اشترك- بعد الثورة- مع منير شريف فى تأليف كتاب «غواية السلطة.. الأمن واستشراف المستقبل» وقدم للكتاب الدكتور «على مبروك» والمثقف الإسلامى المستنير والمترجم والمقيم فى باريس بصفة شبه مستمرة «أحمد الشيخ» وهو صاحب العديد من الكتب المهمة المؤلفة والمترجمة فى قضايا الاستشراق وغيرها، ويحضرنى الآن بسرعة منها كتابة المترجم «من يجرؤ على نقد إسرائيل» للباحث الفرنسى الأشهر «بونيفاس» الذى دفع بدوره ثمنا غاليا لكتابة ذاك بضغوط معروفة ومتوقعة من اللوبى الصهيونى فى فرنسا، والأستاذ مصطفى كامل المحامى الكبير هذا بالإضافة إلى الشاعر كاتب هذه السطور والمفكر الناقد الباحث والأستاذ الجامعى فى قسم الفلسفة- جامعة القاهرة الدكتور على مبروك.

وطبعا كان يتعاقب باستمرار على هذا الصالون – فى كل مرة تقريبا- عشرات من الضيوف والأسماء اللامعة وكبار المثقفين المصريين والعرب.. كالمفكر اللبنانى فرحان صالح رئيس تحرير مجلة «الحداثة» اللبنانية ورئيس ومؤسس حلقة الحوار الثقافى فى لبنان وغيره من أعلام الثقافة العرب فى شتى الميادين والتخصصات والمجالات، لكن مساهماتهم – أو حضورهم فى الغالب «هذا الفريق الأخير أعنى» – كانت عابرة ووقتية ولعلها لا تتكرر فى معظم الأحيان.. أما المجموعة الأولى المشار إليها فهى المجموعة الأساسية الدائمة والمستمرة والمنتظمة، ولعلى أضيف إليهم الناقد النابه صالح السيد الذى انضم إليهم أخيرا.

المهم كان «على مبروك» دون شك القلب النووى الفاعل فى هذا الصالون بحيويته ونشاطه ومبادراته وأفكاره اللامعة باستمرار وقدرته على تحريك العقل واستثارة الفكر، وإيقاظ الجدل المفيد من سباته وهز المستقر من القيم والاطروحات والمعايير والمبادئ والأفكار ليعرض كل ذلك فى ضوء جديد مدهش ونور مختلف مثير دائما للنقاش والخلاف والحوار والجدل فيحرك المياه فى البركة الراكدة، ويهز بهدوء العقول المستتبة ويناوش بذكاء وروية القيم المستقرة… إلخ.

وكان مبروك- بهذه المثابة- أثير القلب صاحب الصالون منير شريف وللحقيقة فهما معا من ابتعثا وأقاما هذا الصالون ووضعا لبناته الأولى وتولياه بالعناية والرعاية والاهتمام حتى اشتد عوده واستقرت تقاليده واستوى على منطلقاته ومداميكه الأساسية وتحولت مواعيده إلى مناسبات شبه مقدسة لا يفلتها واحد من المجموعة بقصد ولا يتقاعس عن  حضورها إلا بعذر قاهر وسبب ملح.. ومن المفارقات الدالة أن تأخر أحدهما عن الآخر فى الرحيل عن الدنيا لم يطل كثيرا.. فهاهو «على مبروك» يلحق برفيقه وحبيبه «منير شريف» بعد اكتمال عام ونصف – بالكاد- على رحيل الأخير.. رحمهما الله معا رحمة واسعة.

– 2 –

كان من الطبيعى، وقد بدأت فعاليات الصالون مع بداية الألفية الثالثة تقريبا أن تكون المسألة المصرية هى الموضوع المطروح باستمرار للفحص والبحث والمناقشة والاجتهاد وإبداء الآراء وتبلورت المناقشات على تشعبها وتشابكاتها بين الاقتصادى والسياسى والاجتماعى والثقافى والتاريخى والفلسفى والأدبى.. إلخ. فى سؤال مركزى بدا أساسيا بل مفتاحا ضروريا للولوج إلى مفصل اللحظة الراهنة ومشكلاتها المتفاقمة ووضعيتها الملتبسة والذى من الممكن أن نلخصه فى هذه الصياغة: لماذا يبدو دائما أننا نعود إلى نقطة الصفر عند مناقشة مشكلة النهضة والأدق «النهوض» فرغم جهود المفكرين منذ رفاعة والأفغانى وعبده ولطفى السيد وطه حسين.. إلى آخره دائما ما نعود إلى نفس النقطة رغم مرور القرون والسنوات الطوال والعقود الممتدة.. بل لعلنا نرتد حتى عن سؤال النهضة وإجاباته! ما السر فى هذه العقدة التى لا تريد أن تتفكك أو تنحل لتحملنا إلى أفق مغاير ومستقبل جديد؟!

وأظن أن محاولة «على مبروك» على مدى رحلة الصالون كانت من أهم المحاولات للإجابة عن هذا السؤال وهو ما سأجتهد فى عرض بعض جوانبه فىهذا المقال كما فهمته عنه، مستعينا بالذاكرة الخربة حينا وبكتبه أحيانا وباسترجاع حماسته وحيويته وصدقه واجتهاده- وإن بفشل مؤكد امل أن أعذر فيه ليبقى لى شرف المحاولة – فى معظم الأحيان.

