كتاب جديد عن الدور الاقتصادى للجاليات الأجنبية قبل ناصر نجاة عبد الحق : مصر خسرت اقتصاديا وثقافيا برحيل «الأقليات» كتب من برلين : حسن صابر   ما الذى يدفع فلسطينية

3003

كتاب جديد عن الدور الاقتصادى للجاليات الأجنبية قبل ناصر

نجاة عبد الحق : مصر خسرت اقتصاديا وثقافيا برحيل «الأقليات»

كتب من برلين : حسن صابر

 

ما الذى يدفع فلسطينية شاركت فى طفولتها فى الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلى «انتفاضة أطفال الحجارة» خلال الثمانينات لدراسة الجالية اليهودية فى مصر و«الأقليات» الأجنبية الأخرى قبل ثورة يوليو؟

صدر فى لندن باللغة الإنجليزية قبل أسابيع كتاب «الطوائف اليونانية واليهودية فى مصر… النشاط الاقتصادى والابتكار قبل ناصر» للباحثة الفلسطينية المقيمة فى برلين – نجاة عبد الحق – الذى يتميز عن الكتابات السابقة عن الجاليات الأجنبية فى مصر بتركيزه على الدور الذى لعبته فى الاقتصاد المصرى الذى لا ينفصل بالطبع عن الجوانب الثقافية والاجتماعية.

تجيب الكاتبة عن السؤال السابق بأنها كانت تريد التعرف على تاريخ مستعمر بلادها – فيما يشبه الاستشراق المضاد – ولمتطلبات الأبحاث الأكاديمية لم تستطع تتبع تاريخ كل اليهود الذين أتوا إلى فلسطين من كل أنحاء العالم واستوطنوا فيها.

اختارت الباحثة اليهود المصريين فى فترة ما قبل ناصر، وكانت ترغب فى دراستهم مع الجاليات الأخرى مثل اليونانيين والأرمن والشوام والطليان، واستقرت على التركيز على الجالية اليهودية وأضافت إليها اليونانية بهدف المقارنة وإبراز السياق التاريخى لأكبر جاليتين «أجنبيتين» فى مصر حينها وأكثرها تأثيرا، وشجعها وجود أرشيف ضخم يتعلق بموضوع دراستها.

اختارت نجاة مصر التى كانت أول بلد عربى تزوره عام 1999 أثناء دراستها للاقتصاد فى ألمانيا، وتقول إن زيارتها تسببت فى صدمة كبيرة حيث انها أدركت لأول مرة أن «فلسطينها» ليست مركز الكون كما تعتقد، وعاشت أول أسبوعين فى إقامتها التى امتدت خمسة أشهر وكأنها فى عالم خيالى أو داخل فيلم، وكانت قد استعدت للزيارة بقراءة روايات نجيب محفوظ وأخذت تبحث عن الأماكن والشوارع المذكورة بها، وترى بعد مسرح الحكواتى الفلسطينى دار الأوبرا والمتاحف الضخمة وتزور مدنا عديدة كأسوان والأقصر والسويس.

عاشت قبل زيارتها لمصر مع عائلة تتكون من ستة أبناء وبنات وأب فلسطينى وأم ألمانية كانت على الرغم من انتمائها لثقافة وتاريخ يتقاطع بحدة مع المسألة اليهودية، تقول عندما تتحدث «نحن الفلسطينية…. ».

درست نجاة فى جامعة بير زيت وجامعة لايبزج التى تقع فى شرق ألمانيا والتى شعرت فيها بما تسميه أحادية الثقافة الألمانية، وأدركت كيف أن وجود «الأقليات» فى أى مجتمع هو إغناء لها، وبسبب دراستها للاقتصاد رغبت فى دراسة الجوانب الاقتصادية لحياة «الأقليات»، التى تفضل وصفها بكلمة مجتمع أو جالية.

تقول نجاة إنها راجعت وثائق مصلحة الشركات وأرشيف دار الوثائق والوقائع المصرية وغيرها خلال إجراء بحثها للدكتوراة من جامعة إرلنجن، والذى يعتمد الكتاب عليه، وتضيف أن معظم الكتابات التاريخية أو السياسية أو الأنثروبولوجية التى تناولت موضوع الكتاب من قبل ربطت ظاهرة نجاح الأقليات فى مصر بنظرية «الأقليات المتعاونة» التى تصورها كوسيط يستخدمه الاستعمار للتعاون مع السكان المستعمرات وكأدوات لإدارة البلد المستعمرة.

وتشير إلى نظرية أخرى تسمى «تقسيم العمل الإثني» تجعل اليهود متخصصين فى الصرافة واليونانيين فى اقتصاد القطن وغيرهم فى صياغة المجوهرات.

نجاة عبد الحق

نجاة عبد الحق

 

وترى الكاتبة أن هاتين النظريتين لم تكونا كافيتين لتفسير نجاح هذه الأقليات وتميز أنشطتها الاقتصادية التى كانت على درجة عالية من التعقيد والتنوع، فلم تكن هذه الجاليات مجرد وسيط أو سمسار بل طرف اقتصادى يتميز بالابتكار، مشيرة إلى أن القطن المصرى طويل التيلة الشهير كان ثمرة عمل أحد اليونانيين.

وتقول الكاتبة إنها مالت أكثر إلى استخدام نظرية «شومبيتر» التى ترى أن النمو الاقتصادى يأتى من الابتكار والتجديد، وأن تراكم عمليات الابتكار وتطوير الأفكار هو الذى يؤدى للتطور الاقتصادي.

وتضيف أنه كان لدى كل من هذه المجتمعات شبكة علاقات خاصة ولديها «ميثاق داخلي» يشمل جوانب اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وثقافية، مشيرة إلى التزامها أخلاقيا بتشغيل أبنائها والتضامن من أجل الحفاظ على سمعة المجتمع – الجالية.

وتشير إلى أن تكاليف العملية الاقتصادية – مثل المعلومات عن الإنتاج والأسواق وتحويل الرأسمال – تنخفض بسبب التكافل بين أبناء الجالية الواحدة.

وترصد الكاتبة أن الحرب العالمية الأولى مثلت نقطة تحول بين فترة سبقتها ساد فيها الانتماء العضوى للجالية، وفترة أعقبتها انفتحت فيها هذه الجاليات على الآخرين من مصريين وجاليات أخرى وتسارع فيها تأسيس شركات معهم فى إطار تشكل برجوازية مصرية جديدة.

وصل عدد أفراد الجالية اليونانية لذروته عام 1927 وبلغ نحو 100 ألف فى تقديرات غير رسمية و76 ألف فى البانات الرسمية، بينما بلغ عدد اليهود فى نفس العام 80 ألفا و63 ألف فى البيانات الرسمية التى ربما لم تشمل اليهود المصريين.

وتشير إلى انتماء اليهود إلى فئات اجتماعية مختلفة فكان منهم الباشوات وكبار ملاك الأرض والأفندية وصغار التجار والفنانين وغيرهم، وأن الباعة الجائلين اليهود فى تنقلهم بين القرى والمدن يصلون فى المساجد بناء على فتوى لابن ميمون الطبيب ونقيب الطائفة فى عصر صلاح الدين الأيوبي.

وانقسم اليهود فى مصر إلى أربع مجموعات: يهود البلاد الأصليين، وطائفة القرائين، والسفاردين أو اليهود الشرقيين والإيطاليين، والأشكيناز المهاجرين من أوروبا الشرقية.

وتقول مؤلفة الكتاب إن اليهود فى مصر كانوا مهتمين بشكل فائق بالتعليم ومعرفة اللغات، وتميزوا بمهارات خاصة فى التعامل مع الجاليات والثقافات الأخرى وبقبول الآخر والانفتاح عليه.

وترى أن اليهودى يوسف أصلان قطاوى الذى كان وزيرا ونائبا فى البرلمان، ونائبا لطلعت حرب أول رئيس بنك مصرى لعب دورا لا يقل أهمية عن طلعت حرب نفسه لكن اسمه لم يرسخ فى الذاكرة الجمعية للمصريين مثله، رغم أنه يروى عنه رفضه لاستقبال الداعية الصهيونى هيرتزل الذى زار مصر عام 1903.

وترى أن تقلص أعداد أفراد هذه الجاليات ورحيل الكثير منهم من مصر لم يبدأ فقط بعد ثورة يوليو، مشيرة إلى قانون «التمصير لعام 1947» الذى الذى قضى بإضافة صفة «شركة مصرية» لاسم الشركة الأجنبية، وفرض على الشركات الأجنبية تمصير إدارتها وتشغيل نسبة من المصريين لا تقل عن 51% من قوة العمل، وأن تكون مراسلات الشركة باللغة العربية، وكذلك تغير المعادلة الاقتصادية بدءا من نهاية الحرب العالمية الثانية بعد أن كانت مصر عام 1937 من أكثر الدول فى إفريقيا تحقيقا للنمو الاقتصادي.

وتشير إلى تعدد أسباب رحيل هذه الجاليات كتأسيس إسرائيل وقرارات التأميم التى أثرت على عملية الابتكار ودورها فى دفع الاقتصاد، وكذلك تصاعد الخطاب القومى والإسلامي، وحرب فلسطين عام 1948، والهجوم على حارة اليهود عام 1949 وحريق القاهرة الذى استهدف الكثير من منشآت تمتلكها الجاليات الأجنبية، وعملية «فضيحة» لافون وسوزانا، وحرب السويس 56 وصولا لقرارات التأميم الكبرى عام 1961، وكانت كلها تطورات ضخمة تمت فى عقد زمنى واحد.

تهتم الكاتبة أيضا بكيفية تصوير هذه الجاليات فى الأدب وعلى الأخص الروائي، وخلال بحثها قرأت روايات عدة مثل «بيرة فى نادى البلياردو» لوجيه غالي، و«لا تتركونى وحدي» لإحسان عبد القدوس، و«البيضاء» ليوسف إدريس.

وشاركت مؤلفة الكتاب مؤخرا فى ندوة لمناقشة رواية العراقى على بدر «حارس التبغ» عن يهود العراق، مشيرة إلى أنها رصدت 23 رواية عربية صدرت منذ عام 2008 كانت فيها الشخصية المحورية هى اليهودى العربى أو اليهودى الذى غادر بلدا عربيا عاش بها إلى إسرائيل أو الغرب، ما قد يعنى أن هناك جيلا يتساءل ويعيد التفكير فى السرديات الكبرى متوجها للقصص الفردية الإنسانية، ويلجأ إلى الأدب الذى ينشئ نقاشا وجدلا لا يسمح به فى العالم العربى فى مجالات أخرى.