«عين الحياة».. «اللى تعوزه العشوائية يحرم على الثقافة» ! •كيف يحتفى الفيلم بمواطن يقول: «خلونا تبع إسرئيل لأنها أرحم علينا منكم»؟! •قد ترى الطالبة / المخرجة فى رؤيتها فعلا ثوريا

ttttttttttt

«عين الحياة».. «اللى تعوزه العشوائية يحرم على الثقافة» !
•كيف يحتفى الفيلم بمواطن يقول: «خلونا تبع إسرئيل لأنها أرحم علينا منكم»؟!
•قد ترى الطالبة / المخرجة فى رؤيتها فعلا ثوريا وليس تحريضا جاهلا لكن ما دور أساتذة المعهد الذين شكرتهم لأنهم أشرفوا على مشروعها؟
مجدى الطيب

 

ربما يمكن النظر بعين الاعتبار إلى الأسباب التى تدفع حزبا أصوليا تكفيريا إلى إطلاق، وتعميم، أباطيل وترهات، من نوعية «لا تهدروا موازنة الدولة على الفن والثقافة، وأنفقوها على الفقراء والمحتاجين»، كونها دعاوى متخلفة تنسجم و«الاستراتيجية»، التى تقوم عليها الأحزاب الرجعية الكارهة للفن والثقافة، و«الأيديولوجية»، التى تضمن بقاءها، لكن كيف يتأتى أن تصدر مثل هذه الدعاوى من فيلم سينمائى لمخرجة شابة اختارت العمل فى الفن بمحض إرادتها، وقدمت الفيلم، الذى يتبنى هذه الخزعبلات، مدعومة من مؤسسة تعليمية تتبع أكاديمية فنية ت?بعة لوزارة الثقافة !!
هذا ما حدث فى الفيلم التسجيلى القصير «عين الحياة» (24 دقيقة) الذى أنجزته وفاء حسين، كمشروع تخرج فى السنة الثالثة بالمعهد العالى للسينما، ورشحته إدارة المعهد لتمثيلها، ومصر، فى مسابقة الأفلام التسجيلية القصيرة فى الدورة الثامنة عشرة لمهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة؛وفوجئت بأنه يتبنى نفس المقولات العجيبة التى باتت تتكرر كثيرا فى الآونة الأخيرة، خصوصا فى أوساط المتطرفين، والكارهين لأى شكل من أشكال الوعى والتنوير، بالإضافة إلى المُدركين لخطورة الدور الذى تؤديه الثقافة – بوجه عام– فى حياة ا?أمم والشعوب؛إذ أن الدعوة إلى إقصاء الفن والثقافة، وتوجيه الأموال المخصصة لهما إلى المشاريع التنموية، وبناء «مساكن للفقراء»، وإصلاح المرافق والبنية التحتية، ليست سوى «قولة حق يُراد بها باطل»، بل هى محاولة رخيصة تعكس رغبة خبيثة ومشبوهة، فى تكريس «الجهل»، الذى يسعى «دعاة التطرف» إلى وجوده، ودرء أى محاولة لتجفيف منابعه!
يبدأ الفيلم بلافتة كبيرة تبشر بقرب انتهاء مشروع المتحف القومى للحضارة المصرية، لكن صوتا مصاحبا لظهور اللوحة يقول «ده ما يرضيش ربنا.. يدوروا على الشوارع الأول»، بمعنى أن الدولة ينبغى أن تنظر إلى الأولويات، ووقتها ستدرك أن الإنفاق على تحسين الطرق ورصف الشوارع أكثر أهمية من تمويل مشروع كالمتحف القومى للحضارة المصرية، وتأكيدا لهذا المعنى الساذج يتم القطع (مونتاج بسنت حنفي) على مجموعة من الصبية يستحمون عراة فى النيل، وتنتقل الكاميرا (تصوير محمد معتمد) إلى سكان المنطقة العشوائية «عين الحياة»، التى تقع فى نطاق ?لفسطاط، وتسكنها 200 أسرة، تترك المخرجة لبعضهم الفرصة لكى يجأروا بالشكوى من الفقر والإهمال والتجاهل الذى يجدونه من الدولة؛حيث البيوت الغارقة، بفعل المياه الجوفية، ومشاريع تحليل التربة التى لا تخدم، حسب قولهم، سوى الأغنياء مالكى الأرض المميزة على شاطئ النيل، أو قاطنى البنايات التى تحاكى ناطحات السحاب !
منذ اللحظة الأولى تُعلن المخرجة / الطالبة وفاء حسين، وهذا حقها، الانحياز والتعاطف لهذه الشريحة المهمشة، ولا تكاد تسمع صوتا عاقلا غير صوت أبنائها، لكنها لا تجرؤ أن تسأل أحدهم أو جميعهم عن مشروعية استيطانهم هذه المنطقة، وكيفية الاستيلاء عليها، وتحويلها إلى منطقة عشوائية، بل راحت تتبنى، بطيش المراهقين، ونزق النشطاء «الفيسبوكيين»، دعواهم المُطالبة بالكف عن دعم المشروعات الثقافية، وتوجيه الموازنة المخصصة لها للفقراء، ولم تكتف بهذا وإنما أطلقت العنان لأحدهم، وهو بائع أنابيب سابق، ليقول دون ذرة وطنية أو خجل : «خ?ونا تبع اسرئيل أحسن فإسرائيل رحمة شوية علينا»، فيما تعترف عجوز، بكل فخر، أنها والأهالى «بنسرق الماء والكهرباء» وتضيف: «ده حقنا.. الناس حتاكل ولا تشرب ولا تدفع الكهربا»، وتبكى أم أخرى ولدها، الذى مات غرقا نتيجة سقوطه فى النيل، محملة المشرفين عن مشروع تحليل التربة المسئولية، وتتساءل : «المشاريع دى علشان ايه ؟»، بينما يصرخ أحدهم : «أين حقوق الإنسان ؟ الفقراء اللى زينا بينداسوا بالجزم» !
أمر طبيعى أن ترى الطالبة / المخرجة فيما فعلته، وقدمته، فى فيلمها «عين الحياة»، فعلا ثوريا، وانحيازا إنسانيا، ولا ترى فيه، مطلقا، ازدراء للثقافة، أو تحريضا جاهلا، وتأليبا سافرا للطبقات ضد بعضها البعض، وهو ما أكدت عليه بالنص فى تقديمها للفيلم بالكتاب الرئيس للمهرجان «الكتالوج» قائلة بالحرف الواحد : «بيوتهم غارقة فى المياه، رغم أن هناك مبانى أخرى راقية تحيط بهم كما أن هناك ملايين تنفق على تشييد متحف بالقرب منهم»، لكن ما استوقفنى أن الطالبة / المخرجة وجهت الشكر، فى نهاية الفيلم، إلى ما يقرب من خمسة أساتذة بال?عهد، بما يعنى أنهم – جميعا – اتفقوا معها فى رؤيتها، وأيدوها فى اختيار معالجتها، وتحمسوا لمشروعها، رغم أن أبسط تعريف الإشراف يقول إن مهمة «الأساتذة» مناقشة «الطالب» فى رؤيته، وتوضيح بعض ما خفى عليه من معلومات فى إطار المشروع الذى اختاره، بالإضافة إلى تقنين «العشوائية» التى تسيطر على تفكيره، وتجعل رؤيته تنحرف عن مسارها، إما بفعل المرحلة العمرية التى يعيشها، واندفاع الشباب الذى يلازمه، أو تأثره بالمناخ السياسى الراهن، وربما «الأيديولوجية» التى تسيطر على تفكير غالبية أبناء جيله، ومن ثم ما كان ينبغى أن يترك «ال?ساتذة» الحبل على الغارب, حيث تتحول «مشاريع التخرج» إلى «مشاريع تحريضية» تفتقد الموضوعية، وتفتقر إلى العقل والروية، وأرجو ألا يسارع أحد بالظن أن حديثى هذا يعنى مطالبة، من قريب أو بعيد، بمصادرة رؤى الطلبة، وتحجيم جنونهم المشروع فى كل الأحوال، لكننى أحذر من خطر حقيقى يتمثل فى تبنى الطيش المبنى على الجهل، وتشجيع الانحياز الأرعن للفقر والعشوائية، على حساب الثقافة، التى يُنظر إليها البعض بوصفها عقبة فى سبيل تنمية المجتمع، وأن تنحيتها بعيدا هو «عين الصواب» !