«ثؤلول» رواية كويتية تحمل صرخة امرأة في مواجهة المجتمع   منذ البدايات المبكرة للشعر أقر «زهير بن أبي سلمى» بأن: «ما أرانا نقول إلا معارًا أو معادًا من لفظنا مكرورًا»

5999

«ثؤلول» رواية كويتية تحمل صرخة امرأة في مواجهة المجتمع

 

منذ البدايات المبكرة للشعر أقر «زهير بن أبي سلمى» بأن: «ما أرانا نقول إلا معارًا أو معادًا من لفظنا مكرورًا»

وأكد «الجاحظ» الفكرة بمقولته الشهيرة عن «الأفكار المطروحة في الطريق»، فلا بأس إذا كان الأمر كذلك أن نجد امرأة تكتب عن قضية «قهر المرأة» في مجتمعنا العربي، إذ على اختلاف الحكايات وتنوّع التفاصيل تبقى هناك مادةً أثيرة لدى عددٍ من الكاتبات يمكنهن من خلالها ولوج ذلك العالم بسهولة والتعبير عنه باقتدار، ويبقى المهم والأساس في الكتابة هو قدرة الكاتب/ الكاتبة على صياغة واختيار قصة وتفاصيل جديدة والتعبير عنها بشكلٍ أصدق.

منذ الإهداء الذكي الدال (للأنثى، التي تولد وبين عينيها وسم مصيرها القادم، بلا معجزةٍ تغيّره) يدرك القارئ أنه بصدد ذلك النوع من «الحكايات»، لكن الحكاية عند «ميس» تختلف وتمتاز – في الواقع – بما تصبغه عليها من لغةِ شاعرية، واختيارٍ متقن للألفاظ والمرادفات، حتى لتشعر أثناء القراءة أنها تكتب شعرًا وهي تحكي تفاصيل حياة بطلتها رغم كل ما تعانيه من قهر!

ثمّة حادثة قاسية تتعرض لها الفتاة أثناء الاجتياح الغاشم لبلدها «الكويت»، تتغيّر على إثرها حياتها، ويسوّد عالمها، تتحوّل بالتالي إلى تلك الموصومة بعارها إلى الأبد، يتجنبها أخوها، ويتعامل معها أبويها بحذر، ولكنها تتمكن رغم كل ذلك من التغلب على تلك المأساة حتى تنجو ..

(سلوى الصغيرة منتهكة حربٍ ليست متعادلة بين بلدين لم تنصفهما الحياة كما ينبغي، يختار القدر ضحاياه بدقة… ترى من من الفتيات/ السيدات تخبئ سرها الكبير بين عينيها، وتتظاهر بالطُهر، كما أفعل؟! من هنّ المنتهكات الصامتات المعتزلات خشيةً على أسمائهن/ أسرهن/ صورهن/ مستقبلهن وكذباتهن الكبيرة على الكون.. من يا ترى؟!

هذا مجتمعٌ يضم المخادعين ويقربهم للفوز بالمتع كلها، تمامًا كغيره من المجتمعات التي تستمرئ فعل البشاعات في الخفاء وتهوى التواري وراء شمّاعات الظروف وتنتشي بشنيع فعلها المعفّر بألف رغبةٍ كاذبةٍ في الطهر، لـ تعلن بصوتٍ عالٍ رفضها لكل التصرفات اللاسويّة ..)

تبدو حكاية «المأساة» في المعتاد مغويّة بالمزيد من التفاصيل الحزينة، والكثير من رصد مشاعر الحزن و«الولولة» على ما حدث ويحدث للبطلة والشخصيات في الرواية، لاسيما إذا ارتبط الأمر بحادثةٍ مأساوية زلزلت العالم بأسره وغيَّرت الكثير في العلاقات بين الدول والشعوب مثل (حرب العراق) و«تحرير الكويت» حتى «سقوط صدام»، كل ذلك يجعل الأمر مدعاة للتقلب على جمر الحزن وتجرع المآسي، إلا أن «ميس» تبرع في رصد تفاصيل الحياة بشكلٍ إنساني فقط، وتمكِن «بطلتها» من التغلب على حزنها/ مصيبتها ببساطة «مواجهته»، لا ينقذها سوى أن تغمر نفسها بين طيّات الكتب، وتشكو ما تجده من حالها لطبيبها/ معالجها «النفسي»، تدور بنا «ميس» من خلال شخصيات أبطالها لنتعرّف على تلك الأسرة الصغيرة التي أفجعها الحادث في البداية، ثم لم يلبثوا أن تجاوزوه، الزمن وحده هو الكفيل بتمرير مثل تلك المصائب والفواجع، لكن بطلة «ميس» استطاعت أن تختار لها مهربًا إيجابيًا، بعكس أخيها الذي توارى وهرب بنفسه خارج البلاد!

أهرب منكم جميعا نحو الكتب، نحو حكايات الناس وتاريخهم، ولأتعرّف بمن هم أكثر شقاءً مني أقرأ تاريخا محتشدا بالأعاجيب التي أصدقها وحدي، وأعيد تشكيل وقائعها أحيانا بالمقلوب، لأنني ألوذ بالمكتبة كلما تعثّرَتْ خطاي نحو الخارج، وأدّعي بأن هناك بحثا عميقا ينتظرني لأنهيه! أجمع كل العناوين التي تصب في لُبّ «البحث المتخيّل» وأتنقّل بين المعارف وأغيبُ في عوالم ما كنتُ أعرفها،أعيد سَرْد التفاصيل لجابر الصغير حين يتعذّر عليه النوم،فيخلد للراحة ممتلئا بالقصص،فهل أحلى من الكتب؟على الأقل، هربي حميد ويمتّعْني. أما هربك يا سالم، فلا معنى له إلاّ التّواري.

سيفاجأ القارئ نفسه، بعد أن ينتهي من الرواية في مواجهة تعريفاتِ جديدة لعدد من المعاني المجردة، يستعيد بين يدي الرواية اكتشافها والتعرف عليها، فالألم والهجرة والخلاص والتحرر والعبودية، كلها مفاهيم ستتم خلخلتها وإزاحة المتعارف من معانيها المتوارثة جيلا بعد جيل..

سيجد نفسه يعقد مقارنةً رغمًا عنه بين «سلوى» التي كبلها القدر بمصيبةٍ لا يد لها فيها، وبين صديقتها «سحر» التي ارتضت الخضوع لقيد زوجٍ قضى على حياتها تدريجيًا!

أيهما الناجية وأيهما الملامة؟!

كيف يضع «القدر» الناس على هذا النحو، وكيف يتمكنون وحدهم، بعد أن يولي الناس عنهم كلها «حتى المقربين» ظهورهم عنهم، كيف يتمكنون من مواصلة حياتهم وتخطي مصائبهم والوصل إلى بر الأمان؟!

كان من الممكن أيضًا والحال كذلك أن تبدو شخصية «سلوى» بطلة الرواية تلك الشخصية الأسطورية التي تتحدى الجميع وتواجه المجتمع بقسوة وبصوتٍ عالٍ، ولكن «ميس» آثرت أن تجعل بطلتها واقعية، تستطيع أن تتغلب على مصابها لوحدها مع مرور الأيام!

على الجانب الآخر بدت الشخصيات «الرجال» في ذلك المجتمع معبئة «بالسلبية» بدءًا من والدها الذي لم يبد له أي دور مؤثر، مرورًا بأخيها «سالم» ذلك الذي كان ركنًا ترتكن إليه وقاسمًا مشتركًا لأفراحها في الطفولة، فإذا به يؤثر الانسحاب بمجرد وقوعها في تلك الكارثة/ المصيبة، لا تجد نفسها إلا وهي تناجيه، متسائلة في حيرة:

لماذا يغيب سالم عن بيته/ بيتنا؟ لماذا لم يحتضنِّي حين غادرنا الحزن الحار، ولم يقبلني كما كل مرة يفرح بها قبل «الواقعة»؟!

لماذا لا يساعدني أنا في فهم الآتي من مشقة؟! لم ينفر مني وليس لي يدٌ فيما انكسر؟!

مُرة هذه الحياة حين يغادرها هربًا متعمدًا أخٌ وحيد!

التحوَّل الذي أصاب ذلك الأخ جاء كاشفًا لحالة عامة تشير إليها الكاتبة وتدينها بهدوء، تلك الحالة من «التخلي» عن الضحية، التي ربما تتفاقم وتزيد لمحاولة قمعها ووصمها بعارٍ هي بريئة منه!

يرحل المغتصب ويتم دحر المحتل، لكن الآثار كانت ولا تزال باقية،ـ تحاول «سلوى» أن تجبر كسر نفسها، وتقاوم بكل هدوء في بيتها، حتى يسلم ابنها «جابر» وتفاجأ بالقدر يلعب لعبة أخرى معها، إذ تكتشف ارتباط ابنها بفتاةٍ عراقية!

وهكذا تنسج «ميس العثمان» عبر قصةٍ تبدو مأساوية بامتياز تفاصيل حياة بطلتها التي برزت وسط أسرتها «كثؤلول» يودون جميعًا التخلص منه وبتره وإزالته، ولكنها تتحداهم جميعًا وتتمكن من التعايش مع المصيبة التي رماها بها القدر لتعبر دون معجزة إلى السلام، وتؤكد مرة أخرى قدرة المرأة على تجاوز صعاب هذه الحياة ومواجهتها مهما كانت ثقيلة أو مجهدة.

رواية «ثؤلول» هي الرواية الخامسة للكاتبة الكويتية ميس العثمان، سبقتها «لم يستدل عليه» و«عقيدة رقص» و«عرائس الصوف» و«غرفة السماء» بالإضافة إلى كتابين سرديين ومجموعتين قصصيتين، وهي خريجة قسم الإعلام ووسائل الاتصال بجامعة الكويت عام 2000

إبراهيم عادل