يرى «على مبروك» أن إجابة المفكرين العرب من شرقهم لغربهم.. من الأفغانى والطهطاوى وعبده والكواكبى إلى علال الفاسى وخير الدين التولستى إلى آخره، انحصرت باستمرار فى «البعد السياسى» وفى مواضعة «الاستبداد» تحديدا.. وأن حل معضلة الاستبداد السياسى هى المنوط بها حل معضلة الحركة الفاعلة نحو المستقبل أو الديمقراطية أو الحرية.. لأن هذا الحل – إن وجد- سيقيد السلطة بالقانون وسيضمن التداول السلمى للسلطة وقد كان هناك ما يشبه الإجماع من أعلام الفكر النهضوى «الإصلاحى» العربى والإسلامى على اعتماد هذه الآلية مهما تباينت ألوان الطيف الإصلاحية على هذا المستوى.. من سلفية.. إلى ليبرالية.. إلى يسارية إلى آخره، وان شروط النهضة عند هؤلاء جميعا تتبلور فى تجاوز الاستبداد الذى هو أصل التخلف وجذوره وأن نقيضه الضامن للحرية، والمقيد للسلطة بالقانون هو فى المقابل أصل النهضة.. أى أن شرط النهضة عند هؤلاء جميعا كان يتحدد بتجاوز الاستبداد لا غير.. وهنا جاء تبلور المشكل الأساسى لخطاب النهضة كمشكل «سياسى» لا «معرفى» وهذه ملاحظة أولى من «مبروك» لها ما بعدها – وبرغم ذلك يرى «مبروك» أن هذا الوعى «النهضوى» «الإصلاحى» لم يفلح فى تغيير الأوضاع القائمة على الاستبداد  إذا تجاوزنا عن بعض التغييرات الشكلية هنا وهناك، والتى لم تفلح فى تغيير البنية الأساسية للاستبداد فى طول العالم العربى وعرضه، ومن ثم كان لابد من مزيد من الحفر – بالمعنى الفوكوى- بحثا عن الأسباب العميقة القارة فى جوهر البنية الثقافية الأم المكونة للعقل العربى، والتى يعتبر «السياسى» – فى نهاية التحليل- مجرد تعبير ثانوى عنها أو تجل مباشر ومحدود لها وأنه ما لم يتم تفكيك هذه البنية العميقة القارة، فستصبح كل جهود التجديد والتحديث والتطوير السياسى – أو محاولة أى تطوير آخر – مجرد جهود شكلية خارجية لا تصل إلى العمق المكون وإلى البنية العميقة الصانعة لمنطق التفكير ولطبيعة الرؤية الشرقية وطريقة اشتغال العقل العربى الإسلامى، وبالتالى المكرسة لدوام الاستبداد وترسخه ونموه واستمراره وقدرته من ثم على التبرقع والتقنع بأزياء جديدة وعلى برقشة جوهرة القبيح بألوان براقة وخادعة وسطحية عن الحداثة والتجديد والحرية والديمقراطية لا تغير شيئا فى التجلى الأخير لمواضعة الاستبداد الشرقية!

ولذلك لم يعرف الخطاب العربى «النهضوى» إلا مجرد السعى إلى استعارة ونقل التنظيمات الأوروبية وبما يجرى تداوله فى فضائها من مفردات الدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها وذلك عبر المماثلة بينها وبين ما يراه- هذا الخطاب- موازيا لها فى هياكله التراثية القديمة، ساعيا بذلك إلى إزالة شبهة تناقضها مع الشرع!.. وهكذا دون أن يشغله الوعى بالسياق المعرفى الخاص الذى تبلورت فيه واكتملت هذه التنظيمات والمفاهيم فراح لذلك يستعيد مفاهيم – وبالمفارقة – انتهت إلى الانفصال فى مجالها الأصلى «الأوروبى» عن دلالتها الدينية بواسطة مفاهيمه التى لم تزل لصيقة بدلالاتها الدينية!

ومن هنا عجز هذا الخطاب وشقاء وعيه القاصر المجزوء ولسوء الحظ فإن هذه القراءة التى بادر بها الفكر العربى النهضوى وابتسر بها شروط نهضة أوروبا فى مجرد التنظيم السياسى تكاد أن تكون شكلية بل مغلوطة على نحو تام – كما المحنا- وذلك فيما يبدو أنه تأثير الوجه «التقنى/ العلموى» الذى تعرف منه هذا الفكر على أوروبا جيشا واسطولا ونظاما سياسيا ومصنعا.. إلى آخره.. والمفارقة.. أن الفكر الأوروبى نفسه كان فى الخلف من ذلك كله – من منظور النهضة العربية- متوازيا قابعا ومؤثرا وفاعلا ومحركا طيلة الوقت، لكن لا يلتفت إليه أحد من النهضويين على النحو الذى هو جدير به.. وهكذا راح الأفق النهضوى العربى يقرأ شروط نهضة أوروبا فى مجرد السياسة وليس فيما وراءها من ثقافة حداثية استطاعت خلخلة السائد والمستقر من المواريث المتكلسة لعصر ما قبل الحداثة.

ولهذا فإنهم راحوا يقرءون شروط نهضتهم «أى العقل العربى فى قراءته للتقدم الأوروبى» فى مجرد السياسة فقط وحتى بالمعنى البائس للسياسة من حيث تصورها مجرد تنظيمات ومؤسسات شكلية ووثائق براقة فارغة وليس باعتبارها التكثيف الأعلى لجملة النشاطات الثقافية والروحية والفكرية التى ينتظمها التطور الخاص بالواقع والوعى الجوهرى به.

وهكذا -يقول على مبروك:

«دون أن يشغله – هذا الخطاب النهضوى العربى الإصلاحى- الوعى بالسياق المعرفى الخاص الذى تبلورت فيه واكتملت من خلال معاركاته مع الواقع الأوروبى فى مراحله المتطاولة من عصوره الوسطى وحتى عصر نهضته هذه التنظيمات والمفاهيم والحلول فى إطار من حركة جدلية قاسية مدفوعة الثمن الباهظ مع الواقع واعتمالاته».

ومن ثم وفى إطار من هذا الترسم السطحى للمنجز السياسى الأوروبى شهد العالم العربى تجارب حزبية وبرلمانية متفاوتة القيمة والتأثير لكنها – وخصوصا بعد العجز عن انجاز الاستقلال وتفاقم حدة الأوضاع الاجتماعية – سرعان ما انحسرت تماما فىالخمسينات تقريبا حيث شهد العالم العربى موجة من الانقلابات العسكرية وعاد الاستبداد رغم محاولات البعض زخرفته، واسباغ الأوصاف البراقة الجذابة عليه من مثل «الاستبداد العادل» أو العدل المستبد!

وإزاء هذا الاخفاق الشامل فإن البعض قد مضى يتأمل فى مدى ملاءمة الوضع الاجتماعى السائد أو حتى طبيعة الدول العربية الراهنة.. لبناء الديمقراطية الحقة وهكذا وصل الترسم للنموذج الأوروبى إلى حد قول البعض «وهى تيارات واتجاهات وأحزاب سياسية لا يستهان بها فى واقعنا العربى المتلاطم».. وقياسا على كون الديمقراطية الأوروبية قد اكتمل نضجها بتبلور الطبقة الوسطى ونمو وعيها إلى أن مأزق الديمقراطية فى العالم العربى يرتبط بضعف الطبقة الوسطى وهشاشة وعيها وهلاميته وبالتالى عجزها عن القيام بدورها التاريخى الثورى المفترض خصوصا أن الطبيعة «التابعة» للطبقة الوسطى «العربية» وعجزها عن القيام بمهام التنمية القائمة على تنظيم وتطوير وتحكم فى فائض القيمة، والذى تحول فى النتيحة النهائية إلى أن يصب – هذا الفائض- فى الخارج دون اعتبار لتطوير داخلى أو توفير خدمات داخلية، أو تلبية الحاجات الأساسية للسكان بما فاقم من ضعف المجتمع بمشاكله المتزايدة، وباعتماد أكثر على الخارج لطلب المساعدة والحماية وكل هذا وكثير غيره كان من العوائق الموضوعية لقيام نظام ديمقراطى حقيقى – كما يقول على أومليل- ولا ينكر «على مبروك» قيمة بعض هذه التحليلات وجدتها فى هذا الإطار، ولكنه يأخذ عليها أنها لم تتجاوز «موضوع الاستبداد السياسى» فى نهاية التحليل،  بتجلياتها وتشكلاتها المختلفة إلى الحفر وراءها عما هو «ثقافى» باعتبار أن الثقافى – من منظور مبروك- يؤسس «عميقا» لكل ما هو سياسى.

والحق أن ظروف الإخفاق الراهن – فى المسألة الديمقراطية وغيرها – تقتضى الحفر فيما وراء كل ممارسة عن جملة المفاهيم والتصورات المعرفية المؤسسة لها فى العمق والتى تفعل فعلها- غالبا- على نحو غير مشعور أو موعى به».

ويخلص على مبروك فى هذا الجزء من رؤيته المهمة إلى أن الشروط المنتجة للإخفاق فى قراءة الواقع وتحليله ورصد مكامن الداء فيه ستبقى قائمة ومستمرة فى العمق بلا أية قدرة أو استطاعة على تجاوزها ما لم نقم جميعا بهذا الجهد الضرورى والمعرفى أساسا، فى البحث عن أسباب ذلك فى البنية العميقة لثقافتنا بمعنى البنية القارة المؤسسة لهذه الثقافة، ولطرائق التفكير تلك التى بناء عليها نتعاطى بهذه الطريقة الشائهة نفسها مع مشاكلنا جميعا.. السياسى منها والاجتماعى والفكرى وغير ذلك وأنه ما لم نصل بحفرنا المعرفى إلى هذه الجذور القارة عميقا فى بنية تفكيرنا لتفكيكها وتجليتها وعرضها فى ضوء الشمس الساطع فلن نتمكن من التخلص من مأزق النهضة الماثل، والمتبلور كما قلنا عدة مرات- فى العودة باستمرار إلى نقطة الصفر لأننا لا نقرب الجوهر وإنما نقف عند الشكل ولا نضرب فى الجذور العفنة وإنما نكتفى بمحاولة تلميع الأوراق ولا نصل إلى أصل الشجرة، بل نتوقف عند ثمارها التى نريدها جاهزة ودانية القطوف باستمرار هكذا تعودنا من منطق التعامل مع المنجز الأوروبى!

ومن هنا – يقول مبروك – بضرورة البحث عما يؤسس لغياب كل ما هو إنسانى وديمقراطى من عالمنا.. فى بنية الثقافة السائدة وليس فى مجرد الشرط السياسى والاجتماعى ولعل ذلك لا غيره هو الرهان.

ولا بأس أن نستمع لكلمات «على مبروك» نفسه فى ختام هذه الفقرة:

من هنا – إذن أعنى من خطاب عربى تراثى استحال فيه التسلط إلى ثابت بنيوى لا يمكن نفيه إلا عبر نفى الخطاب ذاته.. ومن خطاب عربى معاصر لا يعرف إلا النبذ المتبادل بين نماذجه وتشكلاته الأيديولوجية يأتى غياب الديمقراطية.. ودون الوعى بهذا الذى يؤسس لغيابها فى العمق – توطئة  لخلخلته وزحزحته – فإن لا سبيل للحديث عن أفق للتطور الديمقراطى فى العالم العربى.. وهكذا فإنه لا سبيل لأى تطور ديمقراطى عربى إلا عبر تحليل وتفكيك الجذور التراثية لتسلط من جهة وتجاوز الأزمة الشاملة للخطاب العربى المعاصر من جهة أخرى.. تلك الأزمة التى تتبدى مائلة فى اكتفائه بمجرد الاستهلاك الأيديولوجى لمفاهيم النهضة ومن بينها الديمقراطية، والعجز عن إنتاجها معرفيا فى حقله الخاص.

ولقد بدا أنه لا سبيل للوعى بما يؤسس لهذه الأزمة إلا عبر ضرب من الحفر المعرفى يتجاوز تبدلات الاشكال الأيديولوجية عند سطح الخطاب إلى ذلك الثابت القار  خلفها، ينتظمها ويتحكم فى تطورها وتدهورها، إذ الوعى بهذا الثابت العميق هو نقطة البدء فى عمل يتوجه إلى اجتثاث كل ما يحول دون إنتاج الديمقراطية وغيرها من مفاهيم النهضة فى بنية الثقافة السائدة.

ولعل عملا كهذا هو عمل أكثر جدوى من مجرد الدعوة السياسية على أهميتها بالقطع إلى بناء المؤسسات السياسية والدستورية فى الواقع.

إذ الحق أن الجذر المؤسس للتسلط يقوم كما اشرنا لا فى الواقع بل فى بنية ثقافة لا تعرف إلا النفى والإزاحة والإقصاء وليس النقد والتفاعل والاستيعاب الأمر الذى يعنى ضرورة التفكيك المعرفى للتسلط فى وعى الخطاب، أو حتى لا وعيه وليس فى مجرد الواقع.

ولعل عدم انجاز هذا التفكيك للتسلط فيما هو معرفى سيظل حائلا دون تبلور ديمقراطى أصيل وعلى هذا فإن أزمة الديمقراطية فى العالم العربى ليست أزمة تنظيمات أو وثائق سياسية ودساتير بقدر ما هى أزمة ثقافة لا تنتج غير التسلط ومن هنا فإن تطور الديمقراطية مشروط لا بمجرد النقد السياسى الذى تمارسه فصائل المعارضة للأنظمة السياسية المستبدة فى عالمنا بقدر ما هو مشروط بضرب من نقد لثقافة الاستبداد ذاتها، فدون هذا النقد الأخير لن ينتج الخطاب غير الاستبداد حتى وهو يفكر فى الديمقراطية.

وهكذا فإن الأفق الممكن لتطور الديمقراطية فى العالم العربى هو أفق الثقافة لا السياسة.

– 3 –

فى تتبعنا لرحلة الحفر المعرفى التى يقوم بها «على مبروك» بحثا عن الجذر الكامن عميقا والمعوق – جوهريا- للعقل العربى حتى يخرج من الدائرة الجهنمية لطرح نفس الأسئلة بعد كل فترة يبدو فيها – شكليا- وأنه قد اندفع فيها للأمام ليدرك بعد حين يطول أو يقصر «هذا العقل» أنه فى مرحلة اعتمال فى المحل وحركة خادعة «على الواقف» لا تقدم إن لم تكن تؤخر، ودائما ما يكون السؤال المستعصى بصيغ لا نهائية «لماذا تخلف المسلمون / العرب/ المصريون؟.. ولماذا تقدم غيرهم؟» وكان «مبروك» قد وصل فى رحلة بحثه الدؤوب عن أسباب ذلك – كما أشرنا فى نهاية الفقرة السابقة إلى أن العائق بالأساس «ثقافى» وليس «سياسيا» وان علينا أن نبحث عن هذا الجذر بقراءة عميقة وبصيرة وممعنة فى تراثنا، باعتباره الأصل المكون والبوتقة المشكلة والعنصر الأفضل فى خلق نمط التفكير وطبيعة الإدراك، ومنطق الفهم للوجود بتفاصيله من حولنا، ومن ثم اشتعال الوعى على أساسه.

والفكرة الجوهرية لعلى مبروك فى هذا الشأن، والمسئولة عن مكونية وجمود العقل العربى – والوضع العربى كله بمستوياته كلها.. السياسى والاجتماعى والثقافى والفكرى.. إلخ – هو أن هذا العقل (بنيويا) لا يتحرك انطلاقا من واقعه الراهن وظروفه الحالية، وأوضاعه المستجدة.. وإنما هو يتعامل مع كل ذلك من خلال القياس والإحالة والاستهداء والاقتداء (بأصل) سابق، وهو يؤكد ذلك فى كتابه (ما وراء تأسيس الأصول) من خلال اختياراته الدالة لبعض المقولات التأسيسية (بهذا المعنى).. والتى وردت على ألسنة بعض كبار المؤسسين والمنظرين الإسلاميين لهذه الوضعية.. وهى استشهادات شديدة الدلالة بالفعل على (حاكمية) الأصل، وبالتالى هذا النمط من التفكير المرجعى بالأصل.. كأن يقول الغزالى (ما لا أصل له فمهدوم)..  أو حينما يقول الشافعى هذا القول البليغ الدال جدا فى تبرير الاتباع (لم يؤمر المرء باتباع نفسه، وإنما باتباع غيره).. أو حينما يؤكد اللقانى (فكل خير فى اتباع السلف، وكل شر فى ابتداع الخلف).. وهذه الآلية ( الاتباع لأصل) آلية مركزية فى الثقافة العربية الإسلامية (قبل ظهور الإسلام وبعده).. والتى تعطى باستمرار الكرامة والاعتبار للاتباع والكراهة والحقارة للابتداع، وتجعل من نقطة (البعثة) نقطة للقياس النموذجى (الأصلي) وكل ما بعدها يمثل انحدارا وانتكاسا عنها..  و(الاتباعية) ليست قيمة سلبية فى حد ذاتها، بل قد تمثل فى مستويات وحالات معينة قيمة إيجابية بناءة وفاعلة، كما حدث مثلا فى تعامل أوروبا الناهضة مع تراثها اليونانى القديم.. إذن، النقد هنا – من منظور مبروك – يوجه إلى (كيفيات) معينة، وطرائق بعينها فى التعاطى مع هذا الأصل بطريقة معيقة ونكوصية، تجعل منه ممارسة ثقافية كابحة ومعطلة لكيفيات اشتغال الوعى وحركته، وطبعا هذه الآلية لم تنبثق من فراغ.. هكذا.. أو بجهد أفراد رأوا ذلك وإنما كل هذه المستويات وجدت ما يؤسس لذلك – أساسا – فى البنية الثقافية الحاضنة الأعمق والأعرض، حتى وإن انبرى للتعبير عنها أفراد مميزون، وعقول فذة كالشافعى والأشعرى اللذين أسسا – حسب مبروك – نصوصا أصولية اعتبرت مرجعية حاسمة (حتى الآن) لحركة العقل العربي، حتى انها أوقفت نمو هذا العقل واحتجزته فى الاتباع والقياس والمماهاة مع الأصل، ومن ثم كان للشافعى والأشعرى فضل صياغة هذا الجذر البنيوى الضارب فى التربة المركزية للتفكير العربى والإسلامى بعد ذلك، وليس ابتعاث هذه الآلية من العلوم مثلا.. هما لم يفعلا إلا أن يبلورا – نظريا وفقيها – معطيات الواقع وحراكه وناظمه الرؤيوى الأعمق.. ومن هنا تأسيسية نصوصهما ومركزيتها فى الثقافة العربية من حيث تنطويان – هذه النصوص – على ما يمكن اعتباره صوغا وإعادة إنتاج للبنية الكامنة فى الثقافة نفسها بالمعنى الإنثروبولوجى الأقدم وليس المكتوب الأقرب.

وعلى مبروك هنا – وفى لفتة ذكية للغاية – يبرئ (القرآن) من السبب فى هذه الاتباعية.. كما يحلو للبعض – وهو فيلق كبير فى الثقافة العربية – أن يصور باعتبار أن القرآن هو المعطى (الثابت) الجامع المانع، الذى لا يأتيه الباطل ولا يعتريه التغيير, ومن ثم هو مرجع الاتباع وأصل الأصول.. إلخ، ينفى على مبروك ذلك كله فى لقطة ذكية، حينما يقول بالنص:

«إن ذلك يعنى أن الثقافة التى  تسيدت فى الإسلام، لم تصبح اتباعية لأن نصا (هو القرآن) قد فرض نفسه داخلها كأصل يلزم اتباعه، بقدر ما أن هذا النص نفسه قد جرى وضعه كأصل (للاتباع وليس للإبداع) داخل هذه الثقافة.. وبما ينطوى عليه هذا الوضع من إهدار الممكنات الكامنة للنص، بفضل ما تنطوى عليه هذه الثقافة أصلا من اتباعية كامنة، تضرب بجذورها الأعمق فى أشكال وجود وأنساق ثقافية سابقة – فى تشكلها – على انبثاق هذا النص نفسه..

وبالعكس، فالمقولات التى تشير إلى التجدد المستمر لهذا النص، أكثر من أن تعد أو تحصى، فهو «جمال أوجه».. وله «ظاهر وباطن».. وبالتالى فهو يحتمل التأويل على أكثر من وجه.. ولا يعلم تأويله «إلا الراسخون فى العلم».. ويبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها، وينسحب هذا القول الشائع (الحديث) بالدرجة الأولى على القرآن، باعتباره النص المركزى لهذا الدين.. ولكنه – الآن ومنذ زمن طويل.. ربما منذ على وعثمان ومعاوية – ينطق باستمرار بلغة أصحاب المصالح والساسة والسلاطين من خلال الفقهاء/ الخدم.. ربما منذ (أخدوعة) رفع المصاحف على أسنة الرماح.. إلخ، وإذن، فالفكر العربى الإسلامى (معاق) حتى الآن، لأنه واقع فى أمبولة (التفكير بالأصل)، و(الأصل)  باستمرار سابق.. فلا يوجد (اتباع) لما (لا أصل) له، ويكفى النظر إلى تلك العلوم الإسلامية التى تبلورت حول (الأصل).. من أصول الدين.. إلى أصول الفقه، وهى العلوم الأكثر تأسيسية داخل بنية الثقافة العربية والإسلامية.. ابتداء من كونها تنطوى على العلوم المؤسسة لعلوم أخرى جزئية.. لأنه كما يقول الغزالى فى كتابة (المستصفى فى علم الأصول): «ما من علم من العلوم الجزئية إلا وله مبادئ تؤخذ مسلمة بالتقليد فى ذلك العلم، ويطلب برهان بثبوتها فى علم آخر».

وبالطبع – يقول على مبروك – فإن هذا العلم (الآخر) الذى يطلب فيه برهان ثبوت المبادئ المؤسسة للعلوم الجزئية لم يكن (فى الثقافة العربية الإسلامية) إلا من تلك العلوم المنبنية حول مفهوم (الأصل).

وبالتالي.. فحضور (الأصل) وكيفيات هذا الحضور فرضت تبلور طرائق محددة فى التفكير وإنتاج المعرفة، والتى تجاوزت مجال اشتغالها وتأثيرها حدود الخطاب التراثى إلى امتداده الحداثي.. وبما يعنيه ذلك من أن المأزق الراهن للخطاب الحداثى العربي، إنما يستعصى على الفهم إلا عبر الوعى بما يؤسس  له فى سلفه التراثي.. ويعنى هذا أن مفهوم الأصل إنما يدخل فى تركيب العقل فى الثقافة العربية الإسلامية يكاد يصبح (عقل تفكير بالأصل).. وبالطبع فإن طبيعة بناء هذا العقل ونظامه، إنما تتحدد بالكيفية  التى اشتغل بها هذا (الأصل) داخل الثقافة، ومن هنا نصل إلى النقطة المهمة فى أطروحة مبروك فى مسألة التفكير بالأصل فى ثقافتنا.. فالكيفية التى حضرت بها (الأصول) والطريقة التى اشتغلت بها عند مؤسسى الأصول الكبيرين – الشافعى والأشعرى – الذى يتجاوز الانشغال بها – فى سياق قراءة مبروك – مضمون ما أنجزاه على صعيد المذهب الفقهى أو العقائدى – وهنا الخطورة – إلى الدور الابستيمولوجى الحاسم الذى لعبه كل منهما (باعتبارهما مؤسسين لعلمى أصول الدين والفقه) فى تثبيت وترسيخ آلية (التفكير بالنص) التى حددت – ولم تزل – بناء الثقافة العربية الإسلامية، وبالتى العقل المتشكل داخلها.

ويشير على مبروك فى إطار إيضاحاته المهمة فى هذا السياق، لفكرة (العقل) و(الأصل) والعلاقة بينهما فى ثقافتنا، إلى أن العقل هنا ليس مقولة بيولوجية أو معطى مكتملا، يقوم بمعزل عن أى معطى ثقافى مسبق، بقدر ما هو مقولة (ثقافية) أو كيان انبنى وتشكل فى الثقافة، وبكيفية يكون فيها تفكيك الثقافة (المهيمنة بالذات) بمثابة تفكيك للعقل السائد فيها فى الآن نفسه والخلاصة هنا – من منظور مبروك – فى إطار العلاقة بين الأصل والعقل انه يرى بيقين.. أن حدود عمل كل من الشافعى والأشعرى تتجاوز مجرد التقعيد للفقه والعقائد، إلى التقعيد (لطرائق التفكير) التى تحددت بها قواعد الفقه والعقائد التى أنتجاها.. وبالطبع، فإنه إذا كانت قواعدهما الفقهية والعقائدية إنما تعمل فى الواقع على نحو جلي، فإن قواعد التفكير التى ارتبطت بها تكاد لا تعمل إلا على نحو خفى لا واع، ولعلها كانت عبر هذا  التخفى فى صميم اللاوعى – بمعناه الثقافى والمعرفى – تتحصن ضد أى سعى للانفلات من سطوتها وربقتها المهيمنة، حتى لو نجح الوعى فى القطع مع قناعها الفقهى والعقائدى الجلي، وتحول عنه إلى تبنى قناع فقهى وعقائدى آخر..

ويشير على مبروك هنا، إلى أن الموضوعات قد تختلف وتتباين فى ثقافتنا.. حتى على المستوى الفكرى والفلسفى لكن تبقى البنية القارة المستخلصة من تلكما الموضوعات الفقهية والعقائدية.. متحكمة كآلية مستخفية فى طريقة عمل العقل، ووصوله إلى مقولاته ومن ثم يبقى كعقل ومنطق تفكير بالأصل، حتى وهو يناقش آخر مستجدات العلم!

ولا أنسى تلك الواقعة، التى وردت فى الصفحة الدينية بالأهرام، عن سؤال يطلب الفتوى حول جواز تشييع الجنازة بالسيارات، وكيف أجاب مفتى الصفحة بمنتهى الدقة، قياسا على أن القدماء كانوا يشيعون وهم يركبون الدواب والبغال والحمير! وليس هذا القياس العبقرى هو الموضوع هنا.. وإنما ما أورده الأستاذ المفتى فى نهاية فتواه من (بريده الإلكترونى وموقعه على الفيس بوك) لمن أراد المزيد من الفتاوى القيمة!

المهم، يرى على مبروك، أن كيفية اشتغال الأصل فى الثقافة التى سادت فى الإسلام، أدت إلى تبلور نظام العقل – المكون بهذه الطريقة – لم يزل هو المحدد لطرائق التفكير المتداولة فى فضاء الخطاب العربى حتى الآن، ترسم نفس الخطى والآليات فى مقاربة الحداثة كنموذج جاهز، وهو ما يسامت ويقارب التفكير بالأصل.

وهنا نلحظ بسهولة أن نظام العقل المهمين بالمعنى الثقافى فى (التفكير بالأصل) قد فرض على الوعى آلية التفكير (بالنموذج/ الأصل).. وهكذا، فإن التفكير فى الحداثة قد تحقق – ولم يزل – بحسب آلية التفكير بالنموذج، بما جعل من الآلية الاخيرة فى التعامل مع الحداثة امتدادا لآلية التفكير بالنص أو الأصل التى تبلورت فى النصوص التأسيسية لآباء الثقافة العربية الإسلامية المؤسسين، ومن هنا دلالة تأكيد أن مركزية المفهوم الأصل فى الثقافة العربية الإسلامية تتجاوز فضاء خطابها التراثى إلى الحقل الخاص بخطابها الحداثى أيضا!

وفى هذا الضوء نستطيع أن نتأمل عبارة سلامة موسى.. وهو من هو.. عصرية وحداثة وتقدمية.. إلخ، حينما يقول: «لا أستطيع أن أتصور نهضة عصرية لأمة شرقية، ما لم تقم على (اتباع) المبادئ الأوروبية التى هى (الأصل) للحرية والمساواة والدستور، مع النظرية العلمية الموضوعية للكون»!

النقطة الأخيرة المهمة التى يشير إليها على مبروك فى هذا السياق.. هى انه إذا كان قد بدا أن هذه الآلية فى التفكير بالأصل، أو ما يقوم مقامه من النص أو النموذج، تجد أو تكاد تفسيرها الآثم فى قلب البناء الأصولى الكبير الذى دشنه الشافعى فى  الفقه، ورسخه الأشعرى من بعده فى العقائد، فإن ذلك يحيل إلى ضرورة الوعى بالشروط التى تقف وراء انبثاق التنظير الأصولى لكلا الرائدين المؤسسين بالذات.. فإذا اتفق الرائدان على التعالى بما يؤسس لعلمهما إلى ما يجاوز الشرط الإنسانى ويتعداه، فإن هذا التعالى كان لابد أن يهب عملهما مفارقة المقدس المجاوز وحصانته، وعلى النحو الذى تحول فيه عملها نفسه إلى موضوع التقديس! وليس حتى إلى موضوع (للفهم) ناهيك عن (المحاورة والنقد).. وبالطبع، فإن ما تبلورت فى قلب هذا العمل الأصولى من قواعد الفقه والعقائد لم يكن وحده (موضوع) التقديس.. بل كذا القواعد والآليات (المعرفية) التى جرى التفكير بها فى هذه القواعد (الفقهية.. العقائدية) بما يعنى أن طرائق التفكير قد اكتسبت بدورها نفس قداسة وحصانة المضمون المعرفى التى اشتغلت فى إطاره.. إن ذلك يعنى أن آلية التفكير بالنص/ الأصل قد اكتسبت عبر هذا التعالى قداسة النص/ الأصل نفسه، وبكيفية استحالت معها من مجرد آلية معرفية مشروطة بما يحددها إنسانيا، إلى قاعدة دينية يؤدى الخروج عليها – بفاعلها – إلى الكفر والضلال (وهو ما عانه على مبروك نفسه) وحرمه من حقه فى الترقية العلمية الجامعية، رغم أصالته فى أبحاثه، كما لعلنا نلاحظ حتى وإن اختلفنا معه فى قليل أو كثير، والخطير فى هذا السياق، انه إذا كانت دلالة انبثاق (الأصل) هى فى ارتباط لازب مع الدينى والفقهى وبالتالى بدا منطقيا فى نطاق هذا التصور ما يسبغانه عليه وعلى منتجاته العقلية من قداسة.. ولكن الأعجب – فى ثقافتنا – أن هذه القداسة انسحبت أيضا على منتجات هذا العقل، وهو يشتغل خارج حدود «الديني» و«الفقهى».

المهم.. أقطع استرسالى هنا.. مضطرا وأرجو المعذرة من القارئ، لمرورى مرور الكرام على كثير من أفكار على مبروك، والتى لا يغنى هذا المقال – مهما طال وأمثاله – عن قراءتها فى سياقها الكامل وبلغة مؤلفها، ولكنها مقتضيات المساحة باستمرار، والمقال – أى مقال – الذى يطمح إلى تقديم كل الأفكار المهمة للمفكر أو المبدع فى مقال واحد.. فهذا مستحيل طبعا.. وسيبقى مستحيلا دائما وأبدا!

-4-

يرى على مبروك فى فكرة فاتحة وجريئة، أن القرآن نفسه كان موضوعا وساحة مباحة للأسف، لهذا النوع من التفكير بالنص/ الأصل، وهو يرى أنه من العجيب أن القرآن حينما يكون موضوعا لاشتغال تلك الآلية، ينتهى به الأمر إلى أن يكون عرضة للجمود والاضمحلال عن لعب دوره الحى الفاعل الديناميكى المؤثر المستمر، لأنه يصبح فى هذه الحالة الأخيرة المشار إليها، موضوعا للترديد والتكرار، وذلك على النحو الذى يمنعه من الكشف عن ممكناته المضمرة التى تحتاج لانكشافها إلى آلية حرة وغير مقيدة فى اشتغالها بأى أصل أو معطى مسبق يفرض نفسه عليها..

وهكذا يقول على مبروك:

«فإن من تصوروا القرآن (صفة قديمة لله) كانوا مشغولين بتثبيت وضع بعينه للإنسان، يكون فيه مستلبا وعاجزا، وذلك بمثل ما إن سيتصورونه فى المقابل (خطابا يخص الإنسان) كانوا مشغولين بتثبيت تصور للإنسان يكون فيه قادرا على الفعل فى العالم.. وإذ يبدو هكذا، أن الخطاب النافى للإنسان يعلق نفسه على قول فى الصفات والقرآن، لا يرى إليهما إلا فى تعلقهما بالله فحسب، بل يلح على طمس حقيقة دخول الإنسان والعالم فى بنائهما فإنه يلزم تأكيد أن كلا من الله والقرآن إنما يحضران – وفقط- كمحض قناعين لمن يراد اخفاؤه وراءهما وهو «السلطان» إلى الحد الذى مضى معه الغزالى إلى القول – بصريح العبارة- «الحضرة الإلهية لا تفهم إلا بالتمثيل بالحضرة السلطانية» فى كتابه المهم «إلجام العوام عن علم الكلام».. وبالمثل فهذا الإحلال المخاتل بين الله والسلطان حاضر فيما يمكن القول انه فعل التعالى بالقرآن.. من «خطاب يخص الإنسان» إلى كونه «صفة قديمة من صفات الله» حيث إن ما سيقوم به السلطان- من خلال فقهائه – من وضع نفسه موازيا أو مكملا للقرآن وذلك من خلال المأثور المعروف «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».. كان لابد أن ينعكس عليه تعاليا بسلطته إلى الوضع الذى تكون فيه مطلقة وخارج أى إمكانية للسيطرة عليها، إذن فإن كلا من الله والقرآن إنما يجرى استدعاؤهما للدخول فىالمواجهة مع الإنسان من أجل مجرد التعالى بالسلطان، وإذا كانت هذه المواجهة قد انتهت إلى الانتقاص من جلال الله ومن فاعلية وحيوية القرآن فإن السعى إلى تحريرهما من قبضة السلطان – الذى يمسك بهما بواسطة خدمه من الفقهاء- لن يكون فقط من أجل الإنسان.

يقول على مبروك:

فقد اضطر هذا الخطاب من أجل تثبيت وضع «العاجز» غير الفاعل للإنسان إلى أن ينسب إلى الله أفعالا يستحيل إلا أن تكون من فعل الإنسان بسبب ما تنطوى عليه من المثالب والنواقص، وبالرغم من أنها تكون – والحال كذلك – من قبيل الأفعال التى يأنف حتى الإنسان من نسبتها إلى نفسه.. من مثل الاحتكار وغلاء الأسعار والغصب وغيرها، فإن الخطاب قد نسبها إلى الله لكى يحرر الإنسان من أى قدرة على الفعل، غير عابئ بما تؤدى إليه هذه النسبة إلى الله من التنقيص من جلاله سبحانه، وبالطبع ذلك ما يؤكد حقيقة أن كلية القدرة الإلهية لم تكن هى القصد من وراء نفى الحضور الفاعل للإنسان، بقدر ما هو الحرص على التعالى بالسلطان على النحو الذى تنتفى معه مسئوليته عن أفعال بطشه «كالاحتكار والسلب والغصب والقتل وغيرها» وذلك عبر نسبتها إلى الله باعتباره الفاعل الأوحد.. ومن هنا ما قاله أحدهما للحسن البصرى عن ملوك بنى أمية: يا أبا سعيد هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأكلون أموالهم ويقولون: إنما أعمالنا تجرى على قدر الله «كاشفا عن الحقيقة المتخفية وراء نسبة أفعال البشر إلى الله».

ولذلك يصل مبروك إلىالقول – ولعله متأثر فى ذلك بعض التأثر بأطروحات محمد أركون – أن اكتمال مسار التحول الديمقراطى مشروط ببناء خطاب للأنسنة يتحرر فيه الله والقرآن من التصورات التى تجعلهما يحضران كمجرد قناعين لسلطة مستبدة، إذ الحق أن متانة الارتباط بين الله والقرآن والإنسان تبلغ حدا من الجوهرية يكون معه تحرير التصور الخاص بالواحد منها شرطا فى تحرير التصور المتعلق بالحدين الآخرين.

ومن هنا إمكان اعتبار سعى على مبروك وراء «القرآن الحى» كما عنون كتابه الأخير- بمثابة خطوة على طريق استكمال الشروط التى تجعل من الميسور انجاز التحول الديمقراطى المأمول وإذن فالأمر لا يتعلق بأى سعى إلى طرد الدين من واقع الناس بحسب ما قد يتقول البعض عن عمد وسوء قصد بقدر ما يتعلق بالسعى إلى تحرير الدين نفسه من قبضة خطاب لا يكتفى  بالخطر من شأن الإنسان بل يضطر فى سعيه إلى تثبيت هذا «الحط» إلىالتنقيص من جلال الله وضرب أسوار الجمود والصمت حول القرآن.. ومن هنا إن كان القول بأن ما يكون من أجل الإنسان، إنما هو -أيضا- من أجل الله والقرآن.. والعكس.

وأخيرا فى مثل هذه الأفكار النيرة المنيرة التى تلمسناها عبر هذا المقال كله وستظل – بالتأكيد- فى حاجة ماسة ودائمة إلى مزيد من الكشف والتضوىء .. وفى هذا الكلام الواضح البين الجميل لعقل لامع وفكر جديد.. ما الكفر والمروق والإلحاد والزندقة.. إلخ.. إلخ. فى هذا الطرح الساطح الشريف وهى التهم التى كيلت لعلى مبروك وحرمته طويلا من ترقياته المستحقة عن جدارة تامة على أيدى عدد للأسف من زملائه العلماء والأساتذة فىأقسام الفلسفة بالجامعات المختلفة.. والذين يقلون عنه وعن مستواه العلمى والفكرى بمراحل كبيرة.. أم أن هذا نفسه هو السبب دون لف ودوران.. الحقد والحسد والغيرة وانعدام المواهب والكفاءة.. إلخ؟.

والأهم من كل ذلك كيف تراهم ينظرون لأنفسهم فى هذه اللحظة.. وكيف سينظر لهم التاريخ الذى لا يرحم ولا يغفر ولا يظلم ولا ينسى أيضا؟!

رحمك الله يا أخى وحبيبى على مبروك على ما أسديت لأمتك من علم نافع واجتهاد شافع وإسهام ناجح.. رحمة واسعة.. واسعة إن شاء الله.