فازت روايتها «النباتية» الغرائبية السوداوية بـ «مان بوكر» 2016 لندن: منال لطفي امرأة تنتابها الكوابيس حول العنف والدماء وتعترف “لم أعد أحب الجنس البشري”، تقرر التوقف عن أكل اللحم لإنهاء

large-1297697863449142750

فازت روايتها «النباتية» الغرائبية السوداوية بـ «مان بوكر» 2016

لندن: منال لطفي

امرأة تنتابها الكوابيس حول العنف والدماء وتعترف “لم أعد أحب الجنس البشري”، تقرر التوقف عن أكل اللحم لإنهاء الكوابيس. ثم تجوع نفسها وتحيا على رشفات الماء معتبرة أنها يمكن أن تعيش كالنباتات، وتدريجيا تعتقد أنها تتحول فعلا إلى شجرة كى تعيش فى عالم من السلام الأبدي، لكنها تنتهى فى مصحة للأمراض النفسية بعدما انهار زواجها وانقلب عليها والدها الذى يرى أنها فى حالة جنون مطبق. وعندما يسألها زوجها عن سبب تحولاتها تجيب: ”رأيت حلما”.

انها رواية سريالية سوداوية، خلابة بها منعطفات عنيفة وصادمة عن حياة امرأة من كوريا الجنوبية تدعى يونج هاي، تريد أن تختبر فكرة كيف يمكن وهل يمكن أن يعيش الإنسان فى سلام أبدى مماثل لحياة النباتات والأشجار. وبسبب فرادة الفكرة وجمال السرد، نالت رواية “النباتية” جائزة “مان بوكر العالمية” لعام 2016، وهى أول مرة تنال فيها رواية من كوريا الجنوبية تلك الجائزة المرموقة.

وتقول المؤلفة الكورية الجنوبية هان كانج، وهى مثل بطلة روايتها نباتية وتشعر بآلام فى جسدها إذا ما رأت قطعة لحم على النار، إن جذور الرواية عن رفض العنف البشرى نمت من ذكرياتها عن انتفاضة الـ”جوانجو” فى كوريا الجنوبية ما بين 18 و27 مايو عام 1980 عندما تحولت المظاهرات المؤيدة للديمقراطية إلى حمام دم بعد أن هاجمت القوات الحكومية المحتجين السلميين وقتلت 606 أشخاص.

كانت هان كانج مجرد طفلة آنذاك تبلغ من العمر 9 سنوات فقط لكنها تتذكر تلك الأحداث وما ولدته من أسئلة حول قدرة الانسان على القتل والعنف وأيضا على التضحية بالنفس والرحمة. وتقول إنها فى رواية “النباتية” تحاول استكشاف معنى أن يعيش الانسان حياة سلمية تماما دون ان يرتكب اى فعل عنيف تماما مثل النباتات. فسؤال العنف البشرى هو محور عملها.

وتوضح:”كتابة الروايات هو نوع من التساؤل أو أسلوب استجواب بالنسبة لى. أحاول استكمال أسئلتى من خلال الكتابة. أحاول أن أبقى مع الأسئلة. هذا يكون مؤلما احيانا ومتطلبا احيانا. لكننى أحاول البقاء مع هذه الأسئلة لأبعد مدى ممكن. عندما كنت أكتب «النباتية» أردت طرح سؤال حول معنى أن تكون إنسانا. اردت أن أصف امرأة تريد باستماتة ألا تنتمى للجنس الانساني. ترفض أن تكون إنسانا فى عالم يرتكب فيه الانسان كل هذا العنف”.

تحول بطلة الرواية يونج هاى عن أكل اللحم فى “النباتية” ليس “موضة” غذائية كما هو فى الغرب، بل خيار مقاومة لكل ما تكرهه البطلة –الكاتبة فى الجنس البشري. هو عمل ثورى وتمرد وانشقاق. انه مقاومة تفتح أمامها باب الهاوية إذ تسير للموت على مهل فيما زوجها ينظر إليها وهو يفكر:”قبل أن تتحول زوجتى لنباتية، فكرت فيها دائما كشخص ليس هناك ما يميزه على أى مستوى. ولكى أكون صريحا، فإن أول مرة رأيتها لم أكن حتى منجذبا لها. متوسطة الطول، شعرها ليس طويلا وليس قصيرا. بشرتها تبدو سقيمة. عظام وجهها بارزة نوعا ما. وجودها الخجول الشاحب أظهر لى كل ما كنت أريد معرفته. عندما جاءت إلى الطاولة حيث كنت أنتظر، لم أتمالك سوى ملاحظة حذائها. حذاء أسود عادي. أكثر حذاء أسود عادى يمكن أن تتخيله. أما مشيتها، فليست سريعة أو بطيئة، وليست واسعة الخطى أو منمقة… ومع أنه لم يكن هناك أى جاذبية خاصة، لم يكن هناك أيضا أى عيوب واضحة. وبالتالى لم يكن هناك مانع كى نتزوج… فشخصية هذه المرأة السلبية الباهتة التى لا يمكن تعقب اثار نضارة أو سحر بها تناسبنى حتى النخاع…اعتقدت أن الحياة يمكن أن تسير بشكل لا بأس به إذا فكرت فيها كشخص غريب. لا كأخت، أو حتى خادمة”.

إن كل ما يقلق الزوج الان فى هزال زوجته وصمتها هو “الإحراج” الذى تجلبه له وسط الناس. فكل ما يريده من زوجته هو أن تساعده على أن يظهرا كـ”شخصين طبيعيين” وسط المجتمع. وهى ترفض هذا وترفض توضيح لماذا أصبحت نباتية ولماذا ألقت بكل اللحم فى صندوق القمامة، وترفض أن ترجع هذا لأسباب صحية أو أخلاقية متعلقة بالرحمة بالحيوانات مثلا، ما يدفع زوجها وأباها للسخط عليها أكثر والتمادى فى التنكيل بها، معتقدين أنها تعانى مشكلة نفسية.

تنقسم الرواية، وهى متوسطة الحجم نحو 188 صفحة، إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول سرد من وجهة نظر الزوج. والجزء الثانى سرد من وجهة نظر زوج شقيقتها. والجزء الثالث سرد من وجهة نظر شقيقة يونج هاي. لا تتداخل الأجزاء الثلاثة، فكل جزء يسرد جانبا من الحكاية. فالجزء الأول يسرد بداية تحولات يونج هاى من إنسان إلى شجرة، والفراغ الداخلى للحياة والزواج الأجوف الناجح اجتماعيا.

الجزء الثانى يسرد زوج شقيقتها الذى بات شغوفا بها حتى يدفع ثمن هذا الشغف.

والجزء الثالث من وجهة نظر شقيقة يونج هاى إذ تحكى عن شقيقتها بعدما باتت طريحة مستشفى الأمراض النفسية.

الأجزاء الثلاثة لا تعكس وجهة نظر يونج هاي، بل تعكس وجهات نظر الآخرين فيما تفعله. وهى وجهات نظر انتقادية غير متفهمة أو متعاطفة. فيما صوت يونج هاى نفسه يأتى على شكل تدخل قصير ومتشرذم هنا وهناك يلقى ببعض الضوء على مشاعرها واختياراتها.

انها رواية غرائبية وعدمية، قد تذكرك بعوالم كافكا، لكنها غنائية فى لغتها، وتعتمد على عدم المبالغة فى الكتابة حتى فى أكثر المقاطع عنفا.

المؤلفة هان كانج، وهى كاتبة وشاعرة معروفة فى كوريا الجنوبية وتدرس الكتابة الابداعية فى الجامعة، لم تكن معروفة فى المحافل الأدبية الغربية قبل عام. لكن ترجمة روايتها “النباتية” وفوزها بجائزة “مان بوكر” العريقة هذا الأسبوع جعلاها أسما معروفا بين ليلة وضحاها. وهذه أول رواية لها تترجم إلى الانجليزية، واختيرت للجائزة من ضمن 155 رواية من بينها روايات لكتاب أكثر منها شهرة وشعبية مثل الكاتب التركى الحاصل على نوبل للأدب أورهان باموك، والكاتبة الإيطالية إلينا فيرانتي، والكاتب الأنجولى ووردسميث خوسيه، والمؤلف الصينى يان ليانكى والروائى الاسترالى روبرت سيثلار. وتقول هان كانج، التى نشرت رواية “النباتية” فى بريطانيا اواخر 2015 ثم أمريكا مطلع العام الحالي، إن الرواية هى تطوير لقصة قصيرة كتبتها قبل سنوات بعنوان “فاكهة امرأتي” تتحول فيها امرأة إلى نبات.

وفى حيثيات منح الجائزة، وصف رئيس لجنة التحكيم بويد تونكين الرواية بانها “شفافة ومرعبة… قوية وغير قابلة للنسيان ومبتكرة”. كما قالت اللجنة إن الترجمة كانت عملا ابداعيا بحد ذاته، موضحة أن الكتاب “كأنه كتب بالانجليزية بسبب الألفة التى تشعر بها فى النص الانجليزى برغم غرائبية الحكاية”. واقتسمت الجائزة، البالغ قيمتها 50 ألف جنيه استرليني، المؤلفة هان كانج مع المترجمة ديبورا سميث. وهذه قصة بحد ذاتها. فسميث، 28 عاما، التى درست الأدب الانجليزى أرادت منذ التخرج العمل بالترجمة. وكما تقول: ”الترجمة هى العمل الوحيد الذى يجعلك تقرأ وتكتب فى الوقت ذاته”. نظرت سميث حولها لترى أى اللغات يمكن أن تكون خيارا جيدا للترجمة. وكانت اللغة الكورية، فالأدب الكورى شديد الخصوصية والمترجمون من الكورية إلى الانجليزية قليلون جدا. أخذت سميث حقيبتها عام 2010 وتوجهت إلى كوريا الجنوبية حيث أمضت سنوات تتعلم اللغة التى ستنقلها لاحقا إلى حقل الترجمة الأدبية وتجعلها من أهم المترجمين عن الكورية اليوم. والرواية الفائزة هى أول رواية تترجمها سميث عن الكورية. وتوضح:”لم تكن لى صلة باللغة الكورية، ولم أكن أعرف أى شخص كوري، ولكننى أردت أن أكون مترجمة، لأن الترجمة تجمع القراءة والكتابة”.

وهذه أول سنة يحصل فيها عمل روائى واحد على جائزة “مان بوكر” العالمية للأدب بعدما تم دمجها مع جائزة “الأدب العالمى المستقل” بعد التعديلات الأخيرة فى شروط الجائزة. وكانت جائزة “مان بوكر” تمنح حتى عام 2015 لكاتب على عدد من أعماله وليس عملا واحدا. وجاء دمج الجائزتين لتشجيع ترجمة الأعمال الروائية العالمية للانجليزية مع تزايد شعبية وتعاظم مبيعات الأدب العالمى فى بريطانيا ليتجاوز الأدب البريطانى نفسه.

“النباتية” رواية معقدة مركبة عن العنف والمرض النفسى وحصار الآخرين والسيطرة والتحكم، يختلط فيها النقد الاجتماعى بالنقد السياسى فى المجتمع الكورى الجنوبى الذى مثله مثل الكثير من المجتمعات فى آسيا، ما زالت قيمة السير وفق أعراف وتقاليد المجتمع أكثر تثمينا من الفردية والخيارات الشخصية. كما يمكن رؤية الرواية وفق منطق نقد السلطة الأبوية التى ما زالت قوية جدا أيضا فى المجتمعات الآسيوية، حيث تعانى البطلة سيطرة زوجها وأبيها وكل رجال العائلة.

الرواية أيضا تطرح سؤالا آخر حول فعل القراءة وكيف تقرأ كتابا. فالقراءة هنا هى “فحص” و”أستكشاف” و”بحث” عن الأفكار التى تريد المؤلفة طرحها. فالرواية لا تقدم اجابات عن أى شىء. حتى شخصية البطلة تتركها المؤلفة للقارئ نفسه ليقرر ما إذا كانت فعلا تعانى مرضا نفسيا أم لا. فالرواية بسبب طبيعتها السريالية وقصتها الغرائبية مليئة بالرموز والمعاني. السطور المكتوبة تقول شيئا، لكن هناك شيء آخر خفى بين السطور لا تقوله الكاتبة بشكل مباشر أو واضح وتترك المهمة للقارئ كى يفحص تلك الرموز. انه كتاب صعب عن عالم غريب لا ندرى هل نحكم فيه على البطلة بسبب خياراتها أم نحكم على من حولها بسبب ردود أفعالهم على خياراتها؟

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 829 الثلاثاء 24 مايو 2016