موسيقار الأجيال.. وكوارث عهد عبد الناصر صلاح عيسى   فى تسجيل نادر للفنان الراحل «محمد عبد الوهاب»، أجراه معه فى لندن عام 1985، باحث المصريات «أحمد عثمان»، وحصل عليه الزميل

موسيقار الأجيال.. وكوارث عهد عبد الناصر

موسيقار الأجيال.. وكوارث عهد عبد الناصر

صلاح عيسى

 

فى تسجيل نادر للفنان الراحل «محمد عبد الوهاب»، أجراه معه فى لندن عام 1985، باحث المصريات «أحمد عثمان»، وحصل عليه الزميل «أيمن الحكيم» ونشره على صفحات «المصرى اليوم» هذا الأسبوع بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله عن الدنيا فى 4 مايو 1991، تحدث موسيقار الأجيال فى السياسة، وأبدى رأيه فى واحدة من أبرز سياسات عهد الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» هى مجانية التعليم الجامعي.

وخلاصة هذا الرأى أن «عبد الناصر» اتبع هذه السياسة تملقا للجماهير، وأنها كانت كارثة بكل المقاييس، إذ ترتب عليها تسابق الأسر المصرية، خاصة بين الطبقات الشعبية والوسطى على إلحاق أبنائها بالجامعات، وخجل هؤلاء الأبناء من العمل فى الحرف اليدوية، كالنجارة والحدادة والسمكرة والسباكة، مما أدى إلى انهيار الخدمات الحرفية، وأحدث خللا فى التوازن بين أجور الحرفيين، التى ارتفعت بسبب ندرتهم، وأجور خريجى الجامعات التى انخفضت بسبب وفرتهم عن حاجة العمل بالسوق.. وضرب «عبد الوهاب» مثلا على ذلك بأن الطباخ الذى يعمل لديه يحصل على أجر يصل إلى 150 جنيها فى الشهر، بينما لا يتجاوز أعلى أجر يحصل عليه أبناؤه التسعة – وكلهم من خريجى الجامعات – سقف الجنيهات الأربعين شهريا.. وكان من رأى عبد الوهاب – الذى قاله لرئيس مجلس الشورى وكان عضوا معينا به – أن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو إنشاء معاهد عليا يدرس بها الطلاب هذه الحرف، وتمنح خريجيها مؤهلا جامعيا، فتحقق بذلك حاجتهم إلى درجة علمية تضفى عليهم مكانة اجتماعية، وحاجة سوق العمل إلى متخصصين فى الحرف.

وليس فيما قاله موسيقار الأجيال – من حيث الموضوع – جديد، فالظاهرة التى يرصدها كانت تشغل الجميع خلال «عهد عبد الناصر» ولا تزال – بعد 46 عاما من رحيله و25 عاما من رحيل عبد الوهاب -تشغلهم، والحوار لا يزال متواصلا حتى اليوم عن أن إصلاح منظومة التعليم هو أساس بناء أية نهضة فى مصر، ومن بينها أصوات تطالب بإلغاء مجانية التعليم الجامعى كخطوة أولى فى هذا السبيل.. وهو ما يبدو أن عبد الوهاب كان يميل إليه ويمكن استنتاجه من ثنايا ما قاله فى هذا الشأن.

لكن هناك وجوها أخرى للمشكلة تتطلب الوقوف عندها..

أول هذه الوجوه، أن «عبد الوهاب» لم يتوقف عند المبررات التى دفعت عبد الناصر لاتخاذ هذا القرار الذى وصفه بأنه كان كارثة بكل المقاييس، ولو أنه فعل لتذكر أنه كان أحد القرارات التى عرفت بـ«قرارات يوليو الاشتراكية «لعام 1961»، وهى مبررات ذكرها «عبد الناصر» آنذاك وكررها بعد ذلك كثيرا، ولم تكن هذه القرارات، تسعى – كما قال عبد الوهاب – لتملق الجماهير، ولكنها كانت أحد الملامح البارزة لرؤية عبد الناصر التى تقوم على السعى لبناء اقتصاد وطني، يدعم استقلال الإدارة الوطنية ويشبع الاحتياجات الأساسية للشعب المصرى الذى عانى الحرمان طويلا.. ويقوم على أساس الكفاية والعدل، أى التخطيط والتنمية من جانب، وإعادة توزيع عائد التنمية على الذين يساهمون فى تحقيقه من جانب آخر، وهو ما كان يتطلب إعداد كادر من الكفاءات الوطنية، تساهم فى إدارة هذا الاقتصاد، لكى يحقق الهدف منه، بما يتطلبه من إتاحة فرص التعليم الجامعى أمام الجميع، حتى يساهم فى بناء هذا الكادر وتأهيله لقيادة وحدات القطاع العام، فضلا عن أنه – من الناحية الاجتماعية – يساهم فى تفكيك الهرم الاجتماعى المغلق، بما يسمح للطبقات التى تعيش فى السفح منه بالصعود إلى قمته عبر جهدها وعملها وما تحصله من معارف، حتى لا يظل – كما كان  عبد الناصر يكرر – الفقر إرثا.. والغنى إرثا.. ولم يحدث فى أى وقت من هذا العهد – الذى لم يستمر بعد صدور هذا القرار الكارثى سوى تسع سنوات – أن كف الحوار عن أهمية ربط التعليم بمتطلبات خطة التنمية وباحتياجات سوق العمل، كما أن ظاهرة اختفاء العمل الحرفى لم تبرز بهذه الحدة، إلا بعد اعتماد مصر – فى ظل سياسة الانفتاح الاقتصادى – على تصدير العمالة الفنية المدربة، كجزء من موارد الدولة السيادية التى لا تزال تعتمد عليها حتى اليوم.

ومع التسليم بأن سياسة مجانية التعليم الجامعي، قد أسفرت عن بعض النتائج السلبية، التى تفاقمت بعد فصلها – فى العهود التالية – عن الرؤية التى انطلقت منها واستندت إليها، فإن الوجه الثانى للمشكلة يكمن فى أن موسيقار الأجيال قد تجاهل الجوانب الإيجابية الكثيرة التى ترتبت عليها، ومن بينها أنها أتاحت الفرصة أمام مواهب مقتدرة من أبناء الطبقات الشعبية والوسطى لكى تواصل تعليمها الجامعي، وتستكمل التعليم ما بعد الجامعى – على نفقة الدولة – فى أرقى جامعات العالم، ليتشكل من هؤلاء ثروتها البشرية من التكنوقراط، الذين قدموا خبرتهم لبلادهم، وللبلاد العربية الأخرى، وحصل بعضهم على أرفع الجوائز العالمية ومنها جائزة نوبل.

ومع أننى لا آخذ الآراء السياسية التى يبديها البعيدون عن مجال الاهتمام بالشأن العام أو متابعته ومنهم الفنانون، مأخذ الجد، لأننى أعلم أنهم مشغولون بفنونهم عن أى شىء آخر إلا أن الآراء السياسية التى أبداها أصحاب المكانة الخاصة منهم فى نفوس الجماهير، تدهشنى أحيانا لجنوحها إلى الانحياز نحو اليمين القادح، مع أن الفن فى جوهره، هو تمرد على الواقع وهو انحياز للفقراء والمهمشين، ومع أنهم هم أنفسهم ينتمون – فى الغالب الأعم – إلى الطبقات الوسطى والفقيرة.

وربما لهذا السبب صدمتنى الآراء السياسية السلبية فى الحقبة الناصرية، التى صدرت عن الفنانة الكبيرة الراحلة «فاتن حمامة» كما صدمتنى تصريحات عبد الوهاب عن كارثة مجانية التعليم الجامعي، التى كشف عنها هذا التسجيل النادر، على الرغم من أن كليهما قدم أعمالا فنية عظيمة خلال تلك الحقبة، وأنهما كانا محل رعاية الدولة.. ودون مناسبة قفز إلى ذهنى مطلع أغنية «عبد الوهاب» الشهيرة، التى غنّاها فى الثلاثينات ويقول فيها «محلاها عيشة الفلاح/ متهنى فى عيشته ومرتاح/ يتقلب على أرض براح/ والخيمة الزرقا ساتراه».. وفكرت فى أن أرسل إليه رسالة أسأله فيها: هل كانت تلك هى حالة الفلاح يوم أنشدت هذه الأغنية أم أنها – أو جانبا منها – قد حدثت فى عهد الكوارث الذى أصدر مجانية التعليم الجامعي؟!