أسامة غبد الفتاح يكتُب من كان ________________________ اشتباك” يخسر فيه الجميع “لعبة “إكس أو” تلخص بمهارة صراعا مريرا ودعوة خجولة للتعايش     كعادتنا دائما فى إطفاء أى فرحة عامة

3009

أسامة غبد الفتاح يكتُب من كان

________________________

اشتباك” يخسر فيه الجميع

“لعبة “إكس أو” تلخص بمهارة صراعا مريرا ودعوة خجولة للتعايش

 

 

كعادتنا دائما فى إطفاء أى فرحة عامة بأى طريقة، نجح البعض فى تفجير مسألة مشاركة الداعية معز مسعود فى إنتاج الفيلم المصرى “اشتباك”، لإفساد سعادتنا باختياره للعرض فى افتتاح قسم “نظرة ما” الرسمى والرئيسى بالدورة الـ 69 من مهرجان “كان” السينمائى الدولي، وليتحول فجأة فخرنا كمصريين وعرب بهذا الحدث إلى “تحريات بوليسية” عن أسباب ومقاصد إقدام داعية “إسلامي” على إنتاج فيلم سينمائي، وأسباب ومقاصد قبول صناع الفيلم هذا التمويل، وكأن معز مسعود هو إسرائيل التى نقاطعها ونهاجم من “يطبّع” معها!

عن نفسى لا تشغلنى هذه المسألة، ولا تعنينى فى شيء سواء كانت صحيحة أم لا، لأن المفترض أن ما يعنينا جميعا هو الفيلم نفسه، وما يظهر فيه، وما يشير إليه وينطوى عليه، وليس فى العمل – فى حدود ما شاهدت وما فهمت – ما يدل على أنه “مانفستو” إسلامى لداعية تليفزيونى وراءه ما وراءه مما يتخيل البعض منا من خطط ومؤامرات داخلية وخارجية لجهات – بل دول – تسعى لتركيعنا والسيطرة علينا!

نحن فى الأيام التى تلت عزل القوات المسلحة الرئيس الأسبق محمد مرسى فى 3 يوليو 2013، وفى ذروة الحر والاشتباكات بين مؤيدى النظام الجديد وأنصار الإخوان، وتحديدا داخل سيارة ترحيلات تابعة للشرطة تجمع بلا تمييز كل من هو مشكوك فيه فى الشارع الملتهب بمظاهرات من هنا وأخرى من هناك.. وهذه – بالطبع – فرصة سينمائية عظيمة للجمع بين شخصيات شديدة التناقض والاختلاف وصياغة دراما أرسطية حامية ومعقدة تلتزم بوحدات المكان والزمان والحدث.

فى رأيى، هذا أفضل التزام بوحدة المكان تحديدا فى تاريخ السينما المصرية.. صحيح أنه سبق للعديد من السينمائيين تقديم فكرة الجمع بين العديد من الشخصيات فى مكان واحد ضيق طوال الفيلم، إلا أن تجربة المخرج الشاب محمد دياب – فى ثانى أفلامه الروائية الطويلة بعد “678” – تظل متميزة، ليس فقط لأن المكان الضيق سيارة ترحيلات تابعة للشرطة، مع كل ما يمثله ذلك من صعوبة وحساسية، لكن أيضا لأن الالتزام بوحدة المكان صارم للغاية، لا تشذ عنه لقطة واحدة من الفيلم.

 

369

وكلنا نتذكر فيلم “بين السما والأرض”، الذى خرج فيه الراحل صلاح أبو سيف كثيرا جدا من الأسانسير – موقع الحدث الرئيسى – إلى أدوار العمارة الأخرى وسطحها ومكاتب المسئولين وستاد القاهرة لتقليل مشاهد المصعد إلى أقل درجة ممكنة.. أما فى “اشتباك”، فالتزام دياب يستحق الإعجاب، وأنا هنا لا أتحدث عن لعبة فيديو أتقنها الرجل، بل عن قدرة فنية وتقنية كبيرة مكنته – ونحن معه – من إلقاء نظرة شاملة على الثورة المصرية، والربيع العربى كله، من داخل هذه السيارة الحديدية الصماء، ومن خلف نوافذها الصغيرة المغطاة بالأسلاك.

تفوق تقنى واضح ساعد دياب فى تحقيقه مجموعة من الفنيين المهرة فى التصوير والمونتاج والصوت وغيرها، فضلا عن مجموعة الممثلين الذين يجعلونك تشعر بأنك داخل السيارة معهم وتنسى أنهم يمثلون، وعلى رأسهم النجمة نيللى كريم، التى ذابت فى المجموعة تماما لتؤكد أنها لا تعانى أمراض النجومية مثل غيرها.

على مستوى الموضوع، يعانى الفيلم نمطية البناء الدرامى ورسم الشخصيات التقليدى فى هذه النوعية من الأفلام، والتى يحرص صناعها دائما على تمثيل جميع فئات المجتمع للإيحاء بان المكان الضيق ما هو إلا نموذج مصغر منه.. هنا مثلا عندنا المرأة، والرجل، والصبي، والشاب، والشيخ، والمديوكر، والبلطجي، والإخواني، والسلفي، والمائع، واللامبالي، والمسيحي، وكأن صناع الفيلم سيُسألون قضائيا عن غياب أى فئة إذا غابت!

كما ضايقتنى – فى البدايات – دعوة خجولة، غير مباشرة بالطبع، للتعايش بين الجميع، لأننى لا أوافق على التعايش مع مجرمين أو محرضين على الجريمة، وقد كان هناك مجرمون – أو على الأقل محرضون – فى السيارة.. لكن سرعان ما يدرك صناع الفيلم صعوبة ذلك، لتعود الخلافات الحادة فى النهاية، ولتسود حالة من الفوضى والجنون والعنف تحوّل أمل التعايش الضعيف إلى مستحيل رابع.

أما أنضج ما ينطوى عليه الفيلم دراميا، فهو تأكيد أن الاشتباك ليس فيه فائز ولا مهزوم، حيث يعانى الجميع ويسقط ضحايا من كل الأطراف: الشرطة والإخوان والمواطنون العاديون إن جاز التعبير.. وأفضل تعبير بصرى سينمائى عن ذلك يتم قرب النهاية بلقطة للعبة “إكس أو” محفورة على الحائط الحديدى لسيارة الترحيلات، كان كل من صبى “مؤيد” وفتاة إخوانية قد حفر فيها رمزا، لكنها تظهر لنا بوضوح فى النهاية ناقصة، ليس فيها فائز ولا مهزوم، فالجميع خاسرون.