الدرس الإيراني شريف صالح   الدول الإقليمية المؤثرة فى “الشرق الأوسط” هى إسرائيل وتركيا وإيران والسعودية. فى مقابل انهيار العراق وسوريا. ويمكن ذكر عشرات الأسباب للانهيار لكن أهم سببين:

الدرس الإيراني

 

الدرس الإيراني

شريف صالح

 

الدول الإقليمية المؤثرة فى “الشرق الأوسط” هى إسرائيل وتركيا وإيران والسعودية. فى مقابل انهيار العراق وسوريا. ويمكن ذكر عشرات الأسباب للانهيار لكن أهم سببين: ديكتاتورية حكم الفرد: صدام والأسد والشعارات الفاشية التى كانت محض أكاذيب رددها حزب “البعث” الحاكم حتى قاد البلدين إلى الجحيم!

حلت الشعارات بديلًا عن مشروع الحداثة.. وتم الاختباء وراءها بدلًا من مواجهة الواقع.

وبرغم ذيوع مقولة “أحسن ما نبقى زى سوريا والعراق” لكن هل نحن حقًا لا نسير على خطاهما فى إعادة إنتاج العاملين المؤثرين فى سقوطهما: الديكتاتورية، والشعارات؟ أليس إلحاح المقارنة مع دولتين أصبحتا “فاشلتين” ينطوى على مخاوف عميقة؟! لماذا لا نقارن أنفسنا بدول يتعاظم نفوذها مثل إيران؟

ففى نهاية السبعينات أنهى السادات انتفاضة الخبز ووقع معاهدة سلام مع إسرائيل.. بينما شهدت إيران فى الفترة ذاتها ثورة شعبية أسقطت حكم الشاه.

ومن بعد حرب أكتوبر تبنى السادات مقولة إن 99 % من أوراق اللعب فى يد أمريكا ووضع نفسه ضمن حلفائها مقابل معونات تناهز مليارى دولار.. لكن إيران بعد الثورة رفعت شعار “الموت لأمريكا”.

وإذا كانت مصر تعرضت لنكسة وخاضت حربًا لست سنوات، فإن إيران تعرضت لحرب مع العراق (1980 – 1988) تعد من أطول الحروب وأشدها دموية وقدرت خسائرها بأكثر من أربعمائة مليار دولار ونصف مليون قتيل لإيران وحدها!

تبنت مصر طيلة أربعين عامًا ما يسمى سياسة “الانفتاح” الاقتصادى والخضوع لسياسات البنك الدولى والعيش على معونات تزيد علىثمانين مليار دولار! بينما أُجبرت إيران على العزلة واستنهاض قدراتها الذاتية فى التصنيع والزراعة لتحقيق الاكتفاء.

نجحت إيران المحاصرة فى تطوير صناعاتها المدنية والعسكرية إضافة إلى التفاوض مع الغرب للحصول على حزمة مساعدات هائلة مقابل عدم إنتاج سلاح نووي. كما نجحت فى بسط نفوذها الإقليمى فى اليمن ولبنان وسوريا والعراق.

وبرغم أن اقتصادها يعانى مشاكل لكنها لا تنعكس على التماسك المجتمعى فلا توجد ظاهرة أطفال الشوارع بالملايين كما هو الحال فى مصر.. ولا تشهد طهران وهى أيضًا عاصمة مكتظة، أعداد المتسولين التى نراها فى القاهرة.. رغم تقارب التعداد السكانى فى البلدين!

وما يقال عن سطوة الحكم الدينى قد ينطوى على مبالغات دعائية.. لا يعنى ذلك أن إيران تعيش ديمقراطية على الطراز الغربي.. لكن على الأقل هناك توازن سياسى ما بين تيار معتدل “حمائم” وآخر محافظ “صقور”.

كما لا تعانى إيران ظاهرة الجماعات المتطرفة، بل إن كثيرًا من الفتيات والنساء لا يلتزمن بالزى الشرعى “الشادور” ويرتدين بنطلونات وأزياء عصرية مع أحدث صيحات المكياج، مكتفيات بإيشارب خفيف. وأساسًا لا يمكن مقارنة “الشادور” بالنقاب الأسود الذى تفشى فى مصر!

والكثير من الشوارع والميادين هناك تحمل أسماء شهداء وشعراء لحرص الحكومة على التذكير بالدماء التى ضحت وتأكيد هويتها الثقافية والتاريخية.

واليوم تقف السينما الإيرانية بجوار أهم السينمات فى العالم وتنال أكبر الجوائز.. وأسماء مثل كياروستامى وفردهاى وبناهى تعد أيقونات معروفة حول العالم.. فى مقابل انهيار صناعة السينما فى مصر!

فبعدما دفع الإيرانيون ثمنًا باهظًا فى حرب قاسية تعلموا أن بقاءهم رهن بإرادتهم وأن يكونوا ندًا للكبار كما أدركوا أن مكانة “العمائم” فى هرم السلطة لا تعنى أن رجل الدين هو من سيصنع الصواريخ والسيارات بل سيصنعها نظام تعليمى جيد.. والاستفادة من قوى المجتمع المدنى ليس فقط من النخبة العسكرية والدينية.