«تونى إردمان» و«بكالوريا» و«البائع».. درر التاج فى مهرجان كان   كان – أحمد شوقي   أكتب هذا المقال قبل ساعات من ختام الدورة التاسعة والستين من مهرجان كان السينمائى الدولي،

8555

«تونى إردمان» و«بكالوريا» و«البائع».. درر التاج فى مهرجان كان

 

كان – أحمد شوقي

 

أكتب هذا المقال قبل ساعات من ختام الدورة التاسعة والستين من مهرجان كان السينمائى الدولي، ليتم نشره بعد يومين من الختام وإعلان الجوائز. لذا فأى محاولة للتوقع أو التمنى ستكون بلا طعم، خاصة فى ظل ازدحام مسابقة هذا العام بأفلام كبيرة، سواء طبقا لمستواها أو لأسماء صناعها وتأثيرهم فى الصناعة. التوقعات إذن لا داع لها، فالجوائز سيعرفها المهتم قبل قراءة المقال. أما ما يبقى فهو الأفلام، ولذلك سنلقى الضوء فى هذا المقال على أفضل ثلاثة أفلام تنافست على السعفة الذهبية هذا العام (طبقا لرأى الكاتب بالطبع)، والتى من الأرجح?أن أحدها أو كلها سيكون قد نال جوائز عندما تقرأ هذا المقال.
تونى إردمان
إذا كان من النادر عموما وجود فيلم كوميدى فى مسابقة أحد المهرجانات الكبرى، فإن الأندر هو أن يكون هذا الفيلم هو صاحب النصيبة الأوفر من الإعجاب وترشيح الجميع للسعفة. المخرجة الألمانية مارين أدى فاجأت الجميع بهذا العمل الذى ارتفعت معه الضحكات لدرجة الصراخ خلال العرض الصحفي. المدهش هو أن تلك الكوميديا الألمانية الصارخة (وهو بحد ذاته أمر نادر) جاءت محملة بأفكار أثقل بكثير مما يمكن أن يتخيله من يعرف الحكاية: أب وحيد يطارد ابنته التى تعمل فى شركة عابرة للقارات سعيا لاهتمامها.
هذا فيلم عن الحياة الحديثة وكيف يمكن أن تشوه نفوس البشر. ليس فقط فى قطع العلاقات الطيبة بين الأهل، وإنما الأهم هو الإخلال بمفهوم السعادة نفسه لدى الإنسان. أن يعتبر أحدهم نفسه ناجحا متحققا سعيدا، بينما تمر عليه أعوام دون أن يعيش لحظة واحدة من البهجة غير المشروطة. الأب الذى ينتحل شخصية عجيبة الأطوار ويظهر فى كل مكان تذهب له ابنته يجعلنا نخوض تلك الرحلة التطهيرية مع الابنة، التى تبدأ باستهجان ما يقوم به والخجل من أفعاله ثم محاولة التعايش وصولا لإدراك القيمة وراء كل ما يحدث، لتنهى فيلمها بمشهد بالغ الذكاء هو أ?ضل نهاية فى المسابقة على الإطلاق، يمتزج فيه التصالح بالسخرية المريرة لعالم سنشاهد فيه الفيلم فنضحك ونتأثر، ثم نعود لنمارس نفس الحياة التى يهجوها.
بكالوريا
أستاذ السينما الرومانية الجديد كرستيان مونجيو يعود إلى مهرجانه المفضل بفيلم منتم قلبا وقالبا إلى سينماه التى صارت موجة يشار إليها بالبنان. السينما القائمة على صورة واقعية بسيطة، خالية من البهرجة والألاعيب البصرية، فقط كاميرا تتابع أحداث سيناريو يتحرك بعجلة سريعة، وينطلق من الخاص إلى العام، من شخصيات يمكن أن تقابلهم فى الحياة اليومية إلى آراء واضحة فى المجتمع الرومانى المعاصر بعد ربع قرن من الثورة ضد نظام تشاوشيسكو. مونجيو أحد أساتذة الحكى فى العالم، الحكاية هى شغله الشاغل وهى ما تعطى «بكالوريا» قيمته.
طبيب ناجح وشريف لكنه غير سعيد يخون زوجته، يضع أمله فى ابنته المتفوقة والتى تستعد لتنهى امتحان البكالوريا كى تنال منحة دراسية فى بريطانيا، حتى تتعرض الفتاة لمحاولة اغتصاب وهى ذاهبة للامتحان، فتكاد الفرصة تضيع ما لم يتدخل الأب من ناحيته، فيفسد لأول مرة كى يتلاعب بنتيجة الابنة. كما يمكن أن نتوقع الخطأ البسيط يتفاقم، وتترتب عليه نتائج أكبر وأكبر، فتشرخ العلاقة بين الأب وابنته، والزوج وزوجته، والعلاقة بين المواطن والمجتمع الذى يدفعه دفعا نحو الفساد. أما الأخطر من كل هذا فهو تشويه العلاقة بالمستقبل، الذى يقول ال?يلم بوضوح انه بالنظر للمعطيات القائمة فمن المستحيل أن يكون مشرقا، حتى على المستوى الفردى ومهما بلغ اجتهاد الإنسان، لأن الصواب لا يترتب أبدا على خطأ، والفساد لا يأتى إلا بمثله.
البائع
آخر أفلام المهرجان الكبيرة عُرض للصحافة قبل الختام بيومين ثم عرض عام فى اليوم السابق للختام ليكون آخر أفلام المسابقة فى ترتيب العرض، وهو ما سيظلمه بالتأكيد فى حجم التغطية الإعلامية بعد رحيل كثير من الصحافة الدولية، اللهم إلا لو رأت لجنة التحكيم أن تمنحه جائزة تعيد له حقه. الفيلم لأستاذ آخر من أرباب الحكى هو الإيرانى أصغر فرهدي، مخرج «انفصال» و«الماضي» الذى خلص السينما الإيرانية من تراث الشكلانية الشعرية أحيانا والمملة كثيرا، وهاهو يعود فى كان للمرة الثالثة بفيلم ينتمى لعالمه المعروف قلبا وقالبا.
الأزمات فى أفلام فرهدى تبدأ دائما من داخل البيوت، بمعنى الكلمة المجازى المعبر عن العلاقات الأسرية، وبمعناها الحرفى فى الفيلم الجديد الذى يبدأ بتصدع منزل البطلين واضطرارهما لتركه والانتقال لمنزل جديد، تتعرض فيه الزوجة لحادث يفسد حياتها وزوجها، ويدفعه دفعا نحو البحث عن انتقام شخصى يتصاعد بعجلة جنونية تعودنا عليها فى أفلام سيد الحكى الإيراني. الجديد فى «البائع» هو خط مواز متعلق بوظيفة الزوجين، فهما ممثلا مسرح يستعدان لعرض مسرحية «موت بائع متجول» لآرثر ميللر. وجود الخط بما فيه من مشاهد مسرحية تحال باستمرار لأح?اث الخط الرئيسي، هو شكل حداثى جديد على سينما فرهدي، الذى يجمع هنا بين الحسنيين: يقدم ما يبرع فيه ويدعمه بالجديد.
الأفلام الثلاثة هى الأكثر اكتمالا بين أفلام المسابقة الرسمية، ربما يصدق حدسنا ويكون أحدها هو حامل السعفة، لكن فى الأرجح سيتواجد بعضها فى القائمة الكاملة لجوائز المهرجان.