“بشمرجة”.. سقطة “كان 2016” ** بروباجندا فجة تصور أبناء برزانى على أنهم أمل العالم الوحيد فى القضاء على “داعش” وتلغى وجود العراق وسوريا بقلم: أسامة عبد الفتاح   كانت زيارة

thumb_2247_media_image_926x584

“بشمرجة”.. سقطة “كان 2016”
** بروباجندا فجة تصور أبناء برزانى على أنهم أمل العالم الوحيد فى القضاء على “داعش” وتلغى وجود العراق وسوريا
بقلم: أسامة عبد الفتاح

 

كانت زيارة الكاتب والسينمائى الفرنسى برنار أونرى ليفى المفاجئة والثقيلة لمهرجان “كان” السينمائى الدولي، الذى اختتم دورته التاسعة والستين أمس الأول الأحد، مرفوضة ومستهجنة من قبل معظم الصحفيين والنقاد الموجودين، بمن فيهم الفرنسيون، ليس فقط لكونه صهيونيا متطرفا وفاعلا لصالح إسرائيل وضد كل ما هو عربي، ولكن أيضا لما يحيط به وبتحركاته وتصرفاته من غموض وأجواء مريبة.
والمعروف أن إدارة المهرجان أقدمت – للمرة الثانية خلال أربع سنوات فقط – على تغيير كل قواعدها ولوائحها التى تتشدق بها ليل نهار من أجل عيون ليفي.. فقد أعلنت فى 16 مايو الحالى عن إضافة فيلم وثائقى للأخير بعنوان “بشمرجة” إلى قائمة الاختيار الرسمي، وفى قسم “عروض خاصة” تحديدا، بعد خمسة أيام كاملة من افتتاح المهرجان، فى حين أنها ترفض أفلاما لكبار مخرجى العالم – ومنهم أمير كوستاريتسا أخيرا – بحجة تأخرهم عن آخر موعد للتقديم فى أبريل يوم أو اثنين!
وأصدر المهرجان – فى محاولة ساذجة للتبرير – بيانا قال فيه إن مسئوليه “اكتشفوا” فيلم ليفى للتو، وإن الأخير بذل مجهودا كبيرا وقام برحلة شاقة وخطيرة على الجبهة العراقية طولها ألف كيلومتر ليصنع فيلما عن المقاتلين البشمرجة الأكراد بمناطق وعرة ووسط أجواء حربية. وأوضح البيان أن الفيلم – ومدته 92 دقيقة من إنتاج فرنسا – سيُقام له عرض واحد بقاعة “بازان” بقصر المهرجانات، وأنه من المحتمل عرضه مرة أخرى فى اليوم التالى إذا طلب الجمهور!
وكانت تلك لهجة غريبة من إدارة “كان” التى تُعد نموذجا للدقة والصرامة فى تطبيق القواعد وتحديد المواعيد والالتزام بها، إلا مع هذا الرجل المريب.. فقد سبق لها – عام 2012 – أن فجرت قنبلة فنية وسياسية عندما أعادت فتح قوائم الاختيارات الرسمية للمهرجان بعد نحو ثلاثة أسابيع من إغلاقها، وأضافت فيلما وثائقيا لليفى عن الثورة الليبية، ووضعته فى نفس القسم “عروض خاصة”.
ولكى تدرك خطورة ليفي، يكفى أن تعرف أن “جيروزاليم بوست”، أكبر الصحف الإسرائيلية، وضعته فى قائمة من 50 شخصا فقط اعتبرتهم أكثر اليهود تأثيرا على مستوى العالم.. كما يذكر موقع “ويكيبيديا” الإلكترونى العالمى أن موضوع مقالاته المفضل هو معاداة السامية. ويجمع المثقفون اليساريون العرب على أنه جاسوس صهيونى خطير يعمل لمصلحة إسرائيل، ويؤمن بعقيدة الوطن الأكبر من النيل إلى الفرات، ويعتبرون أن مهرجان “كان” يتحدى العرب بدعوته، فى حين تعتبره الأوساط الغربية رمزا للحرية والإنسانية، وتصفه بأنه صاحب دور محورى فى “الربيع العرب?”!!
وبالإضافة لذلك، يُعد ليفى دخيلا على السينما، فلم يخرج سوى فيلم روائى وحيد هو “الليل والنهار”، بطولة آلان ديلون (1997)، وجعله فشله النقدى والجماهيرى الذريع يحجم عن تكرار التجربة. أما فى مجال السينما الوثائقية، فيُعدّ “بشمرجة” ثالث أعماله بعد “قسم طبرق” (2012) وفيلمه الأول “البوسنة” (1994)، الذى عُرض فى “كان” هو الآخر وأثار زوبعة من الجدل، حيث أدان النقاد والصحفيون ظهور “الفيلسوف ذى الياقة البيضاء” وسط ضحايا التطهير العرقى فى سراييفو، مستغلا معاناة البوسنيين لاجتذاب أضواء الشهرة والنجومية والترويج لأفكار “ال?دخل الإنساني”.
ولأن الزيارة مرفوضة ومستهجنة، لم يحضر عرض الفيلم سوى عدد لا يزيد على عشرين صحفيا وناقدا من بين أكثر من أربعة آلاف معتمدين فى “كان”، فى حين يتجاوز الألف على الأقل فى أى عرض آخر.. ولاحظت – على باب القاعة – أن مسئوليها حرصوا على إدخال أصحاب الدعوات أولا قبل النقاد والصحفيين، إلى درجة أنهم ظلوا يبحثون عنهم وينادون عليهم بطريقة غريبة وملحوظة، فى حين أن حاملى الدعوات ينتظرون – وفق نظام المهرجان – دخول النقاد والصحفيين أولا فى أى عرض آخر.. وعندما دخلت عرفت السبب، فأصحاب الدعوات هم من أبطال الفيلم الأكراد ورموزهم ?ضيوفهم، ومن بينهم قادة عسكريون عاملون على أرض الميدان!
لأول مرة فى التاريخ يقدم جنرالات عسكريون فيلما سينمائيا فى قاعة عرضه، حيث صعدوا على خشبة القاعة إلى جوار تييرى فريمو، المدير الفنى للمهرجان الذى جاء لتقديمه رغم أنه لا يفعل ذلك مع أى فيلم آخر، وظل ينادى على الأكراد الحاضرين ويحييهم وكأننا فى فرح شعبي، علما بأن رئيس المهرجان بيير ليسكور كان حاضرا هو الآخر، وكان ينقصهم فقط حضور “عمدة كان” ورئيس الوزراء الفرنسي.. ونتيجة لهذه الاحتفالات، تأخر العرض نحو نصف ساعة لأول مرة فى تاريخ “كان”، وكل ذلك من أجل عيون ليفي!
لا أنكر أن الفيلم جيد الصنع على المستوى الفنى أو التقني، لكن أخطر السموم هو ما يُوضع فى غلاف من العسل، والسم هنا يتلخص فى بروباجندا فجة ورخيصة لتمجيد المقاتلين الأكراد من أبناء برزانى تحديدا، مع تجاهل حتى الإشارة إلى انقسامات الأكراد والصراع المرير الشهير مع أبناء طالباني، وتصوير “البشمرجة” على أنهم أمل العالم الوحيد فى القضاء على تنظيم “داعش”، حيث لا يحاربه ولا يقدر عليه – وفقا للفيلم – سواهم، مع الإلغاء التام لوجود العراق وسوريا وجيشيهما العامليْن على الأرض، وتجاهل ذكر حتى اسميهما، وكأن ليفى قام برحلته ف? دولة الأكراد التى قامت ونحن لا نعلم، وليس فى العراق!
مع الصهيونى ليفى لا يوجد شيء مجاني، ولا يوجد شيء يُصنع عفوا دون غرض، وعليه فإن هذا الفيلم إما يدعو ويمهد لمخططات خطيرة تتعلق بإعادة تقسيم أراضى المنطقة فى “سايكس بيكو” جديدة، أو يكون صفقة بيزنس ضخمة حصل بموجبها على الملايين من أموال برزانى وأبنائه!