«خدام اللطافة».. محجوب عمر ودور المجتمع الأهلى فى حفظ الذاكرة صفاء الليثى   يهتم النشاط الأهلى بالتوثيق عبر أفلام وثائقية تنتجها جهات غير هادفة للربح أو شركات خاصة لا تضع

yyuu

«خدام اللطافة».. محجوب عمر ودور المجتمع الأهلى فى حفظ الذاكرة
صفاء الليثى

 

يهتم النشاط الأهلى بالتوثيق عبر أفلام وثائقية تنتجها جهات غير هادفة للربح أو شركات خاصة لا تضع الربح السريع ضمن أهدافها، عرض مؤخرا فيلم وثائقى بعنوان «خدام اللطافة» ومنه يظهر التوجه الذى قدمته الروائية العراقية إنعام كجه عن المناضل المصرى الفلسطينى محجوب عمر. فى مكان ازدحم عن آخره بغالبية ممن يعرفون الطبيب المناضل وبعض ممن يهمهم الشأن العام والشأن السياسى، وبعد كثير من مقدمات وتنويهات لأعمال أنتجتها أو تبنت توزيعها « دال» وهو مركز للأبحاث اسمه مستوحى من الحرف العربى – د – رمز الدلالة والإرشاد. دال هو مفهوم?فريد من نوعه يجمع حلول كل من البحوث ووسائل الإعلام تحت سقف واحد. يستهدف المركز المساهمة فى صناعة نموذج مجتمعى حضارى يقوم على المعرفة العلمية فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومواجهة وتعرية الفكر الظلامى أيا كانت مصادره وتوجهاته، ويتضح هذا التوجه من الأعمال التى اهتم المركز بتداولها مثل فيلم «عن اليهود فى مصر» للمخرج أمير رمسيس.
عرض الفيلم وسط استقبال دافئ وحميم أشاعته كلمات من التقت بهم المخرجة من أصدقاء الراحل. ركزت الفنانة على كل ما هو إنسانى وطريف فى شخصيته وينتهى الفيلم بعد حوالى ساعة دون أن نعرف تماما ما الدور الحقيقى الذى قام به د. محجوب عمر الذى يعرفه أصدقاؤه فقط بمحجوب والذى أضاف اسم عمر وهو اسم والد صديقه الحميم ليكون اسم شهرته وتوارى اسم مولده رؤوف عبد الملاك المولود لأسرة مسيحية فى صعيد مصر وبهذا يكون معبرا عما قالته الشاهدة الشيعية بالفيلم أنه كان مسيحيا مع المسلمين ومسلما مع المسيحيين. وإذا كان الفيلم لم يغط صفحات من?نضاله إلا أننا نشعر به حيا بيننا مع أجواء اليسار وقد صحبتنا أغنية الشيخ إمام «الخط ده خطى والكلمة دى ليا» وعبر أشعار بالعامية المصرية للمُكرم نفسه نسمعها بأدائه المعبر، نعم المكرم فالعمل أقرب ما يكون إلى محاولة تكريم مناضل حى فى ذاكرة زملائه ورفاقه وكل من تعامل معه سجلت معهم المخرجة لقاءات فى القاهرة وبيروت وعمان، مجهود كبير بذلته الروائية إنعام كجه جعلتنا نتعرف على الشخصية من خلال عمل حميم ينقصه بعض الاتقان على مستوى حرفة السينما، فالصورة مهتزة فى عدد لا بأس به من المشاهد، وعدم نقاء الصوت ووضوحه سببا جانب? من عدم مفهوم فحواه، وعدد آخر من المشاكل التقنية التى يمكن تجاوزها وإصلاحها فى مرحلة ما بعد التصوير إذا توفرت الإمكانيات لذلك حتى لا تهدر هذه الوثائق التى جمعت فى أكثر من بلد عربى وهذه اللقاءات وثائق مهمة لعدد من كبار السن ممن قابلتهم المخرجة لعمل الفيلم. من تقديمها للعرض فهمنا أنها اعتمدت على دراسة لمناضل آخر هو د. إيمان يحيى الذى كتب بحثا مطولا عن د. محجوب عمر كان ملهما ومحفزا للمخرجة – وهى غير المحترفة – لتتحمس وتنجز فيلمها الوثائقى الثانى ونجحت فى خلق تركيبة من اللقاءات والوثائق من الصور مع لقطات حية ل?قاهرة الآن توافقت مع غناء الشيخ إمام وأشعار «صاحب اللطافة» فى عمل يحتاج فقط إلى علاج لبعض المشاكل التقنية ليبقى وثيقة مهمة عن ذاكرة وطن ليس مصر فقط ولا فلسطين فقط بل (ذاكرة عربية خصبة) باقية فى الأذهان.
مخرجة الفيلم صحفية وروائية عراقية ولدت فى بغداد عام 1952 وفى جامعتها درست الصحافة. عملت فى الصحافة العراقية والراديو العراقين قبل انتقالها إلى باريس لتكمل أطروحة الدكتوراه فى جامعة السوربون. تشتغل حاليا مراسلة لعدد من المطبوعات العربية. نشرت إنعام كجه جى كتابا فى السيرة بعنوان «لورنا» عن المراسلة البريطانية لورنا هيلز التى كانت متزوجة من والنحات والرسام العراقى الرائد جواد سليم. كما نشرت كتابا بالفرنسية عن الأدب الذى كتبته العراقيات فى سنوات المحنة والحروب. فى عام 2004 أعدت وأخرجت فيلما وثائقيا عن الدكتورة?نزيهة الدليمي، التى أصبحت وزيرة عام 1959. للمخرجة عدد من الروايات «سواقى القلوب» (2005) و«الحفيدة الأمريكية» (2008) التى وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009 وصدرت بالإنجليزية والفرنسية والصينية. وهى فى توجهها لإنجاز أفلام وثائقية تعبر عن مقولتها «ذاكرتى هى نصيبى الأعظم من وطن يطرد أبناءه» ولا شك أنها مكسب يضاف إلى مبدعى الفيلم التسجيلى فى الوطن العربى الذين يخدمون مجتمعاتهم وأوطانهم من خلال توثيق ذاكرة أبنائه الأحياء دوما فى أوطانهم بما قدموه لشعوبهم وإخوانهم. كهذا الفيلم الم?م عن مناضل يسارى آمن بالقومية العربية.
كما نحتاج إلى مبدعين يحفظون ذاكرة الوطن، نحتاج إلى مؤسسات أهلية مثل «دال» بتركيبته الطموحة لتعوض جانبا من تناقص التظاهرات السينمائية الثقافية التى يلتف حولها سياسيون ومثقفون تثير شجونهم لاستعادة ما يعرفونه ولتعريف الأجيال الشابة بما فعله مناضلون فى قامة محجوب عمر.