حكايات القِطط محمد عبد النبي   على غرار إيزابيل ألليندى وجوزيه ساراماجو، بدأ بعض الكتّاب فى مصر مشوار الكتابة فى سنٍ متقدمة نسبيًا، مُسلحين بذخيرةٍ لا يُستهان بها من

حكايات القِطط

 

حكايات القِطط

محمد عبد النبي

 

على غرار إيزابيل ألليندى وجوزيه ساراماجو، بدأ بعض الكتّاب فى مصر مشوار الكتابة فى سنٍ متقدمة نسبيًا، مُسلحين بذخيرةٍ لا يُستهان بها من التجارب، من هؤلاء مثلا الأستاذ عادل أسعد الميرى الذى ينافسُ شباب الكتّاب بنشاطه ودأبه وخصوصية تجربته ورؤيته، ومنهم أيضًا درية الكردانى التى قرأتُ لها مؤخرًا كتابها الثاني: حكايات القطط، وهو تسع قصص طويلة، متوسطة الطول، من بينها قصّة تكاد تكون «نوفيلا» مستقلّة، يجمعها كلها حضور القطط ككائناتٍ حيّة ومجازات أيضًا، تنسجها الكاتبة فى حكايات شخصياتها ببراعة ونعومة ومكر.

فى رواية درية الكردانى الأولى، رمال ناعمة، ظهر استسلام شبه تام لفوضى الذاكرة وتداعى الحكايات، واتكّاء على صدق التجربة وعفويتها وبالطبع ذلك الإحساس الأنثوى الذى أحاطَ السرد بهالةٍ من الحسيّة وتتبع التفاصيل الصغيرة. هُنا أيضًا، فى حكايات القطط، يرتبط عالم الكتاب بحبلٍ سرى يغذيه من النبع الفوّار للحياة، حياة ممتدة وغنية ومتنوعة الألوان والنغمات. قد يشعرُ القارئ أحيانًا أنه لا يقرأ بقدر ما يتطلّع فى ألبوم صور، بعضها قديم للغاية وبعضها تم تصويره قبل ساعاتٍ معدودة. اللقطة هى كلمة السر، وربما المشهد فى حركته الكاملة، لكن يبقى الكادر بشكله الفوتوغرافى مهيمنًا عبرَ حرصٍ يصل إلى درجة الهَوَس بالوصف، وصف الأماكن والأشخاص وامتزاج الأنوار والظلال، البيوت والمبانى والشوارع، أنسجة الأقمشة وألوانها، كل شيء وقبل هذا كله طبعًا القطط فى سكونها وحركتها، فى لعبها ومرضها وإذعانها وتملقها وتآمرها وتمردها.

قال كوندير ذات مرة «الوصف: إشفاقٌ على العابر؛ إنقاذ للزائل»، هذا ما قد نشعرُ به مع صفحات هذا الكتاب، ثمّة تشبث بالعابر، واستحضار لما مضى وانقضى بقوة الكلمة، الكلمة التى لا بدّ أن تختار بعناية بالغة حتى تصيب الهدف المراد تمامًا، سواءً كانت فصحى أو عامية أو من لغةٍ أخرى، أو برطانة بعض المتخصصين. غير أن تثبيت الكادر هذا لم يعمل على الدوام لصالح تدفق السرد وأعاق الحركة فى بعض المواضع، خصوصًا إذا اقترن بتوصيف عام لشخصية أو حالة دون وقوع أى أحداث كما فى مستهل قصة «نِمنم»، أو بعض أجزاء الرواية الصغيرة «بيت القطط».

ثمّة شخصيات لا تُنسى فى هذه القصص التسع، من الناس والقطط كذلك، فلكل قط هُنا، شأنه شأن البشر، طبيعته ومواصفاته الخاصة بل موقفه الوجودى أحيانًا، تتجلى براعة الكاتبة فى هذا المزج الحريص بين العالمين، عالم القطط وعالم الناس، فى رسم التقابلات والتقاطعات، والإيحاء بالروابط الخفية بينهما، كما فى قصة «بيت الطالبات» وحكاية الفتاة الفلسطينية سَلام مع القطط اللاجئة تحت نافذة قاعة الطعام، أو فى المطابقة البسيطة بين بعض الناس وبعض أنواع القطط، ففى قصة «السكوندو والبدروم»، يقول زوج الراوية، وهو الفنّان نفسه كما ظهر فى رواية رمال ناعمة – عن البوّاب «أبو السوداني» إنه «كقط شوارع: حذر دائمًا وعلى أهبة الاستعداد. يحترس من الغدر، ولا يعطيك الأمان أبدًا، لذا عليك أنت أيضًا ألّا تأمن له أبدًا».

هل زاد هذا التقابل بين العالمين على حدّه فى بعض المواضع دون داعٍ؟ ربما. هل فسدت نبرة بعض سطور الحوار بسبب عدم الاختيار الحاسم بين الفصحى والعامية؟ جائز. هل كان من الممكن اختصار بعض القصص التى طالت أكثر مما يجب؟ وارد أيضًا. لكن هذا كله لا ينفى أننا أمام تجربة ممتعة من الصفحة الأولى للأخيرة، تستوعب القارئ تمامًا فى عالمها مُرهف النسيج وواضح المعالم كالحياة ذاتها وهنا أيضًا أكرر ما كتبته سابقًا عن رمال ناعمة، التى وصفها الكاتب الراحل علاء الديب بأنها «غابة غنية بالمشاعر والأفكار»، فأقول: «أهدتنا درية الكردانى حكايات تسندها الخبرة وتجلوها مرارة الصدق».