مسرح النهار الشقة.. فى ليلة الزفاف   يشهد الواقع المسرحى المصرى ميلادا صاخبا لامعا لمسرح النهار، الذى يأتى كإنجاز ثقافى حيوى يمثل إضافة حقيقية للواقع الفني، باعتباره تيارا جديدا ينطلق

po

مسرح النهار
الشقة.. فى ليلة الزفاف

 

يشهد الواقع المسرحى المصرى ميلادا صاخبا لامعا لمسرح النهار، الذى يأتى كإنجاز ثقافى حيوى يمثل إضافة حقيقية للواقع الفني، باعتباره تيارا جديدا ينطلق وفقا لرؤى مغايرة وتصورات مختلفة، تهدف إلى استيعاب طاقات إبداعية شابة باحثة عن المسار، حيث يأتى هذا الكيان كنتاج لاستراتيجية علمية تتبناها نقابة المهن التمثيلية، التى نجحت بجدارة فى امتلاك مقر مسرحى لأعضائها، تحول فى زمن قياسى إلى صرح ثقافى ضخم وواجهة مشرفة تتميز بالجمال والأناقة والذوق الرفيع، وفى سياق متصل قامت النقابة بالتعاقد مع قناة النهار الفضائية على إنتاج?عروض مسرحية أسبوعية يشاهدها الجمهور، ثم يتم تصويرها لتعرض على شاشات النهار، وتحقق انتشارا جماهيريا واسعا على المستوى المصرى والعربي.
هذه هى نفس الصيغة التى اتجه إليها الفنان أشرف عبد الباقى فى تياترو مصر، ثم مسرح مصر مع قناتى الحياة وMBC والتى حققت نجاحا مبهرا وانتشارا واسعا لا تزال أصداؤه تتردد عبر العروض المتوالية فى الإمارات العربية المتحدة، ورغم ذلك فإن هذا التيار المسرحى هو ظاهرة خطيرة تفرض التوقف أمامها لكونها كارثة فنية مؤسفة، جاءت كجريمة اغتيال فعلية لفن الكوميديا وتفريغ محتواها وتغييب قيم المسرح وإفساد الذوق العام، فقد استطاعت أن تغزو عقول المصريين والعرب لتشوه فى أعماقهم مفاهيم الجمال، وستظل الشهرة الواسعة لبعض الممثلين الذين ?صبحوا من نجوم السينما والتليفزيون، مهددة بأشباح الإفلاس الفنى وغياب الخبرة الحقيقية.
من المؤكد أن القائمين على إنتاج مسرح النهار، قد أدركوا جيدا دلالات النقد العارم التى واجهتها التجارب السابقة، فهم جميعا من الأكاديميين الدارسين والفنانين المحترفين، فنحن ببساطة أمام نقابة المهن التمثيلية ومن المنطقى أن يكون الإنتاج هو ابن شرعى للفن بمفاهيمه العلمية، وأن الجمهور سيشاهد أعمالا مسرحية وليس مجرد اسكتشات ونكت ومحاولات سخيفة للإضحاك، وفى إطار هذه التوقعات مرت الأسابيع الأولى من عروض مسرح النهار بهدوء، لم تحقق ردود فعل عالية ولم تتردد الأصداء المبهرة، لكنها ظلت داخل السياق الفنى ولم يحدث ذلك الخل? المخيف بين الكوميديا كفن له أصول درامية، وبين الابتذال والإسفاف والسخف.
قدم مسرح النهار فى الأسبوع الماضى عرض الشقة، الذى جاء كتجربة مستفزة تثير التساؤلات وتضع الكثير من علامات الاستفهام حول تيارات البساطة والبراءة والإبهار وإيقاعات الجمال، التى بعثها المخرج الفنان محمد جبر مع المؤلف المتميز محمد عز، فقد انطلقت حالة من الجدل المثير عبر صياغة المؤلف الدالة لنص غير تقليدي، مسكون بمفارقات الدهشة وجماليات الإبداع، اقترب من تيار الوعى ليعانق موجاته بحثا عن الحقيقة الغامضة، الهاربة دوما إلى الأعماق حيث الرغبات والرؤى والدلالات وأسرار الزوايا الحرجة التى يكشفها ذلك المزج المثير بين ا?حقيقة والخيال والحلم والواقع، والموت والحياة، وفى هذا السياق تكشف كتابة محمد عز عن كيان مبدع شغوف بالمعرفة، قارئ جيد لتراث الأدب العالمي، اختيار تيمة شديدة الشجن والإنسانية تسكن أعماق البشر وتؤرقهم بالبحث عن الحقيقة الوحيدة الثابتة المطلقة، تلك الحالة التى ترددت أصداؤها فى مسرحية Every man – «كل إنسان» وهى من تراث العصور الوسطى، وكذلك فى العديد من أفلام السينما العالمية والمصرية، لكن تأتى المعالجة فى مسرحية الشقة لتكشف عن خصوصية رؤى «محمد عز»، ووضوح بصماته وعن خصب خياله وثراء تصوراته واختلاف صياغاته، التى ?نحته تفردا مدهشا ووعيا مغايرا، اشتبك به مع الموت ورحلة الإنسان الغامضة إلى عالم مجهول، لنصبح أمام وجود فانتازى مسكون بالكوميديا الساخنة والجروتسك الشرس والمفارقات العنيدة الغامضة، إنها دهشة الجمال وصدمة المعرفة.
جاءت شخصية المسرحية التى نتعرف عليها كأشباح فى العالم الآخر، واضحة المعالم كاملة الاستدارة تبوح وتروى وتكشف.. تمتلك أطرها الإنسانية والنفسية والاجتماعية، وكذلك تمتلك تميزها الخاص وتفردها المثير ولذلك يظل البناء الدرامى متدفقا بالحيوية والتصاعد والإيقاع، يخترق الواقع ليبحث فيما وراءه حيث الإنسان والمصير والمجهول.
تمثل تجربة الشقة نقطة فاصلة فى حياة المخرج المتميز «محمد جبر»، الذى يدخل عالم المحترفين بخطوات واثقة، فقد بعث حالة مسرحية متوترة تجاوزت حدود الجمال المألوف، فتصاعدت إيقاعات الفن الجميل عبر دفء رؤاه ورشاقة لغته وبصماته الشابة، الكاشفة عن إدراك جميل لطبيعة مستوى الزمن المطلق الذى تدور فيه الأحداث، وكذلك عن وعى حاد بطبيعة لعبة الفن وآليات التواصل، وفى هذا السياق تميز مستوى الانتقال من الواقع إلى الفانتازيا والخيال بالنعومة المدهشة، فذابت الفواصل بينهما لدرجة أن محاولات الفصل أو التحديد تمثل نوعا من التعسف الذ? يتنافى مع الطبيعة الإبداعية المتفردة لهذه التجربة، ويذكر أن الإيقاع الدرامى كان يتدفق بشكل ملحوظ عبر الصياغة الجمالية الدالة للمشاهد المتوالية التى تبلورت من خلال الكوريوجرافيا الرشيقة وخطوط الحركة المتوازنة، أما تقنيات كسر الإبهام المرتبطة بالضوء والحركة، ودقة توظيف العلامات الميتاثياترية، فقد منحت العرض اشتباكا ساخنا مع الماضى والحاضر والزمن الممتد، وكان اللافت للنظر أن لغة الإخراج قد منحت مناطق السكون والثبات الحركى دلالات مثيرة تكشف عن طبيعة العلاقات وعن مناطق انتفاء الصراع فى ذلك العالم الأبدى.
تدور الأحداث فى الشقة فى ليلة زفاف آسر وحنان، التشكيل السينوغرافى يأخذنا إلى صالون كلاسيكى أنيق، الترتيب يأتى بشكل لا منطقى وغير مألوف، وتابلوهات الحوائط تشاغب الضوء وتبعث تيارات الهدوء، وفى هذا السياق يشتبك الضوء مع أغنية الفرح، التى تأتى قديمة لا تنتمى لزمننا الحالى والدلالة ترتبط بمفهوم امتداد الزمن المطلق، وانتفاء معنى الماضى والحاضر والقادم.
منذ اللحظات الأولى يشعر المتلقى أن التوتر يحكم المواقف، وحوارات العريس مع عروسه تفجر موجات عالية من الكوميديا الساخنة، فهو يشعر أن الشقة تموج بالأحداث الغامضة، تأكد أنه يلتقى بشخصيات غريبة تأتى وتمضي، تشتبك وتتحدث وتختفي، بينما كانت حنان، كما تشير طبيعة ملابسها، متوافقة مع المواقف، تتعامل ببساطة وانطلاق، حوارها يأتى صادقا لدرجة جروتسكية شرسة، ليست هناك أقنعة أو زيف وكذب، وهكذا تظل مفارقات كوميديا الموقف ممتدة، والتناقضات مشتعلة ونعلم فى نهاية العرض أن العروسين قد تعرضا لحادث مخيف على الطريق الدائري، وفقدا ?ياتهما بالموت قبل أن يصلا إلى الشقة، وأن كل الأحداث التى شاهدناها تدور فى العالم الآخر، الذى جاءت كل شخصياته مرسومة بسحر أخاذ.
كان آسر لا يزال مسكونا بصراعات الحياة، روحه معلقة بعالمه، لم يدرك بعد أن علاقته بالوجود الإنسانى قد انتهت، لذلك ظل يدافع بقوة عن شقته، ويقاوم كل الأشباح والعفاريت ليطردها، ويعيش الحياة، وتظل هذه الحالة هى سر وجود المسرحية، وسر مفارقاتها وتصاعد أحداثها.. فالعالم الآخر هادئ.. لا يعرف الخلافات.. ينتفى فيه تماما مبدأ الصراع، وهكذا تأتى النهاية وتتكشف أبعاد الحقيقة الثابتة، يخبرون آسر أنه شبح مثلهم، وتنطلق إيقاعات الموسيقى والرقص ويظل الجميع مندفعين إلى موجات الأبد.
شارك فى المسرحية فريق مبهر من النجمات والنجوم القادمين بقوة، جاء أداؤهم كاشفا عن الوعى والموهبة والحضور، والبصمات الفريدة المتميزة، ومن المؤكد أن أسماءهم سوف تتردد قريبا فى عالم الفن.
كان الديكور للدكتور أحمد عبد العزيز والألحان للفنان كريم عرفة والتوزيع لشريف الوسيمي.
د. وفاء كمالو