كتابة وتصوير: سامح فايز   فى أوائل الستينات من القرن الماضى حضر أحد أبناء «أبعدية والي» الريفية من محافظة الفيوم بجمهورية مصر العربية إلى محافظة القاهرة ليلقى قصائده فى أحد

راوية محمد تلميذة ايفلين (2)

كتابة وتصوير: سامح فايز

 

فى أوائل الستينات من القرن الماضى حضر أحد أبناء «أبعدية والي» الريفية من محافظة الفيوم بجمهورية مصر العربية إلى محافظة القاهرة ليلقى قصائده فى أحد التجمعات الأدبية، وقتها تعرف على الشاعر المصرى سيد حجاب والذى كان قد تزوج حديثا بشابة سويسرية كثيرا ما طلبت من زوجها المصرى ترك المدينة والذهاب للحياة فى إحدى قرى الريف، وكان اللقاء سببا فى دعوة الشاعر الشاب وزوجته لزيارة القرية التى تبعد عن القاهرة بأكثر من 150 كيلو مترا.

قرية تونس - الفيوم

قرية تونس – الفيوم

الهجرة إلى الريف

رحلة من القاهرة إلى أعماق الريف المصرى فى أوائل الستينات من القرن الماضى قطعتها الشابة السويسرية كانت شاقة فى ذلك الوقت لصعوبة الانتقال وعدم توفر وسائل المواصلات اضطروا خلالها لاستخدام الدواب للانتقال من مدينة الفيوم إلى عزبة تونس على أطراف أبعدية والى التى تبعد عن المدينة مسافة 60 كيلو مترا. وخلال الرحلة قررت الشابة السويسرية إيفلين بوريه أن تعيش فى قرية تونس 50 عاما تمارس حياة الريف العادية متخلية تماما عن رفاهية المدينة.

إيفلين خريجة الفنون التطبيقية شاهدت مهارة أطفال القرية وهم يلعبون بالطين يشكلونه بأيديهم بكائنات من الطبيعية هنا قررت إنشاء مدرسة لتعليم أطفال المكان الفخار أسمتها «جمعية بتاح لتدريب أولاد الحضر والريف على أعمال الخزف»

قرية تونس

الحضور من القاهرة لزيارة القرية كان شاقا احتاج التنقل بين عدة وسائل انتقال للوصول إلى قرية تونس. وعلى باب مدرسة الفخار رفضت ايفلين بشدة إجراء أى حديث صحفى قائلة:”أجريت حوارات صحفية كثيرة ولا أملك وقتا أضيعه معكم”. انفعال على وجه السيدة السويسرية عارض بشدة الحديث مع الصحافة مضيفة:” فى القرية من هم أحق منى للحديث معهم، اذهبوا إليهم”.

أصبحت القرية الريفية مزارا سياحيا ترتاده جنسيات شتى بفضل فتاة أجنبية قررت أن تعيش فى عمق الريف المصري، وفى أحاديثها الصحفية دائما ما تؤكد أنها لم تقصد تغيرهم لكنهم هم من ملكوا إرادة ذلك.

بيوت من الطين والقباب تتوسط مساحات شاسعة من الزرع حافظ أهلها على شكل بنائها البدائى يجاورها عدة فنادق بسيطة البناء أقيمت هى ايضا على الطراز الريفى لاستقبال الزوار طوال العام.

مدرسة الفخار بقرية تونس (3)

التلميذة الأولى

رحلة بحث عن أول تلامذة مدرسة ايفلين انتهت بالوصول إلى السيدة راوية محمد، هى الآن أصبحت واحدة من أشهر صناع الخزف فى القرية وشاركت فى معارض دولية ومحلية وسافرت فرنسا وهى ابنة الخامسة عشر عاما لتصبح أول سيدة مصرية تشارك فى معرض دولى للفخار، لكن راوية محمد تحكى عن البداية قائلة:كنا أطفال نلعب بالطين فى طرقات القرية ونخلق منه أشكالا من الطبيعة حين رأتنا ايفلين وعرضت علينا أن نحضر إلى مدرستها لتعليمنا الفخار، كانت المسألة بالنسبة لنا استمرارا للعب لأن أعمارنا كانت تتراوح بين العاشرة والاثنى عشر عاما فذهبنا جميعا، لكن بمرور الوقت اعترض الأهل لأنهم لم يروا فائدة من لعب أطفالهم بالفخار”.

راوية الأخت الكبرى فى أسرة فقيرة رفض أهلها أن تستمر ابنتهم فى مدرسة الفخار لكن الطفلة الصغيرة عارضت قرار أسرتها بإصرار لتستمر فى مدرسة ايفلين لتصبح أولى طلابها والوحيدة أيضا فى ذلك الوقت، وحين أصبحت فى سن المراهقة عرضت عليها ايفلين السفر إلى أوروبا لعرض منتجاتها فى معارضها وعاد اعتراض الأهل من جديد وعن ذلك تقول راوية:”فى الريف نتزوج صغارا، الفتيات فى سنى أصبحن أمهات، وخروج فتاة ريفية دون رعاية أهلها إلى دولة أجنبية هى مسألة ترفضها عادات المجتمع الذى أعيش فيه”.

راوية محمد رفضت الزواج فى البداية وعن ذلك تقول:”جميع الأزواج الذين تقدموا لخطبتى كان شرطهم الأول ترك صناعة الفخار والبقاء فى المنزل لتربية الأطفال، وكان ذلك هو المتعارف عليه فى قريتي، لكننى كنت أجد نفسى فى هذه المهنة، الآن فقط حققت ذاتى ولن أتخلى عن النجاح الذى وصلت إليه”.

استمرار فى موقفها حتى تعرفت بشاب درس هو أيضا فى مدرسة ايفلين وقررا سويا أن يصبح الفخار مصدر دخلهما فأسسا كيانا خاصا بهما يصنعان خلاله الفخار ثم يعرضانه للبيع، وبعد سنوات أصبحت الطفلة الريفية ابنة الأسرة الفقيرة سيدة أعمال تملك تجارتها الخاصة التى تديرها بنجاح.

راوية محمد تلميذة ايفلين بصحبة زوجها

راوية محمد تلميذة ايفلين بصحبة زوجها

تنظر رواية مبتسمة إلى منتجاتها من صناعة الفخار المعروضة فى مدخل منزلها بقرية تونس ثم تقول:”أسرتى التى كانت تعارضنى فى البداية بعد مشاهدتهم ذللك النجاح الذى وصلت إليه تعلموا هم أيضا صناعة الفخار، علمتهم بنفسى وأصبحوا يعملون تحت متابعتي”.

حين تعود صانعة الفخار المتميزة بالذاكرة إلى معلمتها الأولى ايفلين التى ساهمت فى تغير مسار قرية ريفية بأكملها لتصبح مزارا سياحيا يأتيه الناس من جميع دول العالم تقول عنها وابتسامة تملؤها:”هى بمثابة أمى التى مهددت لى الطريق، فى مدرستها مارست صناعة الفخار لمدة 14 عاما قبل أن انفصل بعملى الخاص، لها أدين بالفضل فيما وصلت إليه الآن”.

إرادة التغير

يبدو لى قرية تونس حددت مصيرها سيدتان، الأولى ايفلين السويسرية التى حضرت من الشمال الأوروبى إلى عمق الريف المصرى لتختار الحياة البسيطة دون أن تدرك أنها بعد 50 عاما ستكون سببا فى تغير مسار قرية بأكملها، والثانية هى راوية التى وقررت اكمال الرحلة بعيدا عن الموروث الريفى الذى يرى أن الزواج هو السبيل الأخير لطفلة فى الثانية عشر من عمرها وأن المرأة واجباتها لن تتعدى مساعدة زوجها فى زراعة الأرض وتربية الأطفال.

إصرار راوية على التعلم كان سببا فى تهافت أبناء القرية الآن على الدفع بأبنائهم إلى مدرسة ايفلين، مما اضطر القائمون على المدرسة إلى تحديد عدد معين كل عام يقبلونه لتعلم الفخار، وإصرار راوية أيضا كان سببا فى تعلم جميع أسرتها صناعة الفخار لتكون مصدر رزقهم بعد معارضتهم فى البداية لرغبة ابنتهم، التى أحبت اللعب فى الطين عندما كانت طفلة!

ــــــــــــــــ

Goethe-Institutكُتِبَت هذه المقالة في إطار مشروع (فوتور بيرفيكت)، الذي ينظمه معهد جوته، المعهد الثقافي الألماني ، بالتعاون مع مؤسسة (فوتور 2) والجريدة (القاهرة).

لمزيد من المعلومات عن المشروع، ولمزيد من قصص النجاح من كل أنحاء العالم www.goethe.de/futureperfect

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 828 الثلاثاء 17 مايو 2016