على هامش معركة أمانى الخياط مع فيلم “اشتباك“ لمحمد دياب كيف يتعامل تلفزيون الدولة مع الفن؟ تامر السعيد   لا أعرف المخرج محمد دياب ولم أقابله أبدا من قبل ولم

3009

على هامش معركة أمانى الخياط مع فيلم “اشتباك“ لمحمد دياب
كيف يتعامل تلفزيون الدولة مع الفن؟
تامر السعيد

 

لا أعرف المخرج محمد دياب ولم أقابله أبدا من قبل ولم أشاهد فيلم “اشتباك” وإن كنت قرأت كغيرى بعض ما كتب عنه. ولكنى شاهدت فقرة من برنامج “أنا مصر” الذى تقدمه أمانى الخياط على شاشة التليفزيون المصرى وتضمنت تقريرا عن المخرج ومسيرته المهنية وسأكتفى هنا بالتعليق على محتوى التقرير رغم فداحة محتوى باقى الفقرة لأن ضيف المذيعة لمح فى نهاية حديثه إلى فيلمى وقارنه بفيلم اشتباك ولا رغبة عندى فى شخصنة الموضوع.
كتبت هذا التعليق بعد حديث طويل مع أحد أفراد عائلتى، اكتشفت خلاله أن ما يغضبنى وعددا كبيرا من الأصدقاء من موضوع التقرير ربما يكون غير واضح للناس (مش عارف إزاي!!)
بعد أن شكرت المذيعة “أمانى الخياط” زميلها “محمد حكيم” على ما وصفته بأنه أجمل تقرير صنع فى حلقاتها من برنامج “أنا مصر” توجهت بسؤال للمخرجين الشباب “ هو امتى الجماعة السينمائية بتقبل لحد مش خريج معهد السينما ياخد هذه الفرصة؟”
> لا أستطيع الحديث باسم الجماعة السينمائية (الحقيقة لا أعرف بالتحديد ما المقصود بهذه الجماعة) كذلك لا أعرف عمليا كيف لطرف آخر غير صانعى الفيلم وإدارة “مهرجان كان” أن يملك عمليا حق الرفض أو القبول؟ إذا كانت تسأل عن القبول والرفض المعنوى باعتباره أضعف الإيمان فأنا أستطيع إن أتحدث عن نفسى باعتبارى خريج معهد السينما ولأننى، للأسف وللمفارقة، مازلت أصنف كمخرج شاب (رغم أنى تجاوزت الأربعين ببضع سنوات). واجابتى عن سؤالها هى نعم أقبل وبكل سرور لأنى ببساطة لا أرى دراسة السينما الأكاديمية هى الطريقة الوحيدة لصناعة الأ?لام. لا أعرف مكانا آخر فى العالم يربط الحق فى صناعة الأفلام بدراسة السينما فى معهد محدد ويستنكر أن يأتى مخرج من خارجه. والحقيقة أن معظم المخرجين الذين تعجبنى أعمالهم فى مصر والخارج لم يدرسوا فى معهد السينما.
شاهدت كثيرا تقارير صحفية وتليفزيونية غير مهنية (ليس فقط فى بلادنا لكن فى جميع أنحاء العالم) غير ان هذا التقرير حالة نادرة من قمة انعدام المهنية والمجاهرة بذلك عيانا بيانا وهو ما يعكس حالة ترد مخيفة تهدد كل شىء حولنا بما فى ذلك صانعوه. لا يتعرض التقرير (ولا المذيعة ولا ضيفها على التليفون) لتحليل محتوى الفيلم ويبدو جليا أنهم لم يروه (فلم يخبرنا أى منهم بعكس ذلك) ولكنهم يسمحون لأنفسهم بالحكم على فيلم واستبطان دوافعه دون حتى أن يشاهدوه. هذا رعب حقيقى أن يرسخ تليفزيون الدولة للجهل وأن تنصب محاكم لصناع الأفلام م? أشخاص لم يشاهدوها وأن يمر كل ذلك دون حساب ودون وقفة أو حتى تصريح من النقابة أو “الجماعة السينمائية” التى تسأل عنها المذيعة على خلفية موسيقية رديئة توحى بأن التقرير يكشف سرا خطيرا يخبرنا التقرير أن محمد دياب “بشكل مفاجئ” سافر لدراسة السينما فى أكاديمية نيويورك عام ٢٠٠٥. يقولها التقرير فى سياق اتهام المخرج فى الجملة السابقة إنه من “نشطاء السبوبة والتمويل”. لم أفهم ما علاقة سفره بذلك كما لم أفهم من فاجأه هذا السفر؟ هل كاتب التقرير مثلا من أسرة محمد دياب وضايقه أن المخرج لم يخبره قبل سفره؟ وما المفاجأة فى أن ?ابا يهوى السينما يقرر السفر إلى أهم بلد يصنع سينما فى العالم لدراستها ثم يعود ويصبح مخرجا؟ وبما أنه اجتهد ودرس لماذا نستعدى عليه هذه “الجماعة السينمائية” ونتساءل عن حقه فى الفرصة؟ ماذا يعرف صانعو البرنامج عن معهد السينما فى مصر وأكاديمية نيويورك ليعتبروا أن الثانية لا تؤهل الدارس فيها لإخراج فيلم يشارك فى مهرجان كان؟
***
يعدد التقرير أربعة أفلام كتب لها محمد دياب السيناريو (أحلام حقيقية- الجزيرة- ألف مبروك -بدل فاقد) وكلها أفلام حصلت على تصريح من الرقابة بعرضها جماهيريا وعرضت فى دور السينما ومعظم التليفزيونات وربما حتى التليفزيون المصرى لكن التقرير يقول انها تقدم “صورة مشوهة للمجتمع المصري”. بصرف النظر عن رأيى فى الرقابة، من كاتب التقرير أو معد البرنامج آو مقدمته ليقرروا ذلك إذا كان الفيلم أجيز رقابيا؟
تأتى درة اللامهنية فى التقرير عندما يتحدث عن فيلم ٨٧٦ ويعتبر أنه “قدم مصر على أنها مجتمع متحرش ينتهك المرآة وحقوقها”. بدا لى أن كاتب التقرير لا يسير فى الشوارع ولا يقرأ الجرائد وليس لديه أقارب نساء وربما لا يعيش هنا. تليفزيون الدولة يطلب من صناع الأفلام ألا يقتربوا من مشكلة ترعب وتهدد، على الأقل، أكثر من نصف سكان مصر ويعتبر أن الحديث عنها ومناقشتها (فى فيلم مجاز رقابيا من الدولة) يسيئان إلى الدولة. إذن علينا أن نصمت وندعى أن شوارعنا نظيفة وآمنة وأن النساء لا يتعرضن لأى مضايقات وأن كل شيء تمام ورائع ويبعث ع?ى الأمل والسعادة!!
> بعد ذلك يجتزئ التقرير مقابلات أجراها محمد دياب على التليفزيون لا يتعدى أى منها ١٠ ثوان مفرغة من أى سياق ومع ذلك يستنطقها بما ليس فيها فلا توجد كلمة واحدة تسيء لمؤسسات الدولة ولا لوزارة الداخلية (المقطع السلبى الوحيد المجتزأ بشكل منفر ضد ممدوح مرعى وبالتأكيد لا يمكن اختصار مؤسسات الدولة فى شخصه).
يتجاوز التقرير ذلك ليستعمانا “بالمعنى الحرفي” فبينما نرى صورة تقرير صحفى يحمل عنوانا يمكن قراءته بسهولة يقول فيه المخرج عن الممثل أحمد مالك “فنان رائع لو غلط نحاسبه مش ندبحه” يندد المعلق بـ “المواقف الغريبة” للمخرج ودعمه لأحمد مالك بعد قصة بالونات الواقى الذكري. بصرف النظر عن رأيى فى هذه القصة، لم أفهم ما الغريب فى موقف مخرج يتحدث عن ممثل يعمل معه على أحدث أفلامه ويطالب بمعاقبته وليس ذبحه. لم أر فى الخبر أى دعم للمثل فى تصرفاته ولا حتى مطالبه بتجاوز الموضوع والعفو عنه بالعكس هو يؤكد ضرورة محاسبته إذا كان م?طئا دون ذبحه وطبيعى أن يراه فنان رائع فقد اختاره للتمثيل فى فيلمه.
> وبعد أن يخبرنا التقرير أنه يعادى مصر فى واقعة مقتل الإيطالى ريجينى دون أن نعرف كيف فعل ذلك وما مفهوم كاتب التقرير عن معاداة مصر يتحول التقرير للحديث عن فيلم اشتباك ويأخذه إلى محكمة الوطنية ويثير تساؤلات عن دوافع الفيلم وأهدافه دون أن يناقش محتواه الفنى (وهو ما لم يحدث أيضا من المذيعة وضيفها بعد التقرير)
***
> أخيرا قرأت الكثير من التعليقات التى تهاجم التقرير بدعوى أن الفيلم جيد وأنه كان تمثيلا مشرفا لمصر فى مهرجان كان وأنا أيضا أختلف مع هذا الرأي. كما سبق وذكرت لم أشاهد الفيلم وتعلمت ألا أحكم على فيلم قبل أن أراه لكن فى الحقيقة سيكون عندى نفس الموقف من التقرير وربما بحدة أكثر لو حتى كان الفيلم سيئا ولم يكن مشاركا فى مهرجان كان. ما يجب أن ندافع عنه جميعا هو رفض التعامل مع أى عمل فنى بهذه الطريقة بصرف النظر عن مستواه وسياق عرضه
بقى أن أقول ان رعبى الأكبر هو إحساسى بضرورة شرح هذه البديهيات لأن هناك من يجهلها أو يتجاهلها.
تامر السعيد
__________
تامر السعيد هو صانع أفلام يعيش فى القاهرة حيث ولد عام ١٩٧٢. درس الإخراج السينمائى والصحافة وأخرج عددا من الأفلام الروائية القصيرة والتسجيلية التى نالت العديد من الجوائز المحلية والدولية. أسس تامر “زيرو برودكشن” عام ٢٠٠٧ لإنتاج الأفلام المستقلة كما أسس مع آخرين “سيماتك- مركز الفيلم البديل” فى القاهرة. أول أفلامه الروائية الطويلة هو “آخر أيام المدينة” الذى عرض للمرة الأولى فى مهرجان برلين عام ٢٠١٦ حيث نال جائزة الكاليجاري.