حوار: منى فوزي   لم تكن رحلتها باليسيرة.. كانت كالفراشة الرقيقة ذات الألوان المبهجة، بدأت حياتها كراقصة باليه ثم تدرجت فى المناصب حتى أصبحت رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية. وفى

104

حوار: منى فوزي

 

لم تكن رحلتها باليسيرة.. كانت كالفراشة الرقيقة ذات الألوان المبهجة، بدأت حياتها كراقصة باليه ثم تدرجت فى المناصب حتى أصبحت رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية.

وفى كل مكان ذهبت إليه كانت شعلة من النشاط تشع حيوية ونشاطا ومرونة.

د. نيفين الكيلانى هى من مواليد برج السرطان وعلى الرغم من أن أبناء هذا البرج ليسوا متفائلين إلا أنها شخصية نوعية متفائلة جدا تمنح كل من حولها طاقة إيجابية خارقة.. تنظر دائما إلى الجانب المشرق من الأشياء ونظرية الكوب الممتلئ.

كان دورها فى صندوق التنمية الثقافية هو آخر محاور حوارى معها، حيث إن رحلتها طويلة قوية امتدت لسنوات عديدة.

بدأت راقصة باليه حيث قلت يوما إن قوة التحمل هى سر نجاح راقصة الباليه.. ماذا تقولين الآن بعد كل هذه السنوات؟

– أهم شىء تعلمته من دراسة الباليه هو الصبر والقدرة على التحمل لأن تدريبات الباليه شاقة جدا، فكانت دائما محتاجة لاستمرارها وقدرة على الثبات، لأن التدريبات تتكرر كل يوم وبنفس الروتين والضغوط والمجهود وتتزايد يوما بعد الآخر.. والمهم أن النتيجة لا تظهر فى يوم وليلة.. ولكننا كنا نتدرب من ثلاثة إلى ستة أشهر ثم نعرض لمدة يوم واحد وربما تزيد لتصبح خمس ليال، فلكى تجنى ثمار ما فعلته تحتاجين وقتا طويلا لأن راقصة الباليه تتعامل مع جسم بشرى ومع عضلة وشكل معين للجسم وطابع معين فى الأداء، وعندما كنا نتمرن على رقصة لشخصية معينة لها طابع خاص، فكل هذا يحتاج إلى وقت طويل ومجهود كبير.

* كم من الوقت كان يستغرق ساعات التدريب؟

– كنا نبدأ من الساعة 11 حتى الساعة الثالثة، وهذا بالنسبة للمرحلة المتوسطة الإعدادى والثانوي، أما الطلبة المتميزين فكانوا يدخلون مع فريق الباليه بعد الحصص وتدريبات تستمر خمس ساعات أخرى.. أما الإجازة فكانت مدتها شهرا واحدا، وكان يمكن أن يتم إلغاؤها إذا كان هناك عروض صيفية أو بروفات على عرض جديد أو سفر إلى مكان ما.

* د. نيفين ما زلت تحتفظين براقصة الباليه فى شكلك على الرغم من توقفك منذ سنوات طويلة ما السر؟

– تبتسم ابتسامة رضا وتقول: «هذه وراثة، فطوال عمرى لم تكن السمنة مشكلة بالنسبة لي، فمنذ أن بدأت الدراسة النظرية بدبلوم الدراسات العليا ثم تعيينى كمعيدة وبدأت التدريس، توقفت عن التدريبات لأننى كنت بذاكر ثم تزوجت وأنجبت.. ثم كان الماجستير والدكتوراه.

* كانت رسالة الدكتوراه عن علاقة الرقص بالفنون الأخرى فى عصر النهضة.. لماذا هذا الموضوع تحديدا؟

– أنا عاشقة للتاريخ وما زلت قارئة نهمة لكل ما هو له علاقة بتاريخ الحضارات والأمم، وفن الرقص تطور نتيجة تطور الموسيقى ونجد التركيبة الخاصة بالموسيقى لها علاقة بالتصميم المعمارى للقصور، فتكرار الوحدة الزخرفية كان يقابله تكرار فى النوتة الموسيقية وتكرار فى الأداء الحركي، فكان هناك ترابط بينها.. هذا الترابط والتكامل فى الفنون كان شاغلى الشاغل وكل هذا فى عصر النهضة بالطبع.

* دراستك الأكاديمية جعلتك تتنازلين عن راقصة الباليه.. ألا تفتقدينها؟

– عندما بدأت أدرس اكتشفت فى نفسى حب الكتابة والبحث العلمى أكثر من الأداء داخل صالة الباليه، فكنت أدرس للأطفال فكانت فرصة لبداية مرحلة جديدة وهذا عندما كنت معيدة ثم مدرسة ثم كانت الدكتوراه ومرحلة أخرى من التدريب لطلبة الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه فى معهد النقد الفني، هذا أشبع لدى الرغبة فى البحث العلمي.

* بعد هذه المرحلة انتقلتِ للعمل فى المركز الدولى للموسيقى بقصر المانسترلي.. ماذا تمثل لكِ هذه التجربة؟

– استفدت خبرة التعامل مع الإدارات فى الصندوق، لأن صندوق التنمية الثقافية مؤسسة من مؤسسات الدولة المعنية بالتنمية الثقافية.. فقد عملت فى هذا المكان لمدة ثلاثة عشر عاما مع الفنان رمزى يس وكذلك طارق شرارة، وطوال الوقت كنت أتعامل مع موضوعات فنية وثقافية فكان شيئا ممتعا اكتسبت خبرة جديدة أفادتنى كثيرا.

* انتقلت بعد ذلك إلى عمادة المعهد العالى للنقد الفنى وشكل آخر من أنواع الإدارة.. ماذا عن هذا المنصب؟

– توليت منصب العمادة بجانب عملى فى الصندوق وظللت لمدة عام أقوم بهذه المهمة.. وبعد ذلك حدث أن أصبح مركز رئيس صندوق التنمية الثقافية شاغرا وتم اختيارى وأصبح عليَّ أن اختار إما العمادة أو رئاسة صندوق التنمية، واستطيع أن أقول إن خبرة التدريس أفادتنى فى أشياء وخبرة الصندوق أفادتنى فى أشياء أخرى، فإنهما وجهان لعملة واحدة..

* ما الرسالة التى حرصت على تصديرها لطلابك أثناء عملك بالتدريس؟

– فى البداية كان التدريس للأطفال وصعوبته فى شيئين، الأول: ان الطفل بحاجة إلى صبر وطولة بال لأنك تكررين نفس الروتين كل يوم ولكى تحصلى على نتيجة يجب أن تنتظرى فترة طويلة، الشىء الثانى: ان هذا الطفل غير مدرك الهدف الذى يعمل من أجله وطوال الوقت يريد أن يلعب ويلهو، فلابد أن يوجد معه من يوجهه ويسيطر على تصرفاته، وتستطرد قائلة: أما طلبة الدراسات العليا فإنهم مختلفون وكانت الصعوبة فى شىء آخر وهو أننى يجب أن أبقى أتكلم لمدة ساعتين متواصلتين، وهذا شىء لسنا متعودين عليه فى معهد الباليه، فالتعامل مع الطلبة كان يعطينى أفكارا جديدة تلقى الضوء على أشياء ومواضيع لم تكن تلفت نظرى قبل ذلك لأنها من وجهة نظرى غير متخصصة، هى بالنسبة لى بديهيات درستها وتعلمتها منذ فترة فكان التدريس بالنسبة لى تحديا كبيرا.. تحديا لأنه كان على أن أعلم الطلبة ماذا يعنى الباليه وشباب تجمعوا من مختلف الجامعات لم يشاهدوا فى حياتهم عرض باليه أو عرض أوبرا ولم يستمعوا إلى الموسيقى الكلاسيكية، إلا أننى فوجئت بكتابتهم التى كانت على مستوى عال جدا ومن وجهة نظر مختلفة جدا، لذلك فأنا حتى الآن محتفظة بمجموعة من الأبحاث التى أذهلتني، لذلك كنت أشعر أننى أديت رسالة مهمة.

* من خلال متابعتك لتطور فن الباليه فى مصر.. هل تعتقدين أنه تقدم أم تراجع؟

– الباليه الموجود بالخارج غير الباليه الموجود فى مصر، ففى الخارج تطور وفى مصر تراجع.. فهنا لا تجدين إلا الكلاسيكيات مثل بحيرة البجع وكسارة البندق والجمال النائم، أما فى الخارج فقد أصبح الباليه الكلاسيكى ينظر إليه على أنه تراث من القرن الثامن والتاسع عشر، وهناك بالخارج أشكال جديدة من الرقص، أما فى مصر فالأمر مختلف تماما حتى عن الستينات، فأنا أذكر أنه أثناء بناء السد العالى ذهبت فرقة الباليه لتعرض للعمال والجنود والمهندسين عرضا مستوحيا من أشعار بوشكين، كان الحضور يصفق لها وبشدة وطلبوا أن يذهب لها العرض مرة أخرى، وأذكر أننى وأنا طالبة فى إعدادى وثانوى شاركت مع فرقة الباليه فى عروض فى الإسماعيلية والأقصر وأسوان وكنا نذهب للجامعات فى كل مكان، كل هذا غير موجود الآن.

* نصل إلى قيادتك لصندوق التنمية الثقافية.. ماذا تحاولين أن تقدمى فى هذا المجال؟

– الصندوق مؤسسة من مؤسسات الدولة، بدأت فكرته فى أوائل التسعينات بقرار جمهورى بتمويل ذاتى حتى ينطبق عليه اللائحة المالية للصناديق الخاصة ويتضمن مرونة فى التعاملات من أجل سرعة الإنجاز، والتمويل الذاتى معناه موارد ذاتية للصندوق فى مشروعات يديرها تعود عليه بالربح من مخصصات له مثل الضرائب على تذاكر السينما أو كافيتريا مستأجرة، وكذلك نسبة من الدخل على السياحة والآثار وهذا كان سابقا، نتعامل مع شباب الفنانين الذين يملكون مشاريع، نقوم بدراستها من خلال مجلس إدارة ويقرر الموافقة وكيفية التنفيذ، أو مساهمة فى مطبوعات أدباء لديهم كتب ولا يستطيعون أن يسوقوها فنقوم نحن بتسويقها.

* نيفين الكيلانى راقصة باليه ومدربة، أى فنانة من طراز خاص، هل تستمتعين بهذا العمل الإدارى؟

– حقيقة الأمر أنا دائما أنظر إلى الجانب المضىء من الأشياء، فعلى الرغم من الصعوبات والعراقيل التى تواجهني، إلا أننى مطلقا لم أفقد صبرى أو أنظر إلى الجزء الفارغ من الكوب.

* ما فلسفتك فى إدارة صندوق التنمية الثقافية؟

– الموضوع ليس فلسفة وإنما الفكر أو الرؤية، فقد كان من البداية أن نتوجه إلى التنمية البشرية، بمعنى أن نهتم بتعليم الشباب، ونقدم دورات تدريبية، ونهتم بتنمية المواهب ونفتح مجالات جديدة للشباب، فقد كانت المرحلة السابقة تهتم بالمشروعات الإنشائية، أما الآن فإننا نتوجه للإمكانيات البسيطة للشباب.

* قلت فى أحد حواراتك إننا نهتم بالبشر وليس بالحجر.. بشكل أبسط كيف تتعاملون مع شباب الفنانين؟

– لدينا عدة مشاريع بشرية خاصة بالشباب، فمثلا يوجد مركز الحرف ومشروع اسمه «باب رزق جميل» بمركز الفسطاط للحرف التراثية،وفيه نعلم الشباب الحرف اليدوية ونقدم الإمكانيات مجانا، ونقوم كذلك بتسويقها.

* كم عدد الفعاليات التى يقوم بها الصندوق كل عام؟

– لدينا أربعة عشر مركز إبداع يقام به فعاليات طوال الشهر، وهناك بعض المراكز تعمل ثلاثة أيام فى الأسبوع فقط، توجد مراكز إبداع للأطفال، مركز تخصص للحرف التراثية، مركز يهتم بالأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة، يوجد كذلك المسرح الجامعي، ونقوم بتصفيات بين الموهوبين فى الجامعات، وكذلك نقدم عروضهم على مسرح مركز الإبداع وذلك بعد دورة تدريبية مجانية.

* متى ستقام الاحتفالية المقبلة وما هى؟

– ستقام يومى 24 و25 أى الاثنين والثلاثاء بالفنون السيناوية.

انتهى حوارى مع رئيس صندوق التنمية الثقافية، إلا أن مشاريعها وأحلامها لم تنته.. فإنها تحلم بغد أفضل تشرق فيه شمس الفنون الرفيعة، تركتها لأنها كانت على موعد مع طائرة تقلها إلى الصين، حيث تشارك فى معرض للحرف التراثية المصرية.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 829 الثلاثاء 24 مايو 2